أسباب تعثُّر بعض البرامج والمشاريع التربوية في التعليم العام

معظم المؤسسات التربوية في مختلف دول العالم تواجه بعض الإخفاقات، ولكن الجهات المسؤولة في تلك الدول سرعان ما تبحث عن سبب تلك الإخفاقات لإصلاحها أثناء عمليات التنفيذ، وبعد ذلك تحقق نجاحًا كبيرًا؛ لأن تلك الدول تعتمد على التقويم المستمر لتجاربها، وعلى التغذية الراجعة من الخبراء والمستفيدين، ومن المجتمع؛ لتطوير المشاريع والبرامج الجديدة؛ ولذلك يجب أخذ الدروس والعِبر من النماذج العالمية لإصلاح ما حدث من تعثر وإخفاقات في البرامج والمشروعات للاستفادة منها في تطوير التعليم في السعودية؛ فالإخفاق يولد النجاح مع وجود الإرادة للتحسين والتطوير.

لقد أنشأت وزارة المعارف، ثم وزارة التربية والتعليم (سابقًا)، برامج ومشاريع تربوية عملاقة، أخفقت بعد أن كلفت أموالاً طائلة، وجهودًا كبيرة، وسنوات من العمل، وبعضها لم يكتب لها النجاح.. ولكن للأسف إن كلمة الإخفاق والفشل غبر مرغوب فيها في مجتمعنا؛ ولذلك تستمر الإخفاقات باهظة التكاليف، والهدر في الموارد البشرية إلى حد لا يطاق؛ فيتم إلغاؤها أو تركها بالرغم من أنها مشاريع جيدة؛ فنحن لا نعالج أخطاء الماضي، ولا نستفيد منها؛ والدليل على ذلك أنه تم التخلي عن بعض المشاريع السابقة بعد ثبات نجاحها، وكان بالإمكان التوسع فيها بعد إجراء بعض التعديلات عليها قبل إلغائها.. ولكن للأسف تم استبدالها بمشاريع جديدة، وبأسماء مختلفة، كلفت أيضًا مبالغ طائلة، وبعضها أيضًا لم يتحقق لها النجاح، والبعض الآخر في طريقها للإخفاق أو التغيير، كما أن الشخص الذي يتطرق للإخفاق أو الفشل غير مرغوب فيه حتى ولو أن هدفه الإصلاح؛ فلا يمكن تحقيق النجاح في التعليم بدون الاعتراف بالفشل وإصلاحه قبل إخفاقه.


لقد حدثت تطورات على الثانوية العامة إلا أنها لم تواكب النهضة التنموية في السعودية، والتطورات العالمية، وإن طرأ تغيير عليها فهي لا تمس الجوهر الأساسي؛ فهي تركز على إعداد الطلبة للمرحلة الجامعية، ومع ذلك لم تحقق النجاح في هذا الإعداد؛ لأن الجامعات أنشأت عمادات السنة التحضيرية لردم الفجوة بين مخرجات الثانوية ومتطلبات البيئة الجامعية. وبالرغم من حدوث تطوير جزئي في أقسامها العلمية والأدبية، أو تغير تلك الأقسام إلى علوم شرعية أو طبيعية، أو إضافة بعض المواد، أو كما طرأت بعض المبادرات المهمة لتطويرها من شاملة إلى مطورة، ثم إلى رائدة، ثم إلى مدارس تطوير، إلا أنه تم التخلي عنها، وتم الرجوع لنظام الثانوية التقليدية القديم.


وبالرغم من الاستعانة بالاستشارات من خبراء أجانب، وزيارات بعض موظفي الوزارة لعدد من الدول للاستفادة من تجاربها، وبالرغم من الدراسات والبحوث حول التعليم، ما زالت المرحلة الثانوية منذ أكثر من سبعين عامًا لم تتطور بما يتلاءم مع التطور الهائل عالميًّا ومتطلبات التنمية محليًّا.


فالتنمية تعتمد في الدول المتقدمة على مخرجات التعليم العام والعالي معًا، أما التنمية في السعودية فهي تعتمد في الأساس على مخرجات الجامعات؛ لأن المرحلة الثانوية لم تهيئ الطلبة لسوق العمل مع وجود نسبة محدودة لمخرجات التعليم الفني والتقني مقارنة بمخرجات التعليم الجامعي.

ولذلك يجب مراجعة خطط التعليم لتحقيق التوازن بين التعليم الجامعي والتعليم الفني والتقني الذي يسهم في تحقيق التنمية في المملكة العربية السعودية. ووفقًا لذلك فإن نظام الثانوية العامة يجب أن يختلف عما هو عليه الآن من تعليم يركز على الالتحاق بالجامعات للالتحاق بتخصصات أكاديمية إلى تخصصات علمية وتقنية لتحقيق التوازن بين التعليم الأكاديمي والتقني الذي يسهم في التنمية، ويحقق طموحات رؤية السعودية ٢٠٣٠.

ولتوضيح بعض البرامج والمشاريع التي فشلت فقد قامت وزارة المعارف (آنذاك)، وفيما بعد وزارة التربية والتعليم (سابقًا)، بمشاريع وبرامج وتجارب كبيرة ومهمة لتطوير التعليم.. فقد ازدهرت تلك المشاريع والتجارب وقت وجود من يرعاها من المسؤولين في داخل الوزارة، ولكنها لم تحقق أهدافها بعد انتقال رعاتها خارج الوزارة، وغالبيتها اختفت من الوجود؛ لأنه تم تطبيق هذه المشاريع دون تهيئة الميدان التربوي لعمليات التطبيق، ودون مراعاة التحديات الداخلية والخارجية المحتملة التي تواجهها، إضافة إلى ربطها بالأشخاص ممن بادروا باقتراحها دون ربطها بنظام التعليم؛ فهذه المشروعات مبادرات شخصية من بعض المسؤولين في الوزارة.. ولأنها لم تصبح جزءًا من النظام التعليمي الأساسي فقد أخفقت تلك المشاريع والجهود المبذولة فيها بالرغم من أنها مبادرات طموحة لبعض المسؤولين في ذلك الوقت، ويشكرون عليها، ولكن تم تنفيذها دون الإعداد والتهيئة المسبقة لها، ودون أخذ المشورة من الخبراء الوطنين خارج الوزارة.. فمن المهم الاستفادة من معرفة أسباب الإخفاق لتلافي أي فشل في المشاريع المستقبلية للتعليم.

وسوف أتطرق فقط لأبرز تلك المشاريع العملاقة لأهميتها في التعليم العام، التي يجب أخذ الدروس من إخفاقاتها وهي:

1. تجربة مدرسة الفهد؛ إذ بدأت التجربة عام 1397هـ، ويتميز نظامها بمراعاة الفروق الفردية بين الطلاب، وتبنت نظام الوحدات الذي يتيح للطالب المجد فرصته في النمو والانطلاق دون أن يتقيد بمن هو أقل منه. وما زالت هذه التجربة موجودة كما كانت منذ أكثر من 45 عامًا حتى الآن، ولم يتم التوسع فيها؛ فلم تضعها الوزارة ضمن التجارب الرائدة التي يحب التوسع فيها بالرغم من نجاحها؛ لأن راعيها - رحمه الله - ترك الوزارة منذ زمن بعيد، وبقيت كما بدأت.

2. تجربة التعليم الثانوي الشامل التي امتدت عشر سنوات من عام 1395هـ حتى عام 1405هـ. ومن مبررات إنشاء هذه المدرسة ضرورة إيجاد مدرسة ثانوية، تهيئ الطالب للدراسة الجامعية وللحياة العملية في آن واحد. وبالرغم من تقييم هذه التجربة في ندوات عدة، أوصت بالتوسع فيها، إلا أنه تم إيقاف العمل بها دون مبرر.

3. تجربة نظام التعليم المطور: في عام 1406 تم تطبيق نظام التعليم المطور لمدة تقارب خمس سنوات، وبعد ظهور مشكلات عدة، تتعلق بالمناهج والطالب والإدارة والنظام، ووجود أبواب المدرسة مفتوحة لدخول وخروج الطلبة دون قيود بعد أن كانت مغلقة في السنوات الماضية، وبسبب تنفيذ هذا النظام الجديد قبل التوعية والتدريب الكافي للمعلمين والإداريين، ودون توعية للأهالي والطلاب بهذا النظام قبل تنفيذه، وبالرغم من أهمية هذا النظام، إلا أن طريقة التنفيذ بدون تهيئة وبدون تعديل أثناء عملية التنفيذ كانت من الأسباب الرئيسية في صدور قرار مجلس الوزراء رقم 105 عام 1411هـ بإلغاء هذا النظام، والعودة إلى النظام التقليدي السابق مع الالتزام بتشعيب التعليم الثانوي إلى أربع شعب بدءًا من الصف الثاني الثانوي.

4. وفي عام ١٤٢٠هـ تبنت وزارة التربية والتعليم مشروعًا رائدًا لتطوير العملية التعليمية بمختلف جوانبها، أسمته مشروع المدارس الرائدة الذي طبِّق في عدد من إدارات التربية والتعليم في السعودية في ذلك الوقت بعد أن تأكدت الوزارة من جدوى هذا النموذج في عدد من الدول، منها أستراليا؛ إذ أوفدت الوزارة عددًا من التربويين للتدريب في أستراليا على هذا النموذج الجديد، وبعد أن بدأت التجربة في الانتشار والتطبيق خرج راعي هذه التجربة من الوزارة؛ وتوقف التوسع فيها؛ فأصبحت المدارس الرائدة مدارس راكدة.

5. كما بدأ في العام الدراسي 1425-1426هـ تجريب نموذج جديد في التعليم الثانوي، تم تسميته بنظام المقررات. وهذا النظام هو تقريبًا نظام الثانوية المطورة نفسه الذي تم إلغاؤه سابقًا، الا أن الفرق بين النظامين هو تلافي مشكلات نظام الثانوية المطورة السابقة من حيث تقليص الخيارات، وعدم ترك أبواب المدرسة مفتوحة كما هو الحال سابقًا. ولكن هذا النظام أيضًا ما زال يواجه مشكلات عديدة، من أبرزها قلة التهيئة لتطبيق النظام كما هو الحال في نظام الثانوية المطورة سابقًا. وتعديل نظام الثانوية المطورة إلى نظام المقررات أتى بعد أكثر من ١٥ سنة من إلغائه. ولو كان هذا التعديل أتى في وقته لاختصرت الوزارة أكثر من ١٥ عامًا من مراحل تطوير التعليم الثانوي. وأيضًا جرى بعض التعديلات مؤخرًا على نظام المقررات بسبب تكرار مشكلة عدم التهيئة. فالمدرسة التقليدية تتحول بين يوم وليلة إلى ثانوية بنظام المقررات دون تهيئة كافية لإدارة المدرسة والمعلمين والأهالي لعمليات التطبيق.

هذه مجرد أمثلة للمشاريع العملاقة والمهمة والجهود المبذولة من قِبل المسؤولين، والأموال التي أهدرت في السنوات الماضية في الوزارة، وكان بإمكانها أن تحقق التطوير الذي تسعى إليه الوزارة لو أصبحت مشاريع مؤسسية وجزءًا لا يتجزأ من نظام التعليم في السعودية، وليس التخلي عنها والبدء بمشاريع جديدة؛ ولذلك فإنه لا يمكن تحقيق التطور الذي يلبي احتياجات التنمية، ويتماشى مع المنافسة العالمية في التعليم، إلا باستمرار تكملة البناء والدعم للبرامج والمشاريع، سواء كان رعاتها موجودين في الوزارة أو خارجها.. فأرى أن بعض المشاريع التي أتت بعدها لا ترقى إلى مستوى تلك المشاريع السابقة؛ لذلك يستحق المسؤولون الذين بادروا بهذه المشاريع الكبيرة التقدير والثناء والتكريم بوضع أسمائهم روادًا للتعليم.

ومما سبق يمكن تحديد أسباب فشل بعض البرامج والمشاريع التربوية فيما يأتي:

1. أن كل مسؤول جديد يتولى مسؤولية التعليم يأتي معه برزمة من البرامج والتشريعات التي قد تتناقض مع برامج حالية في الوزارة.

2. أن البرامج والمشاريع الجديدة يتم استحداثها دون دمجها مع الخطة الاستراتيجية لوزارة التعلم لتأكيد استمرارية تمويلها والتوسع فيها.

3. افتقار المشاريع إلى تهيئة بيئتها الداخلية من حيث الأجهزة والتجهيزات قبل عمليات التطبيق.

4. قلة مشاركة المنفذين للبرامج والمشاريع الجديدة في عملية التخطيط واتخاذ القرارات.

5. قلة توعية المجتمع بالمشاريع الجديدة، وأخذ التغذية الراجعة منهم لتلافي سلبيات التطبيق.

6. قلة توافق مخرجات كليات التربية مع المستجدات التربوية والتقنية، ومع الخطط التطويرية التي تسعى وزارة التعليم لتطبيقها.

7. قلة تدريب المعنيين بتنفيذ البرامج أو المشروعات لكي يحققوا رؤيتها ورسالتها قبل بدايتها.

8. عندما يتم اقتراح برامج أو مشاريع جديدة يتم تنفيذها في عزلة عن البرامج والمشاريع الأخرى في الوزارة، وكأنها ضيوف على الوزارة، ولكن تكلفة ضيافتها مئات الملايين من الريالات، ثم ترحل عن الوزارة.

9. أن من يتولى البرامج والمشاريع ليس لديهم خبرة وإلمام وتحمس في تنفيذها.. فقد أشار الوزير «الرشيد» -رحمه الله- إلى أن نتائج مشروع التقويم الشامل لم يحقق المأمول، وأعاد ذلك إلى اختلاف توجهات وآراء وأفكار من أُسندت لهم المهمة.

10. لا توجد آليات لمتابعة المشاريع الجديدة، كما لا توجد آليات لتنفيذ أي مرئيات أو تغذية راجعة أثناء عمليات التنفيذ لتحقيق استمرارية البرامج والمشاريع.

11. قلة مشاركة الخبرات الوطنية من خارج الوزارة في البرامج الجديدة التي تنفذها الوزارة.

12. أن تقويم البرامج والمشاريع الجديدة يأتي متأخرًا بعد إلغائها، مثلما حصل للثانوية الشاملة والمطورة، واقتراح نظام المقررات الذي يشبه إلى حد كبير نظام الثانوية المطورة، ولكن روعي فيه نظام الساعات المقننة بدلاً من نظام الساعات المفتوح، وبعض الجوانب الأخرى في عدم ترك أبواب المدارس مفتوحة. وكلها جوانب يمكن تنفيذها أثناء المشروع دون إلغائه، ثم البدء من جديد بالمشروع نفسه مع بعض التعديلات.

13. أن بعض البرامج تختفي دون وجود أسباب علمية؛ فقبل سنوات كانت وزارة التعليم تنفذ برنامج «حسن»، وهو عبارة عن اختبارات لقياس مستوى الطلاب، والبحث عن مَواطن الضعف في التعليم.

14. قلة إتمام بناء وتطوير البرامج والمشاريع السابقة عند خروج رعاتها من الوزارة.
ونستخلص من ذلك أن نجاح البرامج والمشاريع يجب أن تعتمد على التخطيط الجيد، والإدارة الواعية، والموارد البشرية المؤهلة، والتقييم المستمر، وتهيئة البيئة لعمليات التطبيق؛ فالمشاريع الناجحة دائمًا على رأسها إدارات ناجحة، لا تعرف الفشل.

إن الوقت يمضي وليس في صالحنا إلا إذا تم التحرك بسرعة.. فقد أضعنا من السنوات والأموال والزيارات والتجارب والدراسات والاستشارات الأجنبية التي لم يتحقق منها المأمول، ولكن بوجود معايير اختيار عالية للقيادات في جهاز الوزارة وإدارات التعليم والمدارس فإن لدينا من الخبرات والمؤهلات الوطنية العالية رجالاً ونساء ما يمكن الاعتماد عليهم - بعد الله - للمساهمة في تطوير التعليم في فترة وجيزة مباشرة دون اللجوء إلى تجارب أو زيارات أو دراسات جديدة لجعل البرامج والمشاريع أعمالاً مؤسسية للحد من تكرار الأخطاء، والاستفادة من فشل البرامج والمشاريع السابقة.
فقد قال (بل غيتس): من الجيد الاحتفال بالنجاح، ولكن الأهم استخلاص العِبر والدروس من الفشل.

محمد المنيع
اعلان
أسباب تعثُّر بعض البرامج والمشاريع التربوية في التعليم العام
سبق

معظم المؤسسات التربوية في مختلف دول العالم تواجه بعض الإخفاقات، ولكن الجهات المسؤولة في تلك الدول سرعان ما تبحث عن سبب تلك الإخفاقات لإصلاحها أثناء عمليات التنفيذ، وبعد ذلك تحقق نجاحًا كبيرًا؛ لأن تلك الدول تعتمد على التقويم المستمر لتجاربها، وعلى التغذية الراجعة من الخبراء والمستفيدين، ومن المجتمع؛ لتطوير المشاريع والبرامج الجديدة؛ ولذلك يجب أخذ الدروس والعِبر من النماذج العالمية لإصلاح ما حدث من تعثر وإخفاقات في البرامج والمشروعات للاستفادة منها في تطوير التعليم في السعودية؛ فالإخفاق يولد النجاح مع وجود الإرادة للتحسين والتطوير.

لقد أنشأت وزارة المعارف، ثم وزارة التربية والتعليم (سابقًا)، برامج ومشاريع تربوية عملاقة، أخفقت بعد أن كلفت أموالاً طائلة، وجهودًا كبيرة، وسنوات من العمل، وبعضها لم يكتب لها النجاح.. ولكن للأسف إن كلمة الإخفاق والفشل غبر مرغوب فيها في مجتمعنا؛ ولذلك تستمر الإخفاقات باهظة التكاليف، والهدر في الموارد البشرية إلى حد لا يطاق؛ فيتم إلغاؤها أو تركها بالرغم من أنها مشاريع جيدة؛ فنحن لا نعالج أخطاء الماضي، ولا نستفيد منها؛ والدليل على ذلك أنه تم التخلي عن بعض المشاريع السابقة بعد ثبات نجاحها، وكان بالإمكان التوسع فيها بعد إجراء بعض التعديلات عليها قبل إلغائها.. ولكن للأسف تم استبدالها بمشاريع جديدة، وبأسماء مختلفة، كلفت أيضًا مبالغ طائلة، وبعضها أيضًا لم يتحقق لها النجاح، والبعض الآخر في طريقها للإخفاق أو التغيير، كما أن الشخص الذي يتطرق للإخفاق أو الفشل غير مرغوب فيه حتى ولو أن هدفه الإصلاح؛ فلا يمكن تحقيق النجاح في التعليم بدون الاعتراف بالفشل وإصلاحه قبل إخفاقه.


لقد حدثت تطورات على الثانوية العامة إلا أنها لم تواكب النهضة التنموية في السعودية، والتطورات العالمية، وإن طرأ تغيير عليها فهي لا تمس الجوهر الأساسي؛ فهي تركز على إعداد الطلبة للمرحلة الجامعية، ومع ذلك لم تحقق النجاح في هذا الإعداد؛ لأن الجامعات أنشأت عمادات السنة التحضيرية لردم الفجوة بين مخرجات الثانوية ومتطلبات البيئة الجامعية. وبالرغم من حدوث تطوير جزئي في أقسامها العلمية والأدبية، أو تغير تلك الأقسام إلى علوم شرعية أو طبيعية، أو إضافة بعض المواد، أو كما طرأت بعض المبادرات المهمة لتطويرها من شاملة إلى مطورة، ثم إلى رائدة، ثم إلى مدارس تطوير، إلا أنه تم التخلي عنها، وتم الرجوع لنظام الثانوية التقليدية القديم.


وبالرغم من الاستعانة بالاستشارات من خبراء أجانب، وزيارات بعض موظفي الوزارة لعدد من الدول للاستفادة من تجاربها، وبالرغم من الدراسات والبحوث حول التعليم، ما زالت المرحلة الثانوية منذ أكثر من سبعين عامًا لم تتطور بما يتلاءم مع التطور الهائل عالميًّا ومتطلبات التنمية محليًّا.


فالتنمية تعتمد في الدول المتقدمة على مخرجات التعليم العام والعالي معًا، أما التنمية في السعودية فهي تعتمد في الأساس على مخرجات الجامعات؛ لأن المرحلة الثانوية لم تهيئ الطلبة لسوق العمل مع وجود نسبة محدودة لمخرجات التعليم الفني والتقني مقارنة بمخرجات التعليم الجامعي.

ولذلك يجب مراجعة خطط التعليم لتحقيق التوازن بين التعليم الجامعي والتعليم الفني والتقني الذي يسهم في تحقيق التنمية في المملكة العربية السعودية. ووفقًا لذلك فإن نظام الثانوية العامة يجب أن يختلف عما هو عليه الآن من تعليم يركز على الالتحاق بالجامعات للالتحاق بتخصصات أكاديمية إلى تخصصات علمية وتقنية لتحقيق التوازن بين التعليم الأكاديمي والتقني الذي يسهم في التنمية، ويحقق طموحات رؤية السعودية ٢٠٣٠.

ولتوضيح بعض البرامج والمشاريع التي فشلت فقد قامت وزارة المعارف (آنذاك)، وفيما بعد وزارة التربية والتعليم (سابقًا)، بمشاريع وبرامج وتجارب كبيرة ومهمة لتطوير التعليم.. فقد ازدهرت تلك المشاريع والتجارب وقت وجود من يرعاها من المسؤولين في داخل الوزارة، ولكنها لم تحقق أهدافها بعد انتقال رعاتها خارج الوزارة، وغالبيتها اختفت من الوجود؛ لأنه تم تطبيق هذه المشاريع دون تهيئة الميدان التربوي لعمليات التطبيق، ودون مراعاة التحديات الداخلية والخارجية المحتملة التي تواجهها، إضافة إلى ربطها بالأشخاص ممن بادروا باقتراحها دون ربطها بنظام التعليم؛ فهذه المشروعات مبادرات شخصية من بعض المسؤولين في الوزارة.. ولأنها لم تصبح جزءًا من النظام التعليمي الأساسي فقد أخفقت تلك المشاريع والجهود المبذولة فيها بالرغم من أنها مبادرات طموحة لبعض المسؤولين في ذلك الوقت، ويشكرون عليها، ولكن تم تنفيذها دون الإعداد والتهيئة المسبقة لها، ودون أخذ المشورة من الخبراء الوطنين خارج الوزارة.. فمن المهم الاستفادة من معرفة أسباب الإخفاق لتلافي أي فشل في المشاريع المستقبلية للتعليم.

وسوف أتطرق فقط لأبرز تلك المشاريع العملاقة لأهميتها في التعليم العام، التي يجب أخذ الدروس من إخفاقاتها وهي:

1. تجربة مدرسة الفهد؛ إذ بدأت التجربة عام 1397هـ، ويتميز نظامها بمراعاة الفروق الفردية بين الطلاب، وتبنت نظام الوحدات الذي يتيح للطالب المجد فرصته في النمو والانطلاق دون أن يتقيد بمن هو أقل منه. وما زالت هذه التجربة موجودة كما كانت منذ أكثر من 45 عامًا حتى الآن، ولم يتم التوسع فيها؛ فلم تضعها الوزارة ضمن التجارب الرائدة التي يحب التوسع فيها بالرغم من نجاحها؛ لأن راعيها - رحمه الله - ترك الوزارة منذ زمن بعيد، وبقيت كما بدأت.

2. تجربة التعليم الثانوي الشامل التي امتدت عشر سنوات من عام 1395هـ حتى عام 1405هـ. ومن مبررات إنشاء هذه المدرسة ضرورة إيجاد مدرسة ثانوية، تهيئ الطالب للدراسة الجامعية وللحياة العملية في آن واحد. وبالرغم من تقييم هذه التجربة في ندوات عدة، أوصت بالتوسع فيها، إلا أنه تم إيقاف العمل بها دون مبرر.

3. تجربة نظام التعليم المطور: في عام 1406 تم تطبيق نظام التعليم المطور لمدة تقارب خمس سنوات، وبعد ظهور مشكلات عدة، تتعلق بالمناهج والطالب والإدارة والنظام، ووجود أبواب المدرسة مفتوحة لدخول وخروج الطلبة دون قيود بعد أن كانت مغلقة في السنوات الماضية، وبسبب تنفيذ هذا النظام الجديد قبل التوعية والتدريب الكافي للمعلمين والإداريين، ودون توعية للأهالي والطلاب بهذا النظام قبل تنفيذه، وبالرغم من أهمية هذا النظام، إلا أن طريقة التنفيذ بدون تهيئة وبدون تعديل أثناء عملية التنفيذ كانت من الأسباب الرئيسية في صدور قرار مجلس الوزراء رقم 105 عام 1411هـ بإلغاء هذا النظام، والعودة إلى النظام التقليدي السابق مع الالتزام بتشعيب التعليم الثانوي إلى أربع شعب بدءًا من الصف الثاني الثانوي.

4. وفي عام ١٤٢٠هـ تبنت وزارة التربية والتعليم مشروعًا رائدًا لتطوير العملية التعليمية بمختلف جوانبها، أسمته مشروع المدارس الرائدة الذي طبِّق في عدد من إدارات التربية والتعليم في السعودية في ذلك الوقت بعد أن تأكدت الوزارة من جدوى هذا النموذج في عدد من الدول، منها أستراليا؛ إذ أوفدت الوزارة عددًا من التربويين للتدريب في أستراليا على هذا النموذج الجديد، وبعد أن بدأت التجربة في الانتشار والتطبيق خرج راعي هذه التجربة من الوزارة؛ وتوقف التوسع فيها؛ فأصبحت المدارس الرائدة مدارس راكدة.

5. كما بدأ في العام الدراسي 1425-1426هـ تجريب نموذج جديد في التعليم الثانوي، تم تسميته بنظام المقررات. وهذا النظام هو تقريبًا نظام الثانوية المطورة نفسه الذي تم إلغاؤه سابقًا، الا أن الفرق بين النظامين هو تلافي مشكلات نظام الثانوية المطورة السابقة من حيث تقليص الخيارات، وعدم ترك أبواب المدرسة مفتوحة كما هو الحال سابقًا. ولكن هذا النظام أيضًا ما زال يواجه مشكلات عديدة، من أبرزها قلة التهيئة لتطبيق النظام كما هو الحال في نظام الثانوية المطورة سابقًا. وتعديل نظام الثانوية المطورة إلى نظام المقررات أتى بعد أكثر من ١٥ سنة من إلغائه. ولو كان هذا التعديل أتى في وقته لاختصرت الوزارة أكثر من ١٥ عامًا من مراحل تطوير التعليم الثانوي. وأيضًا جرى بعض التعديلات مؤخرًا على نظام المقررات بسبب تكرار مشكلة عدم التهيئة. فالمدرسة التقليدية تتحول بين يوم وليلة إلى ثانوية بنظام المقررات دون تهيئة كافية لإدارة المدرسة والمعلمين والأهالي لعمليات التطبيق.

هذه مجرد أمثلة للمشاريع العملاقة والمهمة والجهود المبذولة من قِبل المسؤولين، والأموال التي أهدرت في السنوات الماضية في الوزارة، وكان بإمكانها أن تحقق التطوير الذي تسعى إليه الوزارة لو أصبحت مشاريع مؤسسية وجزءًا لا يتجزأ من نظام التعليم في السعودية، وليس التخلي عنها والبدء بمشاريع جديدة؛ ولذلك فإنه لا يمكن تحقيق التطور الذي يلبي احتياجات التنمية، ويتماشى مع المنافسة العالمية في التعليم، إلا باستمرار تكملة البناء والدعم للبرامج والمشاريع، سواء كان رعاتها موجودين في الوزارة أو خارجها.. فأرى أن بعض المشاريع التي أتت بعدها لا ترقى إلى مستوى تلك المشاريع السابقة؛ لذلك يستحق المسؤولون الذين بادروا بهذه المشاريع الكبيرة التقدير والثناء والتكريم بوضع أسمائهم روادًا للتعليم.

ومما سبق يمكن تحديد أسباب فشل بعض البرامج والمشاريع التربوية فيما يأتي:

1. أن كل مسؤول جديد يتولى مسؤولية التعليم يأتي معه برزمة من البرامج والتشريعات التي قد تتناقض مع برامج حالية في الوزارة.

2. أن البرامج والمشاريع الجديدة يتم استحداثها دون دمجها مع الخطة الاستراتيجية لوزارة التعلم لتأكيد استمرارية تمويلها والتوسع فيها.

3. افتقار المشاريع إلى تهيئة بيئتها الداخلية من حيث الأجهزة والتجهيزات قبل عمليات التطبيق.

4. قلة مشاركة المنفذين للبرامج والمشاريع الجديدة في عملية التخطيط واتخاذ القرارات.

5. قلة توعية المجتمع بالمشاريع الجديدة، وأخذ التغذية الراجعة منهم لتلافي سلبيات التطبيق.

6. قلة توافق مخرجات كليات التربية مع المستجدات التربوية والتقنية، ومع الخطط التطويرية التي تسعى وزارة التعليم لتطبيقها.

7. قلة تدريب المعنيين بتنفيذ البرامج أو المشروعات لكي يحققوا رؤيتها ورسالتها قبل بدايتها.

8. عندما يتم اقتراح برامج أو مشاريع جديدة يتم تنفيذها في عزلة عن البرامج والمشاريع الأخرى في الوزارة، وكأنها ضيوف على الوزارة، ولكن تكلفة ضيافتها مئات الملايين من الريالات، ثم ترحل عن الوزارة.

9. أن من يتولى البرامج والمشاريع ليس لديهم خبرة وإلمام وتحمس في تنفيذها.. فقد أشار الوزير «الرشيد» -رحمه الله- إلى أن نتائج مشروع التقويم الشامل لم يحقق المأمول، وأعاد ذلك إلى اختلاف توجهات وآراء وأفكار من أُسندت لهم المهمة.

10. لا توجد آليات لمتابعة المشاريع الجديدة، كما لا توجد آليات لتنفيذ أي مرئيات أو تغذية راجعة أثناء عمليات التنفيذ لتحقيق استمرارية البرامج والمشاريع.

11. قلة مشاركة الخبرات الوطنية من خارج الوزارة في البرامج الجديدة التي تنفذها الوزارة.

12. أن تقويم البرامج والمشاريع الجديدة يأتي متأخرًا بعد إلغائها، مثلما حصل للثانوية الشاملة والمطورة، واقتراح نظام المقررات الذي يشبه إلى حد كبير نظام الثانوية المطورة، ولكن روعي فيه نظام الساعات المقننة بدلاً من نظام الساعات المفتوح، وبعض الجوانب الأخرى في عدم ترك أبواب المدارس مفتوحة. وكلها جوانب يمكن تنفيذها أثناء المشروع دون إلغائه، ثم البدء من جديد بالمشروع نفسه مع بعض التعديلات.

13. أن بعض البرامج تختفي دون وجود أسباب علمية؛ فقبل سنوات كانت وزارة التعليم تنفذ برنامج «حسن»، وهو عبارة عن اختبارات لقياس مستوى الطلاب، والبحث عن مَواطن الضعف في التعليم.

14. قلة إتمام بناء وتطوير البرامج والمشاريع السابقة عند خروج رعاتها من الوزارة.
ونستخلص من ذلك أن نجاح البرامج والمشاريع يجب أن تعتمد على التخطيط الجيد، والإدارة الواعية، والموارد البشرية المؤهلة، والتقييم المستمر، وتهيئة البيئة لعمليات التطبيق؛ فالمشاريع الناجحة دائمًا على رأسها إدارات ناجحة، لا تعرف الفشل.

إن الوقت يمضي وليس في صالحنا إلا إذا تم التحرك بسرعة.. فقد أضعنا من السنوات والأموال والزيارات والتجارب والدراسات والاستشارات الأجنبية التي لم يتحقق منها المأمول، ولكن بوجود معايير اختيار عالية للقيادات في جهاز الوزارة وإدارات التعليم والمدارس فإن لدينا من الخبرات والمؤهلات الوطنية العالية رجالاً ونساء ما يمكن الاعتماد عليهم - بعد الله - للمساهمة في تطوير التعليم في فترة وجيزة مباشرة دون اللجوء إلى تجارب أو زيارات أو دراسات جديدة لجعل البرامج والمشاريع أعمالاً مؤسسية للحد من تكرار الأخطاء، والاستفادة من فشل البرامج والمشاريع السابقة.
فقد قال (بل غيتس): من الجيد الاحتفال بالنجاح، ولكن الأهم استخلاص العِبر والدروس من الفشل.

15 أكتوبر 2019 - 16 صفر 1441
12:50 AM
اخر تعديل
13 نوفمبر 2019 - 16 ربيع الأول 1441
01:52 AM

أسباب تعثُّر بعض البرامج والمشاريع التربوية في التعليم العام

محمد المنيع - الرياض
A A A
5
4,480

معظم المؤسسات التربوية في مختلف دول العالم تواجه بعض الإخفاقات، ولكن الجهات المسؤولة في تلك الدول سرعان ما تبحث عن سبب تلك الإخفاقات لإصلاحها أثناء عمليات التنفيذ، وبعد ذلك تحقق نجاحًا كبيرًا؛ لأن تلك الدول تعتمد على التقويم المستمر لتجاربها، وعلى التغذية الراجعة من الخبراء والمستفيدين، ومن المجتمع؛ لتطوير المشاريع والبرامج الجديدة؛ ولذلك يجب أخذ الدروس والعِبر من النماذج العالمية لإصلاح ما حدث من تعثر وإخفاقات في البرامج والمشروعات للاستفادة منها في تطوير التعليم في السعودية؛ فالإخفاق يولد النجاح مع وجود الإرادة للتحسين والتطوير.

لقد أنشأت وزارة المعارف، ثم وزارة التربية والتعليم (سابقًا)، برامج ومشاريع تربوية عملاقة، أخفقت بعد أن كلفت أموالاً طائلة، وجهودًا كبيرة، وسنوات من العمل، وبعضها لم يكتب لها النجاح.. ولكن للأسف إن كلمة الإخفاق والفشل غبر مرغوب فيها في مجتمعنا؛ ولذلك تستمر الإخفاقات باهظة التكاليف، والهدر في الموارد البشرية إلى حد لا يطاق؛ فيتم إلغاؤها أو تركها بالرغم من أنها مشاريع جيدة؛ فنحن لا نعالج أخطاء الماضي، ولا نستفيد منها؛ والدليل على ذلك أنه تم التخلي عن بعض المشاريع السابقة بعد ثبات نجاحها، وكان بالإمكان التوسع فيها بعد إجراء بعض التعديلات عليها قبل إلغائها.. ولكن للأسف تم استبدالها بمشاريع جديدة، وبأسماء مختلفة، كلفت أيضًا مبالغ طائلة، وبعضها أيضًا لم يتحقق لها النجاح، والبعض الآخر في طريقها للإخفاق أو التغيير، كما أن الشخص الذي يتطرق للإخفاق أو الفشل غير مرغوب فيه حتى ولو أن هدفه الإصلاح؛ فلا يمكن تحقيق النجاح في التعليم بدون الاعتراف بالفشل وإصلاحه قبل إخفاقه.


لقد حدثت تطورات على الثانوية العامة إلا أنها لم تواكب النهضة التنموية في السعودية، والتطورات العالمية، وإن طرأ تغيير عليها فهي لا تمس الجوهر الأساسي؛ فهي تركز على إعداد الطلبة للمرحلة الجامعية، ومع ذلك لم تحقق النجاح في هذا الإعداد؛ لأن الجامعات أنشأت عمادات السنة التحضيرية لردم الفجوة بين مخرجات الثانوية ومتطلبات البيئة الجامعية. وبالرغم من حدوث تطوير جزئي في أقسامها العلمية والأدبية، أو تغير تلك الأقسام إلى علوم شرعية أو طبيعية، أو إضافة بعض المواد، أو كما طرأت بعض المبادرات المهمة لتطويرها من شاملة إلى مطورة، ثم إلى رائدة، ثم إلى مدارس تطوير، إلا أنه تم التخلي عنها، وتم الرجوع لنظام الثانوية التقليدية القديم.


وبالرغم من الاستعانة بالاستشارات من خبراء أجانب، وزيارات بعض موظفي الوزارة لعدد من الدول للاستفادة من تجاربها، وبالرغم من الدراسات والبحوث حول التعليم، ما زالت المرحلة الثانوية منذ أكثر من سبعين عامًا لم تتطور بما يتلاءم مع التطور الهائل عالميًّا ومتطلبات التنمية محليًّا.


فالتنمية تعتمد في الدول المتقدمة على مخرجات التعليم العام والعالي معًا، أما التنمية في السعودية فهي تعتمد في الأساس على مخرجات الجامعات؛ لأن المرحلة الثانوية لم تهيئ الطلبة لسوق العمل مع وجود نسبة محدودة لمخرجات التعليم الفني والتقني مقارنة بمخرجات التعليم الجامعي.

ولذلك يجب مراجعة خطط التعليم لتحقيق التوازن بين التعليم الجامعي والتعليم الفني والتقني الذي يسهم في تحقيق التنمية في المملكة العربية السعودية. ووفقًا لذلك فإن نظام الثانوية العامة يجب أن يختلف عما هو عليه الآن من تعليم يركز على الالتحاق بالجامعات للالتحاق بتخصصات أكاديمية إلى تخصصات علمية وتقنية لتحقيق التوازن بين التعليم الأكاديمي والتقني الذي يسهم في التنمية، ويحقق طموحات رؤية السعودية ٢٠٣٠.

ولتوضيح بعض البرامج والمشاريع التي فشلت فقد قامت وزارة المعارف (آنذاك)، وفيما بعد وزارة التربية والتعليم (سابقًا)، بمشاريع وبرامج وتجارب كبيرة ومهمة لتطوير التعليم.. فقد ازدهرت تلك المشاريع والتجارب وقت وجود من يرعاها من المسؤولين في داخل الوزارة، ولكنها لم تحقق أهدافها بعد انتقال رعاتها خارج الوزارة، وغالبيتها اختفت من الوجود؛ لأنه تم تطبيق هذه المشاريع دون تهيئة الميدان التربوي لعمليات التطبيق، ودون مراعاة التحديات الداخلية والخارجية المحتملة التي تواجهها، إضافة إلى ربطها بالأشخاص ممن بادروا باقتراحها دون ربطها بنظام التعليم؛ فهذه المشروعات مبادرات شخصية من بعض المسؤولين في الوزارة.. ولأنها لم تصبح جزءًا من النظام التعليمي الأساسي فقد أخفقت تلك المشاريع والجهود المبذولة فيها بالرغم من أنها مبادرات طموحة لبعض المسؤولين في ذلك الوقت، ويشكرون عليها، ولكن تم تنفيذها دون الإعداد والتهيئة المسبقة لها، ودون أخذ المشورة من الخبراء الوطنين خارج الوزارة.. فمن المهم الاستفادة من معرفة أسباب الإخفاق لتلافي أي فشل في المشاريع المستقبلية للتعليم.

وسوف أتطرق فقط لأبرز تلك المشاريع العملاقة لأهميتها في التعليم العام، التي يجب أخذ الدروس من إخفاقاتها وهي:

1. تجربة مدرسة الفهد؛ إذ بدأت التجربة عام 1397هـ، ويتميز نظامها بمراعاة الفروق الفردية بين الطلاب، وتبنت نظام الوحدات الذي يتيح للطالب المجد فرصته في النمو والانطلاق دون أن يتقيد بمن هو أقل منه. وما زالت هذه التجربة موجودة كما كانت منذ أكثر من 45 عامًا حتى الآن، ولم يتم التوسع فيها؛ فلم تضعها الوزارة ضمن التجارب الرائدة التي يحب التوسع فيها بالرغم من نجاحها؛ لأن راعيها - رحمه الله - ترك الوزارة منذ زمن بعيد، وبقيت كما بدأت.

2. تجربة التعليم الثانوي الشامل التي امتدت عشر سنوات من عام 1395هـ حتى عام 1405هـ. ومن مبررات إنشاء هذه المدرسة ضرورة إيجاد مدرسة ثانوية، تهيئ الطالب للدراسة الجامعية وللحياة العملية في آن واحد. وبالرغم من تقييم هذه التجربة في ندوات عدة، أوصت بالتوسع فيها، إلا أنه تم إيقاف العمل بها دون مبرر.

3. تجربة نظام التعليم المطور: في عام 1406 تم تطبيق نظام التعليم المطور لمدة تقارب خمس سنوات، وبعد ظهور مشكلات عدة، تتعلق بالمناهج والطالب والإدارة والنظام، ووجود أبواب المدرسة مفتوحة لدخول وخروج الطلبة دون قيود بعد أن كانت مغلقة في السنوات الماضية، وبسبب تنفيذ هذا النظام الجديد قبل التوعية والتدريب الكافي للمعلمين والإداريين، ودون توعية للأهالي والطلاب بهذا النظام قبل تنفيذه، وبالرغم من أهمية هذا النظام، إلا أن طريقة التنفيذ بدون تهيئة وبدون تعديل أثناء عملية التنفيذ كانت من الأسباب الرئيسية في صدور قرار مجلس الوزراء رقم 105 عام 1411هـ بإلغاء هذا النظام، والعودة إلى النظام التقليدي السابق مع الالتزام بتشعيب التعليم الثانوي إلى أربع شعب بدءًا من الصف الثاني الثانوي.

4. وفي عام ١٤٢٠هـ تبنت وزارة التربية والتعليم مشروعًا رائدًا لتطوير العملية التعليمية بمختلف جوانبها، أسمته مشروع المدارس الرائدة الذي طبِّق في عدد من إدارات التربية والتعليم في السعودية في ذلك الوقت بعد أن تأكدت الوزارة من جدوى هذا النموذج في عدد من الدول، منها أستراليا؛ إذ أوفدت الوزارة عددًا من التربويين للتدريب في أستراليا على هذا النموذج الجديد، وبعد أن بدأت التجربة في الانتشار والتطبيق خرج راعي هذه التجربة من الوزارة؛ وتوقف التوسع فيها؛ فأصبحت المدارس الرائدة مدارس راكدة.

5. كما بدأ في العام الدراسي 1425-1426هـ تجريب نموذج جديد في التعليم الثانوي، تم تسميته بنظام المقررات. وهذا النظام هو تقريبًا نظام الثانوية المطورة نفسه الذي تم إلغاؤه سابقًا، الا أن الفرق بين النظامين هو تلافي مشكلات نظام الثانوية المطورة السابقة من حيث تقليص الخيارات، وعدم ترك أبواب المدرسة مفتوحة كما هو الحال سابقًا. ولكن هذا النظام أيضًا ما زال يواجه مشكلات عديدة، من أبرزها قلة التهيئة لتطبيق النظام كما هو الحال في نظام الثانوية المطورة سابقًا. وتعديل نظام الثانوية المطورة إلى نظام المقررات أتى بعد أكثر من ١٥ سنة من إلغائه. ولو كان هذا التعديل أتى في وقته لاختصرت الوزارة أكثر من ١٥ عامًا من مراحل تطوير التعليم الثانوي. وأيضًا جرى بعض التعديلات مؤخرًا على نظام المقررات بسبب تكرار مشكلة عدم التهيئة. فالمدرسة التقليدية تتحول بين يوم وليلة إلى ثانوية بنظام المقررات دون تهيئة كافية لإدارة المدرسة والمعلمين والأهالي لعمليات التطبيق.

هذه مجرد أمثلة للمشاريع العملاقة والمهمة والجهود المبذولة من قِبل المسؤولين، والأموال التي أهدرت في السنوات الماضية في الوزارة، وكان بإمكانها أن تحقق التطوير الذي تسعى إليه الوزارة لو أصبحت مشاريع مؤسسية وجزءًا لا يتجزأ من نظام التعليم في السعودية، وليس التخلي عنها والبدء بمشاريع جديدة؛ ولذلك فإنه لا يمكن تحقيق التطور الذي يلبي احتياجات التنمية، ويتماشى مع المنافسة العالمية في التعليم، إلا باستمرار تكملة البناء والدعم للبرامج والمشاريع، سواء كان رعاتها موجودين في الوزارة أو خارجها.. فأرى أن بعض المشاريع التي أتت بعدها لا ترقى إلى مستوى تلك المشاريع السابقة؛ لذلك يستحق المسؤولون الذين بادروا بهذه المشاريع الكبيرة التقدير والثناء والتكريم بوضع أسمائهم روادًا للتعليم.

ومما سبق يمكن تحديد أسباب فشل بعض البرامج والمشاريع التربوية فيما يأتي:

1. أن كل مسؤول جديد يتولى مسؤولية التعليم يأتي معه برزمة من البرامج والتشريعات التي قد تتناقض مع برامج حالية في الوزارة.

2. أن البرامج والمشاريع الجديدة يتم استحداثها دون دمجها مع الخطة الاستراتيجية لوزارة التعلم لتأكيد استمرارية تمويلها والتوسع فيها.

3. افتقار المشاريع إلى تهيئة بيئتها الداخلية من حيث الأجهزة والتجهيزات قبل عمليات التطبيق.

4. قلة مشاركة المنفذين للبرامج والمشاريع الجديدة في عملية التخطيط واتخاذ القرارات.

5. قلة توعية المجتمع بالمشاريع الجديدة، وأخذ التغذية الراجعة منهم لتلافي سلبيات التطبيق.

6. قلة توافق مخرجات كليات التربية مع المستجدات التربوية والتقنية، ومع الخطط التطويرية التي تسعى وزارة التعليم لتطبيقها.

7. قلة تدريب المعنيين بتنفيذ البرامج أو المشروعات لكي يحققوا رؤيتها ورسالتها قبل بدايتها.

8. عندما يتم اقتراح برامج أو مشاريع جديدة يتم تنفيذها في عزلة عن البرامج والمشاريع الأخرى في الوزارة، وكأنها ضيوف على الوزارة، ولكن تكلفة ضيافتها مئات الملايين من الريالات، ثم ترحل عن الوزارة.

9. أن من يتولى البرامج والمشاريع ليس لديهم خبرة وإلمام وتحمس في تنفيذها.. فقد أشار الوزير «الرشيد» -رحمه الله- إلى أن نتائج مشروع التقويم الشامل لم يحقق المأمول، وأعاد ذلك إلى اختلاف توجهات وآراء وأفكار من أُسندت لهم المهمة.

10. لا توجد آليات لمتابعة المشاريع الجديدة، كما لا توجد آليات لتنفيذ أي مرئيات أو تغذية راجعة أثناء عمليات التنفيذ لتحقيق استمرارية البرامج والمشاريع.

11. قلة مشاركة الخبرات الوطنية من خارج الوزارة في البرامج الجديدة التي تنفذها الوزارة.

12. أن تقويم البرامج والمشاريع الجديدة يأتي متأخرًا بعد إلغائها، مثلما حصل للثانوية الشاملة والمطورة، واقتراح نظام المقررات الذي يشبه إلى حد كبير نظام الثانوية المطورة، ولكن روعي فيه نظام الساعات المقننة بدلاً من نظام الساعات المفتوح، وبعض الجوانب الأخرى في عدم ترك أبواب المدارس مفتوحة. وكلها جوانب يمكن تنفيذها أثناء المشروع دون إلغائه، ثم البدء من جديد بالمشروع نفسه مع بعض التعديلات.

13. أن بعض البرامج تختفي دون وجود أسباب علمية؛ فقبل سنوات كانت وزارة التعليم تنفذ برنامج «حسن»، وهو عبارة عن اختبارات لقياس مستوى الطلاب، والبحث عن مَواطن الضعف في التعليم.

14. قلة إتمام بناء وتطوير البرامج والمشاريع السابقة عند خروج رعاتها من الوزارة.
ونستخلص من ذلك أن نجاح البرامج والمشاريع يجب أن تعتمد على التخطيط الجيد، والإدارة الواعية، والموارد البشرية المؤهلة، والتقييم المستمر، وتهيئة البيئة لعمليات التطبيق؛ فالمشاريع الناجحة دائمًا على رأسها إدارات ناجحة، لا تعرف الفشل.

إن الوقت يمضي وليس في صالحنا إلا إذا تم التحرك بسرعة.. فقد أضعنا من السنوات والأموال والزيارات والتجارب والدراسات والاستشارات الأجنبية التي لم يتحقق منها المأمول، ولكن بوجود معايير اختيار عالية للقيادات في جهاز الوزارة وإدارات التعليم والمدارس فإن لدينا من الخبرات والمؤهلات الوطنية العالية رجالاً ونساء ما يمكن الاعتماد عليهم - بعد الله - للمساهمة في تطوير التعليم في فترة وجيزة مباشرة دون اللجوء إلى تجارب أو زيارات أو دراسات جديدة لجعل البرامج والمشاريع أعمالاً مؤسسية للحد من تكرار الأخطاء، والاستفادة من فشل البرامج والمشاريع السابقة.
فقد قال (بل غيتس): من الجيد الاحتفال بالنجاح، ولكن الأهم استخلاص العِبر والدروس من الفشل.