ذوو الاحتياجات الخاصة.. إلى متى التجاهل؟

أتيح لي الاستماع إلى برنامج سلمان الشهري " بوابة الإرادة " من إذاعة الرياض، يوم السبت الموافق 14/ 11 /1436هـ، وكانت الحلقة تسلط الضوء على معوقات الأكفَّاء " بتشديد الفاء المفتوحة " ممن فقدوا نعمة البصر، ولكنهم لم يفقدوا نعمة البصيرة، وحقيقة كانت حلقة عاصفة في الطرح وفي النقاش وفي المداخلات، ولكنها في الوقت نفسه كشفت جانباً مهماً لم يكن من المناسب ولا من اللائق السكوت عنه حتى تفاقم بهذا الشكل.
 
والله إنه لمن دواعي الفخر أن يكون هناك من الأكفَّاء من يجد في إكمال دراسته، وقد عاصرت كثيراً منهم في الجامعة، وشاهدت بأم عيني حجم المعاناة التي يتكبدها الكفيف في سبيل الحصول على الكتاب المقرر بحيث يقرأ بطريقة برايل المخصصة لقراءة المكفوفين، أو تسجيل المحاضرة ومن ثم تفريغها بنفس الطريقة، أو القراءة من قبل أحد المبصرين من الكتاب وإعادة كتابتها من قبل الكفيف على جهاز برايل، وهي عملية مضنية وليست بالسهلة، ولكن الله سبحانه وتعالى يسرها على الكفيف، وكذلك جدهم في طلب الوظيفة التعليمية سعيهم الدائم للاعتماد على أنفسهم، لكي يوفر مصروفاً له ولأسرته في حال الزواج، ولكن للأسف بدلاً من أن يمد له المجتمع عبر مؤسساته العامة والخاصة يد العون نجد العراقيل توضع في طريقه وبطريقة متعمدة لتحرمه من الترشح على الوظائف التي هي من الشح بمكان لدرجة تبعث على اليأس، فما بالنا عندما ينافس المبصر الكفيف للحصول عليها، وفي الغالب تذهب للمبصر بحجة واهية أن المبصر يستطيع أن يدرس الطالب المبصر والكفيف، بينما العكس في حالة المدرس الكفيف.
 
 وحقيقة أجد هذا التبرير غير منطقي وينطوي على الكثير، التمييز بين أبناء المجتمع الواحد، فلئن حرم الله الإنسان البصر، فلا يعني أن يحرم الفرص، فهو يقف مع المبصر على قدم المساواة إن لم يتفوق عليه.
 
وحتى نكون منصفين، فلا يمكن أن نطرح موضوعاً كهذا دون التطرق للنساء، فالكفيفات منهن ربما يعانين ضعف ما يعانيه الرجال، وربما شكلت البطالة المفروضة على الكفيف أو الكفيفة عزلة اجتماعية نتيجة الإحباط الذي يتولد في داخل الفرد، خصوصاً إذا تكررت الفرص وتكرر ضياعها.
 
وحقيقة لا أعلم لماذا لم يتبن مجلس الشورى قضية الأكفَّاء وبدعم من جميع الهيئات الحقوقية، فهذه قضية على درجة كبيرة من الحساسية، لأن التعامل مع الكفيف يجب أن تحكمه حقيقة محدودية الفرص أمامه إن لم تكن معدومة، فلذلك من المغامرة أن يوضع الكفيف أو الكفيفة في منافسة مع المبصر، والحال نفسه ينطبق على باقي ذوي الاحتياجات الخاصة، لأن المعادلة هنا معكوسة بالكامل، ولكن السؤال المحير، هل فعلاً هناك مشكلة تحول دون تعيين هذه الفئة الغالية على قلوبنا، وما زاد في غلاها تكبدها كل الصعاب من أجل إكمال الدراسة، فلمن لا يعلم، هناك مشاكل كبيرة يعاني منها الأكفَّاء من الجنسين في المراحل الدراسية ما قبل الجامعة، في سبيل الحصول على المقررات بطريقة "برايل" بل إن بعضها يتأخر بالشهور إن لم يكن غير موجود، ومع ذلك تجد الكثير منهم وقد تفوقوا في مجال دراستهم بتوفيق الله ثم بالجد والمثابرة، وعندما نسأل عن سبب هذا التأخير لا نجد جواباً شافياً، وللأسف هذه المشكلة لا تزال مستمرة.
 
وليست عملية التوظيف هي المشقة الوحيدة التي يعاني منها الكفيف، فهناك صعوبة في المواصلات، فرغم المكرمة الملكية بمنح ذوي الاحتياجات الخاصة فيزتي عاملة منزلية وسائق معفيتين من الرسوم الحكومية، وتوفير بعض السيارات المجهزة لذوي الاحتياجات الخاصة من ذوي الإعاقة الحركية، تظل عملية الاستقدام وتحمل الرواتب في ظل عدم توفر وظائف للكفيف كابوساً مؤرقاً يقض مضاجع معظم ذوي الاحتياجات الخاصة.
 
ولذلك فأنا أطالب مجلس الشورى، بتبني اقتراح مشروع هيئة تنظم شؤون ذوي الاحتياجات الخاصة، وتكون على رأس أولوياتها تأمين راتب مجز للفرد من الجنسين، أثناء الدراسة وبعد التخرج، لحين توفر وظيفة مناسبة وبراتب مناسب، وتوفر لهم بطاقات دعم في شراء الأغذية والأدوية، وعلى رأس هذه الخدمات توفير برنامج تأمين طبي مناسب، وصرف بطاقات للعلاج في جميع المستشفيات الحكومية، وإلزام المستشفيات الخاصة بعلاج ذوي الاحتياجات الخاصة وذويهم بالمجان وتوفير بعض الفرص الوظيفية التي تناسب بعض الحالات، بما في ذلك إجراء العمليات، مساهمة منها في المسؤولية الاجتماعية، والشيء نفسه ينطبق على البنوك من خلال إلزام البنوك بصرف إعانات سنوية لذوي الاحتياجات الخاصة، وتسهيل جميع الإجراءات البنكية وجعلها ميسرة لهم ومتاحة وتخصيص مساحة مخصصة لخدمتهم، للرجال والنساء، ومداخل ودورات مياه مناسبة ومطابقة للمواصفات العالمية تمنع إحراجهم أو تعيق تحركهم أثناء الدخول والخروج من البنك، وتخصيص مواقف سيارات خاصة بهم، وتقديم برامج إسكان ومنح تعليمية لأبنائهم مجانية، وغير ذلك مما يسهم في توفير حياة كريمة لهذه الفئة الغالية.
في الحقيقة جميعنا مقصرون في حق هذه الفئة الغالية، ولا نريد أن نردد هذا الكلمة تشدقاً أو تأدية واجب، بل يجب أن نقرن القول بالعمل، فكم يحزنني ويؤلمني، في كل مرة أصطحب فيها أسرتي لسوق أو حديقة عامة أو مدينة ملاه ولا أجد أياً من التسهيلات أو المرافق الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة، والحال نفسه ينطبق على المدارس، وهنا لا بد أن نقرر بأن نظام الدمج الذي طبق في المدارس، لم يجلب للمعاق إلا المزيد من العناء والضغوط النفسية، بل إن معظم المدرسين ليسوا مؤهلين لتأدية مهمة بمثل هذه الحساسية، فهل يعاد النظر في طريقة وشكل تطبيقها؟ أرجو ذلك، وهذا يتطلب تظافر جهود جميع العاملين في القطاع العام والخاص من أجل الرقي بالخدمات المقدمة لذوي الاحتياجات الخاصة انطلاقاً من كونهم يمثلون شريحة كبيرة في المجتمع من الجنسين، ومن ثم يجب أخذ وضع هذه الفئة في الحسبان في أي مشروع ينفذ، فإن كان التفكير ينصب على الفرد العادي مرة فعلينا أن نفكر في الفرد المعاق عشر مرات، وأجدها فرصة مناسبة ونحن نشهد تنفيذ مشروع القطار الأرضي " المترو" في مدينة الرياض كأحد أهم المشاريع العالمية المنفذة بهذا الحجم، أذكر فقط القائمين على المشروع بأخذ ما يتعلق بذوي الاحتياجات الخاصة في الحسبان طالما أن المشروع تحت التنفيذ، من حيث المداخل الخاصة والمصاعد والمواقف، وكل ما له علاقة بتسهيل عملية استفادة المعاق من المترو انطلاقاً من واجبي كمواطن يهمه أن يخدم المشروع كافة شرائح المجتمع بكل يسر وسهولة، وأجدد الدعوة لكل المؤسسات في المجتمع أن تضع هذه الفئة في الحسبان وهي تنفذ أو تفتتح أي مشروع، فهم في بيوتنا وفي قلوبنا، وإن سلبوا بعض ما نتمتع به من نعم الله علينا، يظلون في تذكير لنا بنعمة العافية ونعمة التنقل بحرية، وهي نعمة تستحق منا الشكر بالبذل ومساعدة كل محروم، والله من وراء القصد.

اعلان
ذوو الاحتياجات الخاصة.. إلى متى التجاهل؟
سبق
أتيح لي الاستماع إلى برنامج سلمان الشهري " بوابة الإرادة " من إذاعة الرياض، يوم السبت الموافق 14/ 11 /1436هـ، وكانت الحلقة تسلط الضوء على معوقات الأكفَّاء " بتشديد الفاء المفتوحة " ممن فقدوا نعمة البصر، ولكنهم لم يفقدوا نعمة البصيرة، وحقيقة كانت حلقة عاصفة في الطرح وفي النقاش وفي المداخلات، ولكنها في الوقت نفسه كشفت جانباً مهماً لم يكن من المناسب ولا من اللائق السكوت عنه حتى تفاقم بهذا الشكل.
 
والله إنه لمن دواعي الفخر أن يكون هناك من الأكفَّاء من يجد في إكمال دراسته، وقد عاصرت كثيراً منهم في الجامعة، وشاهدت بأم عيني حجم المعاناة التي يتكبدها الكفيف في سبيل الحصول على الكتاب المقرر بحيث يقرأ بطريقة برايل المخصصة لقراءة المكفوفين، أو تسجيل المحاضرة ومن ثم تفريغها بنفس الطريقة، أو القراءة من قبل أحد المبصرين من الكتاب وإعادة كتابتها من قبل الكفيف على جهاز برايل، وهي عملية مضنية وليست بالسهلة، ولكن الله سبحانه وتعالى يسرها على الكفيف، وكذلك جدهم في طلب الوظيفة التعليمية سعيهم الدائم للاعتماد على أنفسهم، لكي يوفر مصروفاً له ولأسرته في حال الزواج، ولكن للأسف بدلاً من أن يمد له المجتمع عبر مؤسساته العامة والخاصة يد العون نجد العراقيل توضع في طريقه وبطريقة متعمدة لتحرمه من الترشح على الوظائف التي هي من الشح بمكان لدرجة تبعث على اليأس، فما بالنا عندما ينافس المبصر الكفيف للحصول عليها، وفي الغالب تذهب للمبصر بحجة واهية أن المبصر يستطيع أن يدرس الطالب المبصر والكفيف، بينما العكس في حالة المدرس الكفيف.
 
 وحقيقة أجد هذا التبرير غير منطقي وينطوي على الكثير، التمييز بين أبناء المجتمع الواحد، فلئن حرم الله الإنسان البصر، فلا يعني أن يحرم الفرص، فهو يقف مع المبصر على قدم المساواة إن لم يتفوق عليه.
 
وحتى نكون منصفين، فلا يمكن أن نطرح موضوعاً كهذا دون التطرق للنساء، فالكفيفات منهن ربما يعانين ضعف ما يعانيه الرجال، وربما شكلت البطالة المفروضة على الكفيف أو الكفيفة عزلة اجتماعية نتيجة الإحباط الذي يتولد في داخل الفرد، خصوصاً إذا تكررت الفرص وتكرر ضياعها.
 
وحقيقة لا أعلم لماذا لم يتبن مجلس الشورى قضية الأكفَّاء وبدعم من جميع الهيئات الحقوقية، فهذه قضية على درجة كبيرة من الحساسية، لأن التعامل مع الكفيف يجب أن تحكمه حقيقة محدودية الفرص أمامه إن لم تكن معدومة، فلذلك من المغامرة أن يوضع الكفيف أو الكفيفة في منافسة مع المبصر، والحال نفسه ينطبق على باقي ذوي الاحتياجات الخاصة، لأن المعادلة هنا معكوسة بالكامل، ولكن السؤال المحير، هل فعلاً هناك مشكلة تحول دون تعيين هذه الفئة الغالية على قلوبنا، وما زاد في غلاها تكبدها كل الصعاب من أجل إكمال الدراسة، فلمن لا يعلم، هناك مشاكل كبيرة يعاني منها الأكفَّاء من الجنسين في المراحل الدراسية ما قبل الجامعة، في سبيل الحصول على المقررات بطريقة "برايل" بل إن بعضها يتأخر بالشهور إن لم يكن غير موجود، ومع ذلك تجد الكثير منهم وقد تفوقوا في مجال دراستهم بتوفيق الله ثم بالجد والمثابرة، وعندما نسأل عن سبب هذا التأخير لا نجد جواباً شافياً، وللأسف هذه المشكلة لا تزال مستمرة.
 
وليست عملية التوظيف هي المشقة الوحيدة التي يعاني منها الكفيف، فهناك صعوبة في المواصلات، فرغم المكرمة الملكية بمنح ذوي الاحتياجات الخاصة فيزتي عاملة منزلية وسائق معفيتين من الرسوم الحكومية، وتوفير بعض السيارات المجهزة لذوي الاحتياجات الخاصة من ذوي الإعاقة الحركية، تظل عملية الاستقدام وتحمل الرواتب في ظل عدم توفر وظائف للكفيف كابوساً مؤرقاً يقض مضاجع معظم ذوي الاحتياجات الخاصة.
 
ولذلك فأنا أطالب مجلس الشورى، بتبني اقتراح مشروع هيئة تنظم شؤون ذوي الاحتياجات الخاصة، وتكون على رأس أولوياتها تأمين راتب مجز للفرد من الجنسين، أثناء الدراسة وبعد التخرج، لحين توفر وظيفة مناسبة وبراتب مناسب، وتوفر لهم بطاقات دعم في شراء الأغذية والأدوية، وعلى رأس هذه الخدمات توفير برنامج تأمين طبي مناسب، وصرف بطاقات للعلاج في جميع المستشفيات الحكومية، وإلزام المستشفيات الخاصة بعلاج ذوي الاحتياجات الخاصة وذويهم بالمجان وتوفير بعض الفرص الوظيفية التي تناسب بعض الحالات، بما في ذلك إجراء العمليات، مساهمة منها في المسؤولية الاجتماعية، والشيء نفسه ينطبق على البنوك من خلال إلزام البنوك بصرف إعانات سنوية لذوي الاحتياجات الخاصة، وتسهيل جميع الإجراءات البنكية وجعلها ميسرة لهم ومتاحة وتخصيص مساحة مخصصة لخدمتهم، للرجال والنساء، ومداخل ودورات مياه مناسبة ومطابقة للمواصفات العالمية تمنع إحراجهم أو تعيق تحركهم أثناء الدخول والخروج من البنك، وتخصيص مواقف سيارات خاصة بهم، وتقديم برامج إسكان ومنح تعليمية لأبنائهم مجانية، وغير ذلك مما يسهم في توفير حياة كريمة لهذه الفئة الغالية.
في الحقيقة جميعنا مقصرون في حق هذه الفئة الغالية، ولا نريد أن نردد هذا الكلمة تشدقاً أو تأدية واجب، بل يجب أن نقرن القول بالعمل، فكم يحزنني ويؤلمني، في كل مرة أصطحب فيها أسرتي لسوق أو حديقة عامة أو مدينة ملاه ولا أجد أياً من التسهيلات أو المرافق الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة، والحال نفسه ينطبق على المدارس، وهنا لا بد أن نقرر بأن نظام الدمج الذي طبق في المدارس، لم يجلب للمعاق إلا المزيد من العناء والضغوط النفسية، بل إن معظم المدرسين ليسوا مؤهلين لتأدية مهمة بمثل هذه الحساسية، فهل يعاد النظر في طريقة وشكل تطبيقها؟ أرجو ذلك، وهذا يتطلب تظافر جهود جميع العاملين في القطاع العام والخاص من أجل الرقي بالخدمات المقدمة لذوي الاحتياجات الخاصة انطلاقاً من كونهم يمثلون شريحة كبيرة في المجتمع من الجنسين، ومن ثم يجب أخذ وضع هذه الفئة في الحسبان في أي مشروع ينفذ، فإن كان التفكير ينصب على الفرد العادي مرة فعلينا أن نفكر في الفرد المعاق عشر مرات، وأجدها فرصة مناسبة ونحن نشهد تنفيذ مشروع القطار الأرضي " المترو" في مدينة الرياض كأحد أهم المشاريع العالمية المنفذة بهذا الحجم، أذكر فقط القائمين على المشروع بأخذ ما يتعلق بذوي الاحتياجات الخاصة في الحسبان طالما أن المشروع تحت التنفيذ، من حيث المداخل الخاصة والمصاعد والمواقف، وكل ما له علاقة بتسهيل عملية استفادة المعاق من المترو انطلاقاً من واجبي كمواطن يهمه أن يخدم المشروع كافة شرائح المجتمع بكل يسر وسهولة، وأجدد الدعوة لكل المؤسسات في المجتمع أن تضع هذه الفئة في الحسبان وهي تنفذ أو تفتتح أي مشروع، فهم في بيوتنا وفي قلوبنا، وإن سلبوا بعض ما نتمتع به من نعم الله علينا، يظلون في تذكير لنا بنعمة العافية ونعمة التنقل بحرية، وهي نعمة تستحق منا الشكر بالبذل ومساعدة كل محروم، والله من وراء القصد.
31 أغسطس 2015 - 16 ذو القعدة 1436
11:48 PM

ذوو الاحتياجات الخاصة.. إلى متى التجاهل؟

A A A
0
1,337

أتيح لي الاستماع إلى برنامج سلمان الشهري " بوابة الإرادة " من إذاعة الرياض، يوم السبت الموافق 14/ 11 /1436هـ، وكانت الحلقة تسلط الضوء على معوقات الأكفَّاء " بتشديد الفاء المفتوحة " ممن فقدوا نعمة البصر، ولكنهم لم يفقدوا نعمة البصيرة، وحقيقة كانت حلقة عاصفة في الطرح وفي النقاش وفي المداخلات، ولكنها في الوقت نفسه كشفت جانباً مهماً لم يكن من المناسب ولا من اللائق السكوت عنه حتى تفاقم بهذا الشكل.
 
والله إنه لمن دواعي الفخر أن يكون هناك من الأكفَّاء من يجد في إكمال دراسته، وقد عاصرت كثيراً منهم في الجامعة، وشاهدت بأم عيني حجم المعاناة التي يتكبدها الكفيف في سبيل الحصول على الكتاب المقرر بحيث يقرأ بطريقة برايل المخصصة لقراءة المكفوفين، أو تسجيل المحاضرة ومن ثم تفريغها بنفس الطريقة، أو القراءة من قبل أحد المبصرين من الكتاب وإعادة كتابتها من قبل الكفيف على جهاز برايل، وهي عملية مضنية وليست بالسهلة، ولكن الله سبحانه وتعالى يسرها على الكفيف، وكذلك جدهم في طلب الوظيفة التعليمية سعيهم الدائم للاعتماد على أنفسهم، لكي يوفر مصروفاً له ولأسرته في حال الزواج، ولكن للأسف بدلاً من أن يمد له المجتمع عبر مؤسساته العامة والخاصة يد العون نجد العراقيل توضع في طريقه وبطريقة متعمدة لتحرمه من الترشح على الوظائف التي هي من الشح بمكان لدرجة تبعث على اليأس، فما بالنا عندما ينافس المبصر الكفيف للحصول عليها، وفي الغالب تذهب للمبصر بحجة واهية أن المبصر يستطيع أن يدرس الطالب المبصر والكفيف، بينما العكس في حالة المدرس الكفيف.
 
 وحقيقة أجد هذا التبرير غير منطقي وينطوي على الكثير، التمييز بين أبناء المجتمع الواحد، فلئن حرم الله الإنسان البصر، فلا يعني أن يحرم الفرص، فهو يقف مع المبصر على قدم المساواة إن لم يتفوق عليه.
 
وحتى نكون منصفين، فلا يمكن أن نطرح موضوعاً كهذا دون التطرق للنساء، فالكفيفات منهن ربما يعانين ضعف ما يعانيه الرجال، وربما شكلت البطالة المفروضة على الكفيف أو الكفيفة عزلة اجتماعية نتيجة الإحباط الذي يتولد في داخل الفرد، خصوصاً إذا تكررت الفرص وتكرر ضياعها.
 
وحقيقة لا أعلم لماذا لم يتبن مجلس الشورى قضية الأكفَّاء وبدعم من جميع الهيئات الحقوقية، فهذه قضية على درجة كبيرة من الحساسية، لأن التعامل مع الكفيف يجب أن تحكمه حقيقة محدودية الفرص أمامه إن لم تكن معدومة، فلذلك من المغامرة أن يوضع الكفيف أو الكفيفة في منافسة مع المبصر، والحال نفسه ينطبق على باقي ذوي الاحتياجات الخاصة، لأن المعادلة هنا معكوسة بالكامل، ولكن السؤال المحير، هل فعلاً هناك مشكلة تحول دون تعيين هذه الفئة الغالية على قلوبنا، وما زاد في غلاها تكبدها كل الصعاب من أجل إكمال الدراسة، فلمن لا يعلم، هناك مشاكل كبيرة يعاني منها الأكفَّاء من الجنسين في المراحل الدراسية ما قبل الجامعة، في سبيل الحصول على المقررات بطريقة "برايل" بل إن بعضها يتأخر بالشهور إن لم يكن غير موجود، ومع ذلك تجد الكثير منهم وقد تفوقوا في مجال دراستهم بتوفيق الله ثم بالجد والمثابرة، وعندما نسأل عن سبب هذا التأخير لا نجد جواباً شافياً، وللأسف هذه المشكلة لا تزال مستمرة.
 
وليست عملية التوظيف هي المشقة الوحيدة التي يعاني منها الكفيف، فهناك صعوبة في المواصلات، فرغم المكرمة الملكية بمنح ذوي الاحتياجات الخاصة فيزتي عاملة منزلية وسائق معفيتين من الرسوم الحكومية، وتوفير بعض السيارات المجهزة لذوي الاحتياجات الخاصة من ذوي الإعاقة الحركية، تظل عملية الاستقدام وتحمل الرواتب في ظل عدم توفر وظائف للكفيف كابوساً مؤرقاً يقض مضاجع معظم ذوي الاحتياجات الخاصة.
 
ولذلك فأنا أطالب مجلس الشورى، بتبني اقتراح مشروع هيئة تنظم شؤون ذوي الاحتياجات الخاصة، وتكون على رأس أولوياتها تأمين راتب مجز للفرد من الجنسين، أثناء الدراسة وبعد التخرج، لحين توفر وظيفة مناسبة وبراتب مناسب، وتوفر لهم بطاقات دعم في شراء الأغذية والأدوية، وعلى رأس هذه الخدمات توفير برنامج تأمين طبي مناسب، وصرف بطاقات للعلاج في جميع المستشفيات الحكومية، وإلزام المستشفيات الخاصة بعلاج ذوي الاحتياجات الخاصة وذويهم بالمجان وتوفير بعض الفرص الوظيفية التي تناسب بعض الحالات، بما في ذلك إجراء العمليات، مساهمة منها في المسؤولية الاجتماعية، والشيء نفسه ينطبق على البنوك من خلال إلزام البنوك بصرف إعانات سنوية لذوي الاحتياجات الخاصة، وتسهيل جميع الإجراءات البنكية وجعلها ميسرة لهم ومتاحة وتخصيص مساحة مخصصة لخدمتهم، للرجال والنساء، ومداخل ودورات مياه مناسبة ومطابقة للمواصفات العالمية تمنع إحراجهم أو تعيق تحركهم أثناء الدخول والخروج من البنك، وتخصيص مواقف سيارات خاصة بهم، وتقديم برامج إسكان ومنح تعليمية لأبنائهم مجانية، وغير ذلك مما يسهم في توفير حياة كريمة لهذه الفئة الغالية.
في الحقيقة جميعنا مقصرون في حق هذه الفئة الغالية، ولا نريد أن نردد هذا الكلمة تشدقاً أو تأدية واجب، بل يجب أن نقرن القول بالعمل، فكم يحزنني ويؤلمني، في كل مرة أصطحب فيها أسرتي لسوق أو حديقة عامة أو مدينة ملاه ولا أجد أياً من التسهيلات أو المرافق الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة، والحال نفسه ينطبق على المدارس، وهنا لا بد أن نقرر بأن نظام الدمج الذي طبق في المدارس، لم يجلب للمعاق إلا المزيد من العناء والضغوط النفسية، بل إن معظم المدرسين ليسوا مؤهلين لتأدية مهمة بمثل هذه الحساسية، فهل يعاد النظر في طريقة وشكل تطبيقها؟ أرجو ذلك، وهذا يتطلب تظافر جهود جميع العاملين في القطاع العام والخاص من أجل الرقي بالخدمات المقدمة لذوي الاحتياجات الخاصة انطلاقاً من كونهم يمثلون شريحة كبيرة في المجتمع من الجنسين، ومن ثم يجب أخذ وضع هذه الفئة في الحسبان في أي مشروع ينفذ، فإن كان التفكير ينصب على الفرد العادي مرة فعلينا أن نفكر في الفرد المعاق عشر مرات، وأجدها فرصة مناسبة ونحن نشهد تنفيذ مشروع القطار الأرضي " المترو" في مدينة الرياض كأحد أهم المشاريع العالمية المنفذة بهذا الحجم، أذكر فقط القائمين على المشروع بأخذ ما يتعلق بذوي الاحتياجات الخاصة في الحسبان طالما أن المشروع تحت التنفيذ، من حيث المداخل الخاصة والمصاعد والمواقف، وكل ما له علاقة بتسهيل عملية استفادة المعاق من المترو انطلاقاً من واجبي كمواطن يهمه أن يخدم المشروع كافة شرائح المجتمع بكل يسر وسهولة، وأجدد الدعوة لكل المؤسسات في المجتمع أن تضع هذه الفئة في الحسبان وهي تنفذ أو تفتتح أي مشروع، فهم في بيوتنا وفي قلوبنا، وإن سلبوا بعض ما نتمتع به من نعم الله علينا، يظلون في تذكير لنا بنعمة العافية ونعمة التنقل بحرية، وهي نعمة تستحق منا الشكر بالبذل ومساعدة كل محروم، والله من وراء القصد.