"المطلق" عن فضل يوم عرفة: دُرَّة أيام العشر المباركة وله مكانة عظيمة في الإسلام

تحدَّث المستشار بالديوان الملكي عضو هيئة كبار العلماء، الدكتور عبدالله المطلق، عن فضل يوم عرفة الذي يعتق الله فيه مَن يشاء من عباده، ويباهي الله بعباده ملائكتَه، وحُسْن استغلاله.

وقال "المطلق" لـ"سبق": "عشر ذي الحجة من المحطات الإيمانية التي يتوقف عندها المسلم؛ ليتخفَّف من ذنوبه، ويتزوَّد من الخير والأجر بأوفر الحظِّ والنصيب؛ فهو يسابق فيها إلى مغفرة من ربه، وجنة عرضها كعرض السماء والأرض، بكثرة الطاعات من محافظة على الفرائض، واستكثارٍ من النوافل والقُرَب. ولا يفوت هذه الفرصة الثمينة إلا غافلٌ متكاسلٌ".

وتابع: "أقسَمَ اللهُ تعالى بعشر ذي الحجة لعظيم فضلها؛ فقال سبحانه: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر:1-2]، قاله ابن عباس، وابن الزبير رضي الله عنهم وغيرهم. وعن ابن عمر -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ قال: "ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر؛ فأكثروا فيهن من التهليل، والتكبير، والتحميد" رواه أحمد. وعند البخاري وغيره: "قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟! قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء". قال الحافظ ابن حجر في الفتح: "والذي يظهر أنَّ السبب في امتياز عشر ذي الحجة؛ لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج. ولا يتأتَّى ذلك في غيره".

وأضاف: "يوم عرفة هو دُرَّة هذه الأيام المباركة، وله مكانة عظيمة في الإسلام؛ فهو ركن الحج الأعظم؛ لأنَّ الوقوف بعرفة أعظم أركان الحج؛ قال نبيُّنا ﷺ: "الْحَجُّ عَرَفَةُ" رواه الخمسة، وصححه الألباني.

وقال "المطلق": "وهو يوم يعتق الله فيه مَن يشاء من عباده، ويباهي الله بعباده ملائكتَه؛ فعن السيدة عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟" رواه مسلم.

وذكر أن عشيَّة يوم عرفة أفضل وقت نهارٍ في السَّنة، فما أحسن أن تُستغلَّ في الذكر والدعاء؛ ينزل فيها الربُّ -عزَّ وجلَّ- إلى السماء الدنيا، فيباهي بعباده الحجاج ملائكةَ السماء؛ فعن عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن النبي ﷺ كان يقول: "إن الله -عز وجلَّ- يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا" رواه أحمد والحاكم وصححه.

وأوضح أن "دعاء يوم عرفة خير الدعاء، وأرجاه، وأعجله إجابةً؛ فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قُلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) رواه الترمذي وحسَّنه الألباني".

قال "المباركفوري" في "تحفة الأحوذي": "قوله: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة)؛ لأنه أجزل إثابة وأعجل إجابة". والدعاء هنا يشمل دعاء الثناء -وهو الذِّكر، وهو التسبيح، والتكبير، والتحميد، والتهليل، ولا حول ولا قوة إلا بالله-، ودعاء المسألة. ودعاء الثناء (الذِّكر) أفضل من دعاء المسألة. وفي الحديث القدسي: (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين) رواه الترمذي".

وأضاف: "فيه كان نزول الإيذان بكمال الدين، وقرب وفاة النبي ﷺ؛ إذ فيه نزل قول الله تعالى في حجة الوداع: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ} [المائدة:3]. فعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن رجلاً من اليهود قال له: (يا أمير المؤمنين، آيةٌ في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشرَ اليهود نزلتْ لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: أيُّ آية؟! قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ} [المائدة:3]. قال عمر رضي الله عنه: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ، وهو قائمٌ بعرفة، يوم جمعة) متفق عليه".

وتابع: "وفيه كانت خطبة الوداع، التي أعلن فيها النبي ﷺ حرمة الدماء، والأموال، والأعراض، وأسقط كل مظاهر الجاهلية، من شركٍ، وثارات، وربى، وعادات سيئة، وأوصى بالنساء بما لهنَّ، وما عليهن، وأوصى أمَّته بالتمسك بالكتاب والسنة. فاشتملت خطبته ﷺ على إحقاق الحقوق الآدمية، واحترام الأموال، والدماء والأعراض، وإكرام الإنسان، والوصية بالمرأة، وإسقاط الثارات وعادات الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان. وصيام يوم عرفة لغير الحاجِّ سُنَّة ثابتة عن رسول الله ﷺ، وهو آكد أيام تسع ذي الحجة، وصيامه يكفِّر سنتين؛ قال نبيُّنا ﷺ: (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفِّر السَّنة التي قبله، والسَّنة التي بعده) رواه مسلم".

وأضاف: "استثمار المسلم يوم عرفة وغيره من مواسم الخيرات هو من تعظيم شعائر الله، وهو من أمارات تقوى القلوب؛ قال الله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32]. وإنَّ من تعظيم يوم عرفة معرفة قدره، وحسن استغلاله، وعمارة أوقاته بكثرة الذكر، والدُّعاء، والاجتهاد في الأعمال الصالحة، من صلاة وصوم وقراءة القرآن، والإنفاق في وجوه الخير، وغير ذلك من الطاعات".

وقال: "على المسلم أن يتفرَّغ يوم عرفة للدعاء، ويبتدئ بدعاء الثناء، ثم دعاء المسألة، ويُكثر من ذكر الله -عزَّ وجلَّ-، وأن يدعو لنفسه وأهله وولده، ووالديه، وقرابته، وولاة أمره، والمسلمين أجمعين".

وختم حديثه قائلاً: "تقبَّل الله منَّا ومنكم الطاعات، وأعاننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، ورزقنا جميعًا من خير الدنيا ونعيم الآخرة أوفر الحظِّ والنصيب، إنه أعظم مأمول، وأكرم مسؤول. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين".

اعلان
"المطلق" عن فضل يوم عرفة: دُرَّة أيام العشر المباركة وله مكانة عظيمة في الإسلام
سبق

تحدَّث المستشار بالديوان الملكي عضو هيئة كبار العلماء، الدكتور عبدالله المطلق، عن فضل يوم عرفة الذي يعتق الله فيه مَن يشاء من عباده، ويباهي الله بعباده ملائكتَه، وحُسْن استغلاله.

وقال "المطلق" لـ"سبق": "عشر ذي الحجة من المحطات الإيمانية التي يتوقف عندها المسلم؛ ليتخفَّف من ذنوبه، ويتزوَّد من الخير والأجر بأوفر الحظِّ والنصيب؛ فهو يسابق فيها إلى مغفرة من ربه، وجنة عرضها كعرض السماء والأرض، بكثرة الطاعات من محافظة على الفرائض، واستكثارٍ من النوافل والقُرَب. ولا يفوت هذه الفرصة الثمينة إلا غافلٌ متكاسلٌ".

وتابع: "أقسَمَ اللهُ تعالى بعشر ذي الحجة لعظيم فضلها؛ فقال سبحانه: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر:1-2]، قاله ابن عباس، وابن الزبير رضي الله عنهم وغيرهم. وعن ابن عمر -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ قال: "ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر؛ فأكثروا فيهن من التهليل، والتكبير، والتحميد" رواه أحمد. وعند البخاري وغيره: "قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟! قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء". قال الحافظ ابن حجر في الفتح: "والذي يظهر أنَّ السبب في امتياز عشر ذي الحجة؛ لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج. ولا يتأتَّى ذلك في غيره".

وأضاف: "يوم عرفة هو دُرَّة هذه الأيام المباركة، وله مكانة عظيمة في الإسلام؛ فهو ركن الحج الأعظم؛ لأنَّ الوقوف بعرفة أعظم أركان الحج؛ قال نبيُّنا ﷺ: "الْحَجُّ عَرَفَةُ" رواه الخمسة، وصححه الألباني.

وقال "المطلق": "وهو يوم يعتق الله فيه مَن يشاء من عباده، ويباهي الله بعباده ملائكتَه؛ فعن السيدة عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟" رواه مسلم.

وذكر أن عشيَّة يوم عرفة أفضل وقت نهارٍ في السَّنة، فما أحسن أن تُستغلَّ في الذكر والدعاء؛ ينزل فيها الربُّ -عزَّ وجلَّ- إلى السماء الدنيا، فيباهي بعباده الحجاج ملائكةَ السماء؛ فعن عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن النبي ﷺ كان يقول: "إن الله -عز وجلَّ- يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا" رواه أحمد والحاكم وصححه.

وأوضح أن "دعاء يوم عرفة خير الدعاء، وأرجاه، وأعجله إجابةً؛ فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قُلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) رواه الترمذي وحسَّنه الألباني".

قال "المباركفوري" في "تحفة الأحوذي": "قوله: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة)؛ لأنه أجزل إثابة وأعجل إجابة". والدعاء هنا يشمل دعاء الثناء -وهو الذِّكر، وهو التسبيح، والتكبير، والتحميد، والتهليل، ولا حول ولا قوة إلا بالله-، ودعاء المسألة. ودعاء الثناء (الذِّكر) أفضل من دعاء المسألة. وفي الحديث القدسي: (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين) رواه الترمذي".

وأضاف: "فيه كان نزول الإيذان بكمال الدين، وقرب وفاة النبي ﷺ؛ إذ فيه نزل قول الله تعالى في حجة الوداع: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ} [المائدة:3]. فعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن رجلاً من اليهود قال له: (يا أمير المؤمنين، آيةٌ في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشرَ اليهود نزلتْ لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: أيُّ آية؟! قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ} [المائدة:3]. قال عمر رضي الله عنه: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ، وهو قائمٌ بعرفة، يوم جمعة) متفق عليه".

وتابع: "وفيه كانت خطبة الوداع، التي أعلن فيها النبي ﷺ حرمة الدماء، والأموال، والأعراض، وأسقط كل مظاهر الجاهلية، من شركٍ، وثارات، وربى، وعادات سيئة، وأوصى بالنساء بما لهنَّ، وما عليهن، وأوصى أمَّته بالتمسك بالكتاب والسنة. فاشتملت خطبته ﷺ على إحقاق الحقوق الآدمية، واحترام الأموال، والدماء والأعراض، وإكرام الإنسان، والوصية بالمرأة، وإسقاط الثارات وعادات الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان. وصيام يوم عرفة لغير الحاجِّ سُنَّة ثابتة عن رسول الله ﷺ، وهو آكد أيام تسع ذي الحجة، وصيامه يكفِّر سنتين؛ قال نبيُّنا ﷺ: (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفِّر السَّنة التي قبله، والسَّنة التي بعده) رواه مسلم".

وأضاف: "استثمار المسلم يوم عرفة وغيره من مواسم الخيرات هو من تعظيم شعائر الله، وهو من أمارات تقوى القلوب؛ قال الله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32]. وإنَّ من تعظيم يوم عرفة معرفة قدره، وحسن استغلاله، وعمارة أوقاته بكثرة الذكر، والدُّعاء، والاجتهاد في الأعمال الصالحة، من صلاة وصوم وقراءة القرآن، والإنفاق في وجوه الخير، وغير ذلك من الطاعات".

وقال: "على المسلم أن يتفرَّغ يوم عرفة للدعاء، ويبتدئ بدعاء الثناء، ثم دعاء المسألة، ويُكثر من ذكر الله -عزَّ وجلَّ-، وأن يدعو لنفسه وأهله وولده، ووالديه، وقرابته، وولاة أمره، والمسلمين أجمعين".

وختم حديثه قائلاً: "تقبَّل الله منَّا ومنكم الطاعات، وأعاننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، ورزقنا جميعًا من خير الدنيا ونعيم الآخرة أوفر الحظِّ والنصيب، إنه أعظم مأمول، وأكرم مسؤول. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين".

18 يوليو 2021 - 8 ذو الحجة 1442
11:38 PM

"المطلق" عن فضل يوم عرفة: دُرَّة أيام العشر المباركة وله مكانة عظيمة في الإسلام

A A A
3
2,826

تحدَّث المستشار بالديوان الملكي عضو هيئة كبار العلماء، الدكتور عبدالله المطلق، عن فضل يوم عرفة الذي يعتق الله فيه مَن يشاء من عباده، ويباهي الله بعباده ملائكتَه، وحُسْن استغلاله.

وقال "المطلق" لـ"سبق": "عشر ذي الحجة من المحطات الإيمانية التي يتوقف عندها المسلم؛ ليتخفَّف من ذنوبه، ويتزوَّد من الخير والأجر بأوفر الحظِّ والنصيب؛ فهو يسابق فيها إلى مغفرة من ربه، وجنة عرضها كعرض السماء والأرض، بكثرة الطاعات من محافظة على الفرائض، واستكثارٍ من النوافل والقُرَب. ولا يفوت هذه الفرصة الثمينة إلا غافلٌ متكاسلٌ".

وتابع: "أقسَمَ اللهُ تعالى بعشر ذي الحجة لعظيم فضلها؛ فقال سبحانه: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر:1-2]، قاله ابن عباس، وابن الزبير رضي الله عنهم وغيرهم. وعن ابن عمر -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ قال: "ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر؛ فأكثروا فيهن من التهليل، والتكبير، والتحميد" رواه أحمد. وعند البخاري وغيره: "قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟! قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء". قال الحافظ ابن حجر في الفتح: "والذي يظهر أنَّ السبب في امتياز عشر ذي الحجة؛ لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج. ولا يتأتَّى ذلك في غيره".

وأضاف: "يوم عرفة هو دُرَّة هذه الأيام المباركة، وله مكانة عظيمة في الإسلام؛ فهو ركن الحج الأعظم؛ لأنَّ الوقوف بعرفة أعظم أركان الحج؛ قال نبيُّنا ﷺ: "الْحَجُّ عَرَفَةُ" رواه الخمسة، وصححه الألباني.

وقال "المطلق": "وهو يوم يعتق الله فيه مَن يشاء من عباده، ويباهي الله بعباده ملائكتَه؛ فعن السيدة عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟" رواه مسلم.

وذكر أن عشيَّة يوم عرفة أفضل وقت نهارٍ في السَّنة، فما أحسن أن تُستغلَّ في الذكر والدعاء؛ ينزل فيها الربُّ -عزَّ وجلَّ- إلى السماء الدنيا، فيباهي بعباده الحجاج ملائكةَ السماء؛ فعن عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن النبي ﷺ كان يقول: "إن الله -عز وجلَّ- يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا" رواه أحمد والحاكم وصححه.

وأوضح أن "دعاء يوم عرفة خير الدعاء، وأرجاه، وأعجله إجابةً؛ فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قُلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) رواه الترمذي وحسَّنه الألباني".

قال "المباركفوري" في "تحفة الأحوذي": "قوله: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة)؛ لأنه أجزل إثابة وأعجل إجابة". والدعاء هنا يشمل دعاء الثناء -وهو الذِّكر، وهو التسبيح، والتكبير، والتحميد، والتهليل، ولا حول ولا قوة إلا بالله-، ودعاء المسألة. ودعاء الثناء (الذِّكر) أفضل من دعاء المسألة. وفي الحديث القدسي: (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين) رواه الترمذي".

وأضاف: "فيه كان نزول الإيذان بكمال الدين، وقرب وفاة النبي ﷺ؛ إذ فيه نزل قول الله تعالى في حجة الوداع: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ} [المائدة:3]. فعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن رجلاً من اليهود قال له: (يا أمير المؤمنين، آيةٌ في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشرَ اليهود نزلتْ لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: أيُّ آية؟! قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ} [المائدة:3]. قال عمر رضي الله عنه: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ، وهو قائمٌ بعرفة، يوم جمعة) متفق عليه".

وتابع: "وفيه كانت خطبة الوداع، التي أعلن فيها النبي ﷺ حرمة الدماء، والأموال، والأعراض، وأسقط كل مظاهر الجاهلية، من شركٍ، وثارات، وربى، وعادات سيئة، وأوصى بالنساء بما لهنَّ، وما عليهن، وأوصى أمَّته بالتمسك بالكتاب والسنة. فاشتملت خطبته ﷺ على إحقاق الحقوق الآدمية، واحترام الأموال، والدماء والأعراض، وإكرام الإنسان، والوصية بالمرأة، وإسقاط الثارات وعادات الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان. وصيام يوم عرفة لغير الحاجِّ سُنَّة ثابتة عن رسول الله ﷺ، وهو آكد أيام تسع ذي الحجة، وصيامه يكفِّر سنتين؛ قال نبيُّنا ﷺ: (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفِّر السَّنة التي قبله، والسَّنة التي بعده) رواه مسلم".

وأضاف: "استثمار المسلم يوم عرفة وغيره من مواسم الخيرات هو من تعظيم شعائر الله، وهو من أمارات تقوى القلوب؛ قال الله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32]. وإنَّ من تعظيم يوم عرفة معرفة قدره، وحسن استغلاله، وعمارة أوقاته بكثرة الذكر، والدُّعاء، والاجتهاد في الأعمال الصالحة، من صلاة وصوم وقراءة القرآن، والإنفاق في وجوه الخير، وغير ذلك من الطاعات".

وقال: "على المسلم أن يتفرَّغ يوم عرفة للدعاء، ويبتدئ بدعاء الثناء، ثم دعاء المسألة، ويُكثر من ذكر الله -عزَّ وجلَّ-، وأن يدعو لنفسه وأهله وولده، ووالديه، وقرابته، وولاة أمره، والمسلمين أجمعين".

وختم حديثه قائلاً: "تقبَّل الله منَّا ومنكم الطاعات، وأعاننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، ورزقنا جميعًا من خير الدنيا ونعيم الآخرة أوفر الحظِّ والنصيب، إنه أعظم مأمول، وأكرم مسؤول. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين".