فـكّــك صـواميلهـم!!

اعتاد والدي السفر، فهو يعشق الجديد ويستمتع باكتشاف البلدان والأماكن والمطاعم؛ بل وحتى الأشخاص!

والمفارقة أن اكتشاف الأشخاص أحيانًا يمسي أصعب من التعرف على الأماكن.

فبعض الأشخاص يغلقون على أنفسهم بمفاتيح قد نسوا هم أنفسهم أين وضعوها، وهنا يكمن التحدي والمتعة التي كان يجدها والدي.

نرتاد محلات كثيرة بصفة يومية أحيانًا، كالبقالة أو المطعم أو متاجر التسوق وغيرها، ونجد أن الملل قد تسرب لنفوس بعض البائعين والبائعات، حتى إن أصواتهم الرتيبة بالكاد تُسمع.

فهم يسمعون تقريبًا نفس الجمل يوميًّا ويسألون تقريبًا نفس الأسئلة المتكررة في اليوم الواحد..

"بكم هذا لوسمحت؟"

"كم نهايته؟"

"عندك مقاس أكبر؟"

"فيه لون ثاني منه؟"

"اثنين كابتشينو لوسمحت"

"احجز لي موعد بعد بكرا"

وهنا تحلو الفريسة ويحلو الصيد.

فكان والدي دائمًا ما يتفنن في مفاجأتهم بأسئلة غير متوقعة وخارج الصورة في أحيان كثيرة؛ ليكسر الجمود ويصدم مزاج البائع بابتسامة ربما تصنع يومه، كما حدث ذات مرة عندما كنا في أحد المقاهي فبادر النادل بسؤاله مازحًا:

"وش عندكم مجاني اليوم؟"

فطفق النادل عائدًا وكان قد استدار ليحضر قائمة الطلبات؛ ليتأكد مما سمع، وما إن أدرك فكرة السؤال؛ حتى ارتسم على محياه سرور وضحكات، والسبب كان سؤالًا بسيطًا؛ ولكنه خارج عن المألوف.

وفي إحدى زيارات والدي للنادي الرياضي، وتحديدًا في غرفة البخار، أراد أن يكسر الصمت فقال لمن يجاوره:

"يا زين هالغرفة بس لو فيها مكيف!"

لك أن تتخيل ردة فعل ذلك العابس في غرفة حمام البخار، وربما كان قد جاء مهمومًا ومكدرًا يبحث عن صفاء ذهنه بين أروقة النادي.

لا يكاد ينفك والدي عن هذا الأسلوب؛ فبشاشته وسرعة بديهته في اختلاق الجمل كانت تكسر الجمود أينما حل؛ فيسهل بعد ذلك التفاوض مع الباعة العبوسين، والتعرف على الشخصيات الصعبة، والبقاء على حبل المودة ممدودًا مع من عرف ومن لم يعرف.

وكانت قاعدته مهما كان من أمامه "فكـك صواميلهم".

بدأت أنهج سياسته التي لمست أثرها في الآخرين بجلاء ووضوح؛ فلفت نظري في إحدى المرات بائعة في أحد كشكات القهوة مقطبة الجبين تنظر لهاتفها بتملل، وقبل الطلب بادرتها بسؤال:

"ليه زعلانة يا قمر؟"

فكان سؤالي كفيلًا بأن تسمع قهقهتها حتى آخر الممر.

بضع كلمات في سياق غير متوقع قد تُغير مزاج شخص وتبهج آخر!

وبائعة أخرى قبل أن أطلب قهوتي سألتها ما اسمك؟

فقالت: هالة.

فقلت: بل هالة جمال!

انفرجت أساريرها على الفور، ولما استلمت كأس قهوتي المثلجة، وجدت عبارة قد كتبت عليها بالأحمر: مها الحلوة!

ابتسمت أنا الأخرى وصنعت يومي جملتها، ورحت أصور كأسي بفرح؛ فكان أسرع رد للجميل.

كم هو الفرح بسيط يسكن زوايا ضيقة من حولنا، ويختبئ خلف أبواب تنتظر من يطرقها.

إن التفاصيل البسيطة والكلمات اللطيفة ستغير مسار يومك ويومهم إن أحسنت فن "تفكيك الصواميل" الذي أنسبه لوالدي الفاضل معلمي الأول.

أيها القارئ الكريم..

لا تحبس أي تعليق إيجابي، ولا تمسك بأي خاطرة مرحة إذا كانت ستضفي بهجةً في المكان، ولا تيأس فبعض النفوس قفلت بمفاتيح كثيرة عفا عليها الزمن؛ فقط تحتاج محاولات وملاطفات عدة وبعضًا من التمرس، وستنجح حتمًا في فكها..

فاجعل من كلماتك بلسمًا لمن أشقاه طلب العيش، ومن أضناه تعب الحياة.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكلمة الطيبة صدقة".

اعلان
فـكّــك صـواميلهـم!!
سبق

اعتاد والدي السفر، فهو يعشق الجديد ويستمتع باكتشاف البلدان والأماكن والمطاعم؛ بل وحتى الأشخاص!

والمفارقة أن اكتشاف الأشخاص أحيانًا يمسي أصعب من التعرف على الأماكن.

فبعض الأشخاص يغلقون على أنفسهم بمفاتيح قد نسوا هم أنفسهم أين وضعوها، وهنا يكمن التحدي والمتعة التي كان يجدها والدي.

نرتاد محلات كثيرة بصفة يومية أحيانًا، كالبقالة أو المطعم أو متاجر التسوق وغيرها، ونجد أن الملل قد تسرب لنفوس بعض البائعين والبائعات، حتى إن أصواتهم الرتيبة بالكاد تُسمع.

فهم يسمعون تقريبًا نفس الجمل يوميًّا ويسألون تقريبًا نفس الأسئلة المتكررة في اليوم الواحد..

"بكم هذا لوسمحت؟"

"كم نهايته؟"

"عندك مقاس أكبر؟"

"فيه لون ثاني منه؟"

"اثنين كابتشينو لوسمحت"

"احجز لي موعد بعد بكرا"

وهنا تحلو الفريسة ويحلو الصيد.

فكان والدي دائمًا ما يتفنن في مفاجأتهم بأسئلة غير متوقعة وخارج الصورة في أحيان كثيرة؛ ليكسر الجمود ويصدم مزاج البائع بابتسامة ربما تصنع يومه، كما حدث ذات مرة عندما كنا في أحد المقاهي فبادر النادل بسؤاله مازحًا:

"وش عندكم مجاني اليوم؟"

فطفق النادل عائدًا وكان قد استدار ليحضر قائمة الطلبات؛ ليتأكد مما سمع، وما إن أدرك فكرة السؤال؛ حتى ارتسم على محياه سرور وضحكات، والسبب كان سؤالًا بسيطًا؛ ولكنه خارج عن المألوف.

وفي إحدى زيارات والدي للنادي الرياضي، وتحديدًا في غرفة البخار، أراد أن يكسر الصمت فقال لمن يجاوره:

"يا زين هالغرفة بس لو فيها مكيف!"

لك أن تتخيل ردة فعل ذلك العابس في غرفة حمام البخار، وربما كان قد جاء مهمومًا ومكدرًا يبحث عن صفاء ذهنه بين أروقة النادي.

لا يكاد ينفك والدي عن هذا الأسلوب؛ فبشاشته وسرعة بديهته في اختلاق الجمل كانت تكسر الجمود أينما حل؛ فيسهل بعد ذلك التفاوض مع الباعة العبوسين، والتعرف على الشخصيات الصعبة، والبقاء على حبل المودة ممدودًا مع من عرف ومن لم يعرف.

وكانت قاعدته مهما كان من أمامه "فكـك صواميلهم".

بدأت أنهج سياسته التي لمست أثرها في الآخرين بجلاء ووضوح؛ فلفت نظري في إحدى المرات بائعة في أحد كشكات القهوة مقطبة الجبين تنظر لهاتفها بتملل، وقبل الطلب بادرتها بسؤال:

"ليه زعلانة يا قمر؟"

فكان سؤالي كفيلًا بأن تسمع قهقهتها حتى آخر الممر.

بضع كلمات في سياق غير متوقع قد تُغير مزاج شخص وتبهج آخر!

وبائعة أخرى قبل أن أطلب قهوتي سألتها ما اسمك؟

فقالت: هالة.

فقلت: بل هالة جمال!

انفرجت أساريرها على الفور، ولما استلمت كأس قهوتي المثلجة، وجدت عبارة قد كتبت عليها بالأحمر: مها الحلوة!

ابتسمت أنا الأخرى وصنعت يومي جملتها، ورحت أصور كأسي بفرح؛ فكان أسرع رد للجميل.

كم هو الفرح بسيط يسكن زوايا ضيقة من حولنا، ويختبئ خلف أبواب تنتظر من يطرقها.

إن التفاصيل البسيطة والكلمات اللطيفة ستغير مسار يومك ويومهم إن أحسنت فن "تفكيك الصواميل" الذي أنسبه لوالدي الفاضل معلمي الأول.

أيها القارئ الكريم..

لا تحبس أي تعليق إيجابي، ولا تمسك بأي خاطرة مرحة إذا كانت ستضفي بهجةً في المكان، ولا تيأس فبعض النفوس قفلت بمفاتيح كثيرة عفا عليها الزمن؛ فقط تحتاج محاولات وملاطفات عدة وبعضًا من التمرس، وستنجح حتمًا في فكها..

فاجعل من كلماتك بلسمًا لمن أشقاه طلب العيش، ومن أضناه تعب الحياة.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكلمة الطيبة صدقة".

20 أغسطس 2019 - 19 ذو الحجة 1440
11:00 AM

فـكّــك صـواميلهـم!!

مها عبدالله الحقباني - الرياض
A A A
5
6,439

اعتاد والدي السفر، فهو يعشق الجديد ويستمتع باكتشاف البلدان والأماكن والمطاعم؛ بل وحتى الأشخاص!

والمفارقة أن اكتشاف الأشخاص أحيانًا يمسي أصعب من التعرف على الأماكن.

فبعض الأشخاص يغلقون على أنفسهم بمفاتيح قد نسوا هم أنفسهم أين وضعوها، وهنا يكمن التحدي والمتعة التي كان يجدها والدي.

نرتاد محلات كثيرة بصفة يومية أحيانًا، كالبقالة أو المطعم أو متاجر التسوق وغيرها، ونجد أن الملل قد تسرب لنفوس بعض البائعين والبائعات، حتى إن أصواتهم الرتيبة بالكاد تُسمع.

فهم يسمعون تقريبًا نفس الجمل يوميًّا ويسألون تقريبًا نفس الأسئلة المتكررة في اليوم الواحد..

"بكم هذا لوسمحت؟"

"كم نهايته؟"

"عندك مقاس أكبر؟"

"فيه لون ثاني منه؟"

"اثنين كابتشينو لوسمحت"

"احجز لي موعد بعد بكرا"

وهنا تحلو الفريسة ويحلو الصيد.

فكان والدي دائمًا ما يتفنن في مفاجأتهم بأسئلة غير متوقعة وخارج الصورة في أحيان كثيرة؛ ليكسر الجمود ويصدم مزاج البائع بابتسامة ربما تصنع يومه، كما حدث ذات مرة عندما كنا في أحد المقاهي فبادر النادل بسؤاله مازحًا:

"وش عندكم مجاني اليوم؟"

فطفق النادل عائدًا وكان قد استدار ليحضر قائمة الطلبات؛ ليتأكد مما سمع، وما إن أدرك فكرة السؤال؛ حتى ارتسم على محياه سرور وضحكات، والسبب كان سؤالًا بسيطًا؛ ولكنه خارج عن المألوف.

وفي إحدى زيارات والدي للنادي الرياضي، وتحديدًا في غرفة البخار، أراد أن يكسر الصمت فقال لمن يجاوره:

"يا زين هالغرفة بس لو فيها مكيف!"

لك أن تتخيل ردة فعل ذلك العابس في غرفة حمام البخار، وربما كان قد جاء مهمومًا ومكدرًا يبحث عن صفاء ذهنه بين أروقة النادي.

لا يكاد ينفك والدي عن هذا الأسلوب؛ فبشاشته وسرعة بديهته في اختلاق الجمل كانت تكسر الجمود أينما حل؛ فيسهل بعد ذلك التفاوض مع الباعة العبوسين، والتعرف على الشخصيات الصعبة، والبقاء على حبل المودة ممدودًا مع من عرف ومن لم يعرف.

وكانت قاعدته مهما كان من أمامه "فكـك صواميلهم".

بدأت أنهج سياسته التي لمست أثرها في الآخرين بجلاء ووضوح؛ فلفت نظري في إحدى المرات بائعة في أحد كشكات القهوة مقطبة الجبين تنظر لهاتفها بتملل، وقبل الطلب بادرتها بسؤال:

"ليه زعلانة يا قمر؟"

فكان سؤالي كفيلًا بأن تسمع قهقهتها حتى آخر الممر.

بضع كلمات في سياق غير متوقع قد تُغير مزاج شخص وتبهج آخر!

وبائعة أخرى قبل أن أطلب قهوتي سألتها ما اسمك؟

فقالت: هالة.

فقلت: بل هالة جمال!

انفرجت أساريرها على الفور، ولما استلمت كأس قهوتي المثلجة، وجدت عبارة قد كتبت عليها بالأحمر: مها الحلوة!

ابتسمت أنا الأخرى وصنعت يومي جملتها، ورحت أصور كأسي بفرح؛ فكان أسرع رد للجميل.

كم هو الفرح بسيط يسكن زوايا ضيقة من حولنا، ويختبئ خلف أبواب تنتظر من يطرقها.

إن التفاصيل البسيطة والكلمات اللطيفة ستغير مسار يومك ويومهم إن أحسنت فن "تفكيك الصواميل" الذي أنسبه لوالدي الفاضل معلمي الأول.

أيها القارئ الكريم..

لا تحبس أي تعليق إيجابي، ولا تمسك بأي خاطرة مرحة إذا كانت ستضفي بهجةً في المكان، ولا تيأس فبعض النفوس قفلت بمفاتيح كثيرة عفا عليها الزمن؛ فقط تحتاج محاولات وملاطفات عدة وبعضًا من التمرس، وستنجح حتمًا في فكها..

فاجعل من كلماتك بلسمًا لمن أشقاه طلب العيش، ومن أضناه تعب الحياة.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكلمة الطيبة صدقة".