الحاجَّة التي أجابت عن السؤال!

الحج بكل فصوله ومواقيته مدرسة عظيمة، تحمل في ثناياها كل معاني التربية الدينية والأخلاقية والاجتماعية التي نحتاج إليها في مشوار حياتنا؛ لتكون كما يجب أن تكون رغيدة وهانئة.. الحج شعائر ومشاعر، تحملنا قبل أن نحملها، وتوقظ في داخلنا لهيب الشوق لقصة أخرى مماثلة، أبطالها حجاج بيت الله، وأسيادها متطوعون من أجل الله. فيها مشاعر اللهفة التي ترنو بأرواحنا لمكة قبل حتى أن ننهي عقد اجتماعنا بها.. في الحج نلتقي بأنفسنا التي ضاعت في طيات العولمة، ونقابل أيضًا أخوَّة غرباء، نشعر وكأننا على معرفة بهم منذ الأزل؛ إذ لا حسد، ولا غيرة.. بل تنافس شريف، وتسابق على فعل الطاعات، وكأننا نعيش حياة الجنة التي لا نراها سوى في الحج. كيف لا وقد تجرد الجميع من الدنيا وزينتها؛ فلا فرق حينئذ بين شخص وآخر إلا بالتقوى..

وفي هذا العام ١٤٣٩هـ أكرمني الله بأداء هذا الركن العظيم الذي لا تزال روحانيته تعيش في أحشاء صدري، والذي التقيت فيه جمعًا غفيرًا من شتى الدول، كلهم جاؤوا طلبًا واستغاثة لرحمة رب كريم..

وكانت الدكتورة دعاء أخصائية طب الأسرة التي تعمل في أحد مستشفيات المنطقة الشرقية من أحد حجاج بيت الله الذين تشرفت بمعرفتهم، وقد وصفت مشاعرها في يوم الحج الأكبر بإحساس عذب، تقشعر منه الأبدان، عبر رسالة واتس آب، كانت قد أرسلتها إلى قروب صحبة الخير الذي أثمر من سقيا شعيرة الحج؛ ليكون متكأ لنا بعد الرحلة إلى الله. فاستأذنتها في نشر شعورها الذي سطرته في كلمات، وكأنها تجيب عن تساؤلات الكثير: لماذا مكة موطئ لنسك الحج رغم حرارة جوها، وتغيُّر طقسها؟ لكنها حكمة الله التي تصف رهبة الموقف المتمثل في الحياة الآخرة من أجل ذكرى تنفع المؤمنين. وإليكم خواطرها كما كتبتها مع رجاء استحضار قلوبكم، وتخيُّل الموقف عند كل مشهد:

"أصعب موقف في الحج استشعرته، وليتني أقدر أن أوصل لكم الإحساس؛ لأنه فعلاً إحساس لا يوصف بالكلمات..

يوم عرفة نظل ندعو ونجتهد طوال اليوم حتى المغرب.. (وتجتهد كاجتهادك في الدنيا)، ثم ينادَى على الحملات للخروج حسب جدول وزارة الحج للذهاب إلى مزدلفة.. فيأتي اسم حملتك وتخرج (فتشعر بأنك تُنادَى للحشر).

تخرج من المخيم لتجد جموعًا كبيرة، وتزاحمًا، وحرًّا شديدًا.. وتقف ساعات طويلة طويلة لتصل إلى قطار المناسك.. زحمة وتدافع، والكل يقول نفسي نفسي (فتتذكر يوم القيامة).

وتجد الناس أنواعًا؛ منهم الذاكر الشاكر، ومنهم المتذمر، ومنهم اللاهي اللاعب غير مدرك رهبة المناسك، ولا رهبة الموقف (فتتذكر أنواع البشر).

وتضل الطريق عن حملتك، وتظل تبحث عن الراية التي يرفعها مشرف الحملة (ويذكرك ذلك ببحثك عن راية أمتك ونبيك يوم القيامة لينقذك).

ويضج الناس من الزحام والانتظار واقفين خمس ساعات، ولسان حالهم: يا رب عجل لنا الوصول (فتذكرت يوم القيامة والبشر ترجو الله ليبدأ الحساب بعد التعب من طول الانتظار).

ويبدأ الصعود على السلم، والكل حذر من التدافع والانزلاق والوقوع (فتذكرت الصراط والخوف من السقوط، وظللت أدعو كدعاء النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - لأمته على الصراط [يا رب سلم سلم، يا رب سلم سلم]).

وبعد الوصول للقطار والركوب والنزول منه تجد الضباط يرحبون بك في أرض مزدلفة، وكأنك وصلت الجنة بعد الانتظار والتعب، ويصيحون: مرحى مرحى حجاج الله.. مرحى مرحى حجاج الله.. كتب الله لكم أجركم.. كتب الله لكم أجركم.. فتنزل السكينة إلى قلبك من حيث لا تدري.. ويمسكون مراوح تهوية للحجاج، وزجاجات مياه للتخفيف من المشقة (فتشعر بأنك داخل جنة، ربك الرحيم بعد الانتظار، وملائكة الجنة ترحب بك، وتسرع الخطوات إلى مخيم مزدلفة).

فتجد الكثير وصلوا قبلك، وناموا، وتناولوا الطعام، وارتاحوا مع أننا خرجنا من المخيمات في الوقت نفسه.. كيف سهَّل الله عليهم الوصول؟.. كيف كانت أعمالهم ونواياهم ليسهل الله عليهم؟.. ووجدت صديقة من المخيم سبقتني، وجهزت لي فرشًا وطعامًا، واحتضنتني حين الوصول، وتساءلت أين كنتم؟ لِمَ تأخرتم؟؟ لقد دعوت الله أن تأتوا سالمين (فتذكرت جنة ربي.. وأن من إخواننا من سيسبقنا إلى الجنة بصالح أعمالهم وقلوبهم.. ويظلون يبحثون عنا، ويدعون الله لنا حتى يلحقنا بهم في الجنة يا رب).

وما إن وصلت فرشي إلا وكان كل جسدي يرتجف من هول الموقف، ولا أستطيع إيقاف الدموع.. ولا أستطيع التنفس..

شعرت بأننا في يوم البعث والحشر والقيامة إلى الجنة يا رب.. شعرت برهبة شديدة جدًّا.. وخوف من الله، ومن حساب الله.. ثم نزلت علينا السكينة والهدوء والرحمة في مزدلفة، فطعمنا ونمنا، وحمدنا الله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.

لا أدري هل الكل شعر مثلي أم لا؟!!

ولكن أحببت أن أشارككم تلك الخواطر؛ لأذكركم بيوم القيامة؛ لنستشعر فزع يوم القيامة، ثم الراحة، في الجنة.

لنتقِّ الله في أنفسنا وفي أعمالنا وفي أقوالنا وفي قلوبنا..

القراءة في الكتب شيء، وعيش الموقف شيء آخر تمامًا..

فما بالنا بيوم القيامة الحق.

اللهم اكتبنا من أهل الجنة بلا حساب ولا سابقة عذاب..

اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبِّت أقدامنا..

سلم يا رب سلم.. سلم يا رب سلم..

دعوة:

اللهم تقبل من الحجاج حجهم وسعيهم، اللهم اجعل حجهم مبرورًا، وسعيهم مشكورًا، وذنبهم مغفورًا، اللهم احفظ بلادنا بلاد الحرمين دولة وقادة وشعبًا..

آمين ربي".

اعلان
الحاجَّة التي أجابت عن السؤال!
سبق

الحج بكل فصوله ومواقيته مدرسة عظيمة، تحمل في ثناياها كل معاني التربية الدينية والأخلاقية والاجتماعية التي نحتاج إليها في مشوار حياتنا؛ لتكون كما يجب أن تكون رغيدة وهانئة.. الحج شعائر ومشاعر، تحملنا قبل أن نحملها، وتوقظ في داخلنا لهيب الشوق لقصة أخرى مماثلة، أبطالها حجاج بيت الله، وأسيادها متطوعون من أجل الله. فيها مشاعر اللهفة التي ترنو بأرواحنا لمكة قبل حتى أن ننهي عقد اجتماعنا بها.. في الحج نلتقي بأنفسنا التي ضاعت في طيات العولمة، ونقابل أيضًا أخوَّة غرباء، نشعر وكأننا على معرفة بهم منذ الأزل؛ إذ لا حسد، ولا غيرة.. بل تنافس شريف، وتسابق على فعل الطاعات، وكأننا نعيش حياة الجنة التي لا نراها سوى في الحج. كيف لا وقد تجرد الجميع من الدنيا وزينتها؛ فلا فرق حينئذ بين شخص وآخر إلا بالتقوى..

وفي هذا العام ١٤٣٩هـ أكرمني الله بأداء هذا الركن العظيم الذي لا تزال روحانيته تعيش في أحشاء صدري، والذي التقيت فيه جمعًا غفيرًا من شتى الدول، كلهم جاؤوا طلبًا واستغاثة لرحمة رب كريم..

وكانت الدكتورة دعاء أخصائية طب الأسرة التي تعمل في أحد مستشفيات المنطقة الشرقية من أحد حجاج بيت الله الذين تشرفت بمعرفتهم، وقد وصفت مشاعرها في يوم الحج الأكبر بإحساس عذب، تقشعر منه الأبدان، عبر رسالة واتس آب، كانت قد أرسلتها إلى قروب صحبة الخير الذي أثمر من سقيا شعيرة الحج؛ ليكون متكأ لنا بعد الرحلة إلى الله. فاستأذنتها في نشر شعورها الذي سطرته في كلمات، وكأنها تجيب عن تساؤلات الكثير: لماذا مكة موطئ لنسك الحج رغم حرارة جوها، وتغيُّر طقسها؟ لكنها حكمة الله التي تصف رهبة الموقف المتمثل في الحياة الآخرة من أجل ذكرى تنفع المؤمنين. وإليكم خواطرها كما كتبتها مع رجاء استحضار قلوبكم، وتخيُّل الموقف عند كل مشهد:

"أصعب موقف في الحج استشعرته، وليتني أقدر أن أوصل لكم الإحساس؛ لأنه فعلاً إحساس لا يوصف بالكلمات..

يوم عرفة نظل ندعو ونجتهد طوال اليوم حتى المغرب.. (وتجتهد كاجتهادك في الدنيا)، ثم ينادَى على الحملات للخروج حسب جدول وزارة الحج للذهاب إلى مزدلفة.. فيأتي اسم حملتك وتخرج (فتشعر بأنك تُنادَى للحشر).

تخرج من المخيم لتجد جموعًا كبيرة، وتزاحمًا، وحرًّا شديدًا.. وتقف ساعات طويلة طويلة لتصل إلى قطار المناسك.. زحمة وتدافع، والكل يقول نفسي نفسي (فتتذكر يوم القيامة).

وتجد الناس أنواعًا؛ منهم الذاكر الشاكر، ومنهم المتذمر، ومنهم اللاهي اللاعب غير مدرك رهبة المناسك، ولا رهبة الموقف (فتتذكر أنواع البشر).

وتضل الطريق عن حملتك، وتظل تبحث عن الراية التي يرفعها مشرف الحملة (ويذكرك ذلك ببحثك عن راية أمتك ونبيك يوم القيامة لينقذك).

ويضج الناس من الزحام والانتظار واقفين خمس ساعات، ولسان حالهم: يا رب عجل لنا الوصول (فتذكرت يوم القيامة والبشر ترجو الله ليبدأ الحساب بعد التعب من طول الانتظار).

ويبدأ الصعود على السلم، والكل حذر من التدافع والانزلاق والوقوع (فتذكرت الصراط والخوف من السقوط، وظللت أدعو كدعاء النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - لأمته على الصراط [يا رب سلم سلم، يا رب سلم سلم]).

وبعد الوصول للقطار والركوب والنزول منه تجد الضباط يرحبون بك في أرض مزدلفة، وكأنك وصلت الجنة بعد الانتظار والتعب، ويصيحون: مرحى مرحى حجاج الله.. مرحى مرحى حجاج الله.. كتب الله لكم أجركم.. كتب الله لكم أجركم.. فتنزل السكينة إلى قلبك من حيث لا تدري.. ويمسكون مراوح تهوية للحجاج، وزجاجات مياه للتخفيف من المشقة (فتشعر بأنك داخل جنة، ربك الرحيم بعد الانتظار، وملائكة الجنة ترحب بك، وتسرع الخطوات إلى مخيم مزدلفة).

فتجد الكثير وصلوا قبلك، وناموا، وتناولوا الطعام، وارتاحوا مع أننا خرجنا من المخيمات في الوقت نفسه.. كيف سهَّل الله عليهم الوصول؟.. كيف كانت أعمالهم ونواياهم ليسهل الله عليهم؟.. ووجدت صديقة من المخيم سبقتني، وجهزت لي فرشًا وطعامًا، واحتضنتني حين الوصول، وتساءلت أين كنتم؟ لِمَ تأخرتم؟؟ لقد دعوت الله أن تأتوا سالمين (فتذكرت جنة ربي.. وأن من إخواننا من سيسبقنا إلى الجنة بصالح أعمالهم وقلوبهم.. ويظلون يبحثون عنا، ويدعون الله لنا حتى يلحقنا بهم في الجنة يا رب).

وما إن وصلت فرشي إلا وكان كل جسدي يرتجف من هول الموقف، ولا أستطيع إيقاف الدموع.. ولا أستطيع التنفس..

شعرت بأننا في يوم البعث والحشر والقيامة إلى الجنة يا رب.. شعرت برهبة شديدة جدًّا.. وخوف من الله، ومن حساب الله.. ثم نزلت علينا السكينة والهدوء والرحمة في مزدلفة، فطعمنا ونمنا، وحمدنا الله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.

لا أدري هل الكل شعر مثلي أم لا؟!!

ولكن أحببت أن أشارككم تلك الخواطر؛ لأذكركم بيوم القيامة؛ لنستشعر فزع يوم القيامة، ثم الراحة، في الجنة.

لنتقِّ الله في أنفسنا وفي أعمالنا وفي أقوالنا وفي قلوبنا..

القراءة في الكتب شيء، وعيش الموقف شيء آخر تمامًا..

فما بالنا بيوم القيامة الحق.

اللهم اكتبنا من أهل الجنة بلا حساب ولا سابقة عذاب..

اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبِّت أقدامنا..

سلم يا رب سلم.. سلم يا رب سلم..

دعوة:

اللهم تقبل من الحجاج حجهم وسعيهم، اللهم اجعل حجهم مبرورًا، وسعيهم مشكورًا، وذنبهم مغفورًا، اللهم احفظ بلادنا بلاد الحرمين دولة وقادة وشعبًا..

آمين ربي".

03 سبتمبر 2018 - 23 ذو الحجة 1439
11:34 PM

الحاجَّة التي أجابت عن السؤال!

نورة الجايز - الرياض
A A A
0
1,291

الحج بكل فصوله ومواقيته مدرسة عظيمة، تحمل في ثناياها كل معاني التربية الدينية والأخلاقية والاجتماعية التي نحتاج إليها في مشوار حياتنا؛ لتكون كما يجب أن تكون رغيدة وهانئة.. الحج شعائر ومشاعر، تحملنا قبل أن نحملها، وتوقظ في داخلنا لهيب الشوق لقصة أخرى مماثلة، أبطالها حجاج بيت الله، وأسيادها متطوعون من أجل الله. فيها مشاعر اللهفة التي ترنو بأرواحنا لمكة قبل حتى أن ننهي عقد اجتماعنا بها.. في الحج نلتقي بأنفسنا التي ضاعت في طيات العولمة، ونقابل أيضًا أخوَّة غرباء، نشعر وكأننا على معرفة بهم منذ الأزل؛ إذ لا حسد، ولا غيرة.. بل تنافس شريف، وتسابق على فعل الطاعات، وكأننا نعيش حياة الجنة التي لا نراها سوى في الحج. كيف لا وقد تجرد الجميع من الدنيا وزينتها؛ فلا فرق حينئذ بين شخص وآخر إلا بالتقوى..

وفي هذا العام ١٤٣٩هـ أكرمني الله بأداء هذا الركن العظيم الذي لا تزال روحانيته تعيش في أحشاء صدري، والذي التقيت فيه جمعًا غفيرًا من شتى الدول، كلهم جاؤوا طلبًا واستغاثة لرحمة رب كريم..

وكانت الدكتورة دعاء أخصائية طب الأسرة التي تعمل في أحد مستشفيات المنطقة الشرقية من أحد حجاج بيت الله الذين تشرفت بمعرفتهم، وقد وصفت مشاعرها في يوم الحج الأكبر بإحساس عذب، تقشعر منه الأبدان، عبر رسالة واتس آب، كانت قد أرسلتها إلى قروب صحبة الخير الذي أثمر من سقيا شعيرة الحج؛ ليكون متكأ لنا بعد الرحلة إلى الله. فاستأذنتها في نشر شعورها الذي سطرته في كلمات، وكأنها تجيب عن تساؤلات الكثير: لماذا مكة موطئ لنسك الحج رغم حرارة جوها، وتغيُّر طقسها؟ لكنها حكمة الله التي تصف رهبة الموقف المتمثل في الحياة الآخرة من أجل ذكرى تنفع المؤمنين. وإليكم خواطرها كما كتبتها مع رجاء استحضار قلوبكم، وتخيُّل الموقف عند كل مشهد:

"أصعب موقف في الحج استشعرته، وليتني أقدر أن أوصل لكم الإحساس؛ لأنه فعلاً إحساس لا يوصف بالكلمات..

يوم عرفة نظل ندعو ونجتهد طوال اليوم حتى المغرب.. (وتجتهد كاجتهادك في الدنيا)، ثم ينادَى على الحملات للخروج حسب جدول وزارة الحج للذهاب إلى مزدلفة.. فيأتي اسم حملتك وتخرج (فتشعر بأنك تُنادَى للحشر).

تخرج من المخيم لتجد جموعًا كبيرة، وتزاحمًا، وحرًّا شديدًا.. وتقف ساعات طويلة طويلة لتصل إلى قطار المناسك.. زحمة وتدافع، والكل يقول نفسي نفسي (فتتذكر يوم القيامة).

وتجد الناس أنواعًا؛ منهم الذاكر الشاكر، ومنهم المتذمر، ومنهم اللاهي اللاعب غير مدرك رهبة المناسك، ولا رهبة الموقف (فتتذكر أنواع البشر).

وتضل الطريق عن حملتك، وتظل تبحث عن الراية التي يرفعها مشرف الحملة (ويذكرك ذلك ببحثك عن راية أمتك ونبيك يوم القيامة لينقذك).

ويضج الناس من الزحام والانتظار واقفين خمس ساعات، ولسان حالهم: يا رب عجل لنا الوصول (فتذكرت يوم القيامة والبشر ترجو الله ليبدأ الحساب بعد التعب من طول الانتظار).

ويبدأ الصعود على السلم، والكل حذر من التدافع والانزلاق والوقوع (فتذكرت الصراط والخوف من السقوط، وظللت أدعو كدعاء النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - لأمته على الصراط [يا رب سلم سلم، يا رب سلم سلم]).

وبعد الوصول للقطار والركوب والنزول منه تجد الضباط يرحبون بك في أرض مزدلفة، وكأنك وصلت الجنة بعد الانتظار والتعب، ويصيحون: مرحى مرحى حجاج الله.. مرحى مرحى حجاج الله.. كتب الله لكم أجركم.. كتب الله لكم أجركم.. فتنزل السكينة إلى قلبك من حيث لا تدري.. ويمسكون مراوح تهوية للحجاج، وزجاجات مياه للتخفيف من المشقة (فتشعر بأنك داخل جنة، ربك الرحيم بعد الانتظار، وملائكة الجنة ترحب بك، وتسرع الخطوات إلى مخيم مزدلفة).

فتجد الكثير وصلوا قبلك، وناموا، وتناولوا الطعام، وارتاحوا مع أننا خرجنا من المخيمات في الوقت نفسه.. كيف سهَّل الله عليهم الوصول؟.. كيف كانت أعمالهم ونواياهم ليسهل الله عليهم؟.. ووجدت صديقة من المخيم سبقتني، وجهزت لي فرشًا وطعامًا، واحتضنتني حين الوصول، وتساءلت أين كنتم؟ لِمَ تأخرتم؟؟ لقد دعوت الله أن تأتوا سالمين (فتذكرت جنة ربي.. وأن من إخواننا من سيسبقنا إلى الجنة بصالح أعمالهم وقلوبهم.. ويظلون يبحثون عنا، ويدعون الله لنا حتى يلحقنا بهم في الجنة يا رب).

وما إن وصلت فرشي إلا وكان كل جسدي يرتجف من هول الموقف، ولا أستطيع إيقاف الدموع.. ولا أستطيع التنفس..

شعرت بأننا في يوم البعث والحشر والقيامة إلى الجنة يا رب.. شعرت برهبة شديدة جدًّا.. وخوف من الله، ومن حساب الله.. ثم نزلت علينا السكينة والهدوء والرحمة في مزدلفة، فطعمنا ونمنا، وحمدنا الله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.

لا أدري هل الكل شعر مثلي أم لا؟!!

ولكن أحببت أن أشارككم تلك الخواطر؛ لأذكركم بيوم القيامة؛ لنستشعر فزع يوم القيامة، ثم الراحة، في الجنة.

لنتقِّ الله في أنفسنا وفي أعمالنا وفي أقوالنا وفي قلوبنا..

القراءة في الكتب شيء، وعيش الموقف شيء آخر تمامًا..

فما بالنا بيوم القيامة الحق.

اللهم اكتبنا من أهل الجنة بلا حساب ولا سابقة عذاب..

اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبِّت أقدامنا..

سلم يا رب سلم.. سلم يا رب سلم..

دعوة:

اللهم تقبل من الحجاج حجهم وسعيهم، اللهم اجعل حجهم مبرورًا، وسعيهم مشكورًا، وذنبهم مغفورًا، اللهم احفظ بلادنا بلاد الحرمين دولة وقادة وشعبًا..

آمين ربي".