اللغز المحير.. لا تخترعوا العجلة

اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام القليلة الماضية بالحديث عن الاقتراح الذي تَدَارَسه مجلس الشورى ورفعه للمقام السامي؛ لمدّ سِنّ التقاعد إلى 62 عاماً؛ فهناك فئات مؤيدة لهذا القرار، وتدافع عنه باستماته شديدة؛ فيما يقف على الطرف الآخر من يعارض هذا القرار ويرفضه بشدة.
 
ولكل من الفريقين وجهة نظر معتبرة، ومقدرة في هذه القضية الشائكة، في مجتمع يعاني فيه الشباب السعودي من البطالة، وهم يُشكّلون النسبة الغالبة من السكان (51% تقريباً)، ويحاول فيه الموظفون الحفاظ على مكاسبهم، ووجودهم الفاعل في الحياة العملية.
 
فريق الشباب يرى أن القرار يقوّض ويقلل من فرص التحاقهم بالعمل، في مجتمع يعاني من شح الوظائف؛ لا سيما في القطاع الحكومي، وهو ما يعني انتظارهم في طابور المتعطلين سنوات أخرى إضافية، وربما يفوتهم فيها قطار الالتحاق بالوظيفة الحكومية المأمولة.
 
وكثير من ذلك صحيح؛ لأن مدّ سن التقاعد يعني بداهة، تقليل نسبة التوظيف في المؤسسات والمراكز الحكومية، وهو ما يعني أن الذي يدفع ضريبة هذا القرار هم فئة الشباب دون غيرهم، الذين ينتظرون، ربما سنوات طويلة، رغبة في الالتحاق بوظيفة مناسبة.
 
والفريق الذي يؤيد القرار، يرى أن ذلك هدر لموارد الدولة، وتفريط في كفاءات وخبرات أحوج ما تكون الدولة إليها، كما أن سن الستين، تعتبر مبكرة إلى حد ما لإحالة الموظف للتقاعد، وهو ما زال قادراً على العطاء، كما أنه ما زال يعول أسرة ربما تتأثر أحوالها المعيشية كثيراً بخفض الراتب المترتب على التقاعد.
 
إزاء هذه الجدلية، ربما نحتاج إلى أن ندرس تجارب سابقة في هذا المجال، لدول عانت من نفس المشكلة، التي نعاني منها، ونستفيد من تلك التجارب، ولا نخترع العجلة مجدداً، ونذهب نتخبط في قرارات ومقترحات لا تزيد الوضع المعقد في أصله، إلا خبالاً وتخبطاً.
 
نحن لا نشك أن الأمر شديد التعقيد؛ إذ إن الخروج المبكر من العمل، يضغط بشدة على صناديق التقاعد، إضافة إلى المشكلات الاجتماعية والصحية الناجمة عن ترك سوق العمل مبكراً، ومن الناحية الأخرى فإن المؤسسات تحتاج إلى قدرات شبابية، ودماء جديدة، حتى يأخذ الشباب فرصتهم كاملة.
 
ومما قد يساهم في حل اللغز، تعديل وضعية التعاقد؛ لتصبح مساراً ورافداً جديداً يولد الوظائف؛ بدلاً من أن يكون عنواناً لانتهاء الحياة العملية؛ وذلك عن طريق مساعدة كبار الموظفين في الجهاز الحكومي، من غير ذوي التخصصات النادرة، على ترك الوظائف مبكراً، وإنشاء مؤسسات خاصة تساهم هي الأخرى في امتصاص بعض الشباب المتعطلين.
 
وعلى الناحية الأخرى؛ فإننا نحتاج إلى تغيير في البنية الذهنية لكثير من شبابنا، ونظرتهم للوظيفة؛ فغالبهم يرى أن الأمان الكامل يكون في القطاع الحكومي، ونحن نحتاج منه أن يبذل مجهودات إضافية لتأسيس منشأة صغيرة، أو إثبات جدارته في الوظائف الخاصة.

اعلان
اللغز المحير.. لا تخترعوا العجلة
سبق
اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام القليلة الماضية بالحديث عن الاقتراح الذي تَدَارَسه مجلس الشورى ورفعه للمقام السامي؛ لمدّ سِنّ التقاعد إلى 62 عاماً؛ فهناك فئات مؤيدة لهذا القرار، وتدافع عنه باستماته شديدة؛ فيما يقف على الطرف الآخر من يعارض هذا القرار ويرفضه بشدة.
 
ولكل من الفريقين وجهة نظر معتبرة، ومقدرة في هذه القضية الشائكة، في مجتمع يعاني فيه الشباب السعودي من البطالة، وهم يُشكّلون النسبة الغالبة من السكان (51% تقريباً)، ويحاول فيه الموظفون الحفاظ على مكاسبهم، ووجودهم الفاعل في الحياة العملية.
 
فريق الشباب يرى أن القرار يقوّض ويقلل من فرص التحاقهم بالعمل، في مجتمع يعاني من شح الوظائف؛ لا سيما في القطاع الحكومي، وهو ما يعني انتظارهم في طابور المتعطلين سنوات أخرى إضافية، وربما يفوتهم فيها قطار الالتحاق بالوظيفة الحكومية المأمولة.
 
وكثير من ذلك صحيح؛ لأن مدّ سن التقاعد يعني بداهة، تقليل نسبة التوظيف في المؤسسات والمراكز الحكومية، وهو ما يعني أن الذي يدفع ضريبة هذا القرار هم فئة الشباب دون غيرهم، الذين ينتظرون، ربما سنوات طويلة، رغبة في الالتحاق بوظيفة مناسبة.
 
والفريق الذي يؤيد القرار، يرى أن ذلك هدر لموارد الدولة، وتفريط في كفاءات وخبرات أحوج ما تكون الدولة إليها، كما أن سن الستين، تعتبر مبكرة إلى حد ما لإحالة الموظف للتقاعد، وهو ما زال قادراً على العطاء، كما أنه ما زال يعول أسرة ربما تتأثر أحوالها المعيشية كثيراً بخفض الراتب المترتب على التقاعد.
 
إزاء هذه الجدلية، ربما نحتاج إلى أن ندرس تجارب سابقة في هذا المجال، لدول عانت من نفس المشكلة، التي نعاني منها، ونستفيد من تلك التجارب، ولا نخترع العجلة مجدداً، ونذهب نتخبط في قرارات ومقترحات لا تزيد الوضع المعقد في أصله، إلا خبالاً وتخبطاً.
 
نحن لا نشك أن الأمر شديد التعقيد؛ إذ إن الخروج المبكر من العمل، يضغط بشدة على صناديق التقاعد، إضافة إلى المشكلات الاجتماعية والصحية الناجمة عن ترك سوق العمل مبكراً، ومن الناحية الأخرى فإن المؤسسات تحتاج إلى قدرات شبابية، ودماء جديدة، حتى يأخذ الشباب فرصتهم كاملة.
 
ومما قد يساهم في حل اللغز، تعديل وضعية التعاقد؛ لتصبح مساراً ورافداً جديداً يولد الوظائف؛ بدلاً من أن يكون عنواناً لانتهاء الحياة العملية؛ وذلك عن طريق مساعدة كبار الموظفين في الجهاز الحكومي، من غير ذوي التخصصات النادرة، على ترك الوظائف مبكراً، وإنشاء مؤسسات خاصة تساهم هي الأخرى في امتصاص بعض الشباب المتعطلين.
 
وعلى الناحية الأخرى؛ فإننا نحتاج إلى تغيير في البنية الذهنية لكثير من شبابنا، ونظرتهم للوظيفة؛ فغالبهم يرى أن الأمان الكامل يكون في القطاع الحكومي، ونحن نحتاج منه أن يبذل مجهودات إضافية لتأسيس منشأة صغيرة، أو إثبات جدارته في الوظائف الخاصة.
31 مايو 2014 - 2 شعبان 1435
12:39 PM

اللغز المحير.. لا تخترعوا العجلة

A A A
0
6,927

اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام القليلة الماضية بالحديث عن الاقتراح الذي تَدَارَسه مجلس الشورى ورفعه للمقام السامي؛ لمدّ سِنّ التقاعد إلى 62 عاماً؛ فهناك فئات مؤيدة لهذا القرار، وتدافع عنه باستماته شديدة؛ فيما يقف على الطرف الآخر من يعارض هذا القرار ويرفضه بشدة.
 
ولكل من الفريقين وجهة نظر معتبرة، ومقدرة في هذه القضية الشائكة، في مجتمع يعاني فيه الشباب السعودي من البطالة، وهم يُشكّلون النسبة الغالبة من السكان (51% تقريباً)، ويحاول فيه الموظفون الحفاظ على مكاسبهم، ووجودهم الفاعل في الحياة العملية.
 
فريق الشباب يرى أن القرار يقوّض ويقلل من فرص التحاقهم بالعمل، في مجتمع يعاني من شح الوظائف؛ لا سيما في القطاع الحكومي، وهو ما يعني انتظارهم في طابور المتعطلين سنوات أخرى إضافية، وربما يفوتهم فيها قطار الالتحاق بالوظيفة الحكومية المأمولة.
 
وكثير من ذلك صحيح؛ لأن مدّ سن التقاعد يعني بداهة، تقليل نسبة التوظيف في المؤسسات والمراكز الحكومية، وهو ما يعني أن الذي يدفع ضريبة هذا القرار هم فئة الشباب دون غيرهم، الذين ينتظرون، ربما سنوات طويلة، رغبة في الالتحاق بوظيفة مناسبة.
 
والفريق الذي يؤيد القرار، يرى أن ذلك هدر لموارد الدولة، وتفريط في كفاءات وخبرات أحوج ما تكون الدولة إليها، كما أن سن الستين، تعتبر مبكرة إلى حد ما لإحالة الموظف للتقاعد، وهو ما زال قادراً على العطاء، كما أنه ما زال يعول أسرة ربما تتأثر أحوالها المعيشية كثيراً بخفض الراتب المترتب على التقاعد.
 
إزاء هذه الجدلية، ربما نحتاج إلى أن ندرس تجارب سابقة في هذا المجال، لدول عانت من نفس المشكلة، التي نعاني منها، ونستفيد من تلك التجارب، ولا نخترع العجلة مجدداً، ونذهب نتخبط في قرارات ومقترحات لا تزيد الوضع المعقد في أصله، إلا خبالاً وتخبطاً.
 
نحن لا نشك أن الأمر شديد التعقيد؛ إذ إن الخروج المبكر من العمل، يضغط بشدة على صناديق التقاعد، إضافة إلى المشكلات الاجتماعية والصحية الناجمة عن ترك سوق العمل مبكراً، ومن الناحية الأخرى فإن المؤسسات تحتاج إلى قدرات شبابية، ودماء جديدة، حتى يأخذ الشباب فرصتهم كاملة.
 
ومما قد يساهم في حل اللغز، تعديل وضعية التعاقد؛ لتصبح مساراً ورافداً جديداً يولد الوظائف؛ بدلاً من أن يكون عنواناً لانتهاء الحياة العملية؛ وذلك عن طريق مساعدة كبار الموظفين في الجهاز الحكومي، من غير ذوي التخصصات النادرة، على ترك الوظائف مبكراً، وإنشاء مؤسسات خاصة تساهم هي الأخرى في امتصاص بعض الشباب المتعطلين.
 
وعلى الناحية الأخرى؛ فإننا نحتاج إلى تغيير في البنية الذهنية لكثير من شبابنا، ونظرتهم للوظيفة؛ فغالبهم يرى أن الأمان الكامل يكون في القطاع الحكومي، ونحن نحتاج منه أن يبذل مجهودات إضافية لتأسيس منشأة صغيرة، أو إثبات جدارته في الوظائف الخاصة.