أسئلة لورين..!

قبل 3 أعوام تواصلت معي فتاة بعمر 13 سنة من إحدى مدن السعودية؛ لتسألني عبر أحد برامج التواصل عن أمر يزعجها. لفت نظري تفكيرها رغم عمرها، وتوجُّهها لطلب الاستشارة من مختص؛ فأثنيتُ على تصرفها. بغض النظر عن سؤالها، ما أثر بي هو أنها كانت كالإسفنجة؛ متعطشة للتوجيه، حائرة، ضائعة، لم يكن ما سألتني أمورًا ذات قيمة في الآونة الأولى، ولكن بعد عام من التواصل المتقطع معها اكتشفت المزيد من المعضلات التي كانت تجعل الابتعاد حلاً صعبًا بالنسبة لي؛ إذ كان أملي بمساعدتها يكبر كلما وجدت أنني أثرت بها إيجابًا، واستطعتُ أن أقنعها ببعض الأمور كالصلاة مثلاً، وممارسة الهوايات، والذهاب للمدرسة بعدما كانت مقتنعة تمامًا بأنها لا تجدي نفعًا بأي شيء. لا أخفيكم أنني في لحظات كثيرة كنت أستمع فقط؛ فقد كانت تبوح بكل شيء؛ لقد كانت مليئة بالمشاعر المكبوتة!

ورغم بُعد المسافة بيننا إلا أنني استطعت أن أصل لقلبها وعقلها. رسمت لي أفكارها، وعبرت عن تأثرها بوفاة والدها، وعصبية والدتها وصراخها وانشغالها مع زوجها، وتنمُّر أخيها على أنفها المتضخم، وسكن أخيها الكبير مع العم هربًا من زوج الأم، وتفاصيل كثيرة كانت تكدر صفوها، وتجعلها تهرب لعزلتها أكثر لتلعب 10 ساعات متواصلة، وأحيانًا أكثر في اللعبة الشهيرة في ذلك الوقت "فورتنايت". تتواصل وتحادث كل من يملأ فراغها الداخلي المخيف، وقد أُتيحت لهم كل السبل في التلاعب مع ضحية سهلة منكسرة، تحاول الهرب من الحياة!

ما زالت أسئلتها الحائرة مكتوبة في مذكرتي كما كتبتها بالضبط عندما طلبت منها كتابة أسئلة تشغل تفكيرها، فجاء منها:

"1- ليه أنفي صار كبيرًا فجأة؟

2- ليه ربي يخلي الإنسان كبيرًا فجأة، يعني ليه ما يخلي كلهم صغارًا؟

3- كيف يصير الإنسان قويًّا؟

6- كيف ينسى أحد حاجة مرة مرة مضايقته؟".

وبالطبع هناك أسئلة أخرى.

حاولت أن أحاورها بأريحية؛ لعلي أدل حيرتها، وأجلي ما كان يقلقها. وخلال تلك الرحلة أدركت أمرَيْن: أن سوء التعامل مع المشاعر هو أمر أخطر مما نتوقع، وعواقبه على شخصية الإنسان في الكِبَر لا يُدرَك مداها. والثاني أن تلك المرحلة العمرية للفتيات، وأعني 12 - 17 سنة، هي بوابة سهلة جدًّا لكل من برع بالكلمات، وأظهر اللطف ولين الجانب وبعض مهارات الاحتواء، ووُفق بضحية تم التعامل مع مشاعرها بتقشف؛ ليتلاعب كيفما يشاء.. وأنهن بمرحلة حساسة؛ أحوج ما تكون إلى الحب والتوجيه والصداقة والتقبُّل.

أحداث كثيرة تتابعت مع لورين. حاولت إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن وجودها في مدينة أخرى قد جعل الأمور أصعب. كنت أخشى أن أفلت حبل التواصل فتضيع؛ ويزداد تخبطها، رغم أني تواصلت مع والدتها بمحض المصادفة عندما توجهت لي بالاستشارة بعد شهرين من معرفتي بلورين، وأدركت من تشابه القصص أنها والدة لورين. حاولت بكل ما أستطيع، ولكن الجملة التي وضعت للحكاية نهاية "أنا عندي عيال كثير، ما يفرق إذا قصرت مع واحد! ".

قررتُ من تلك اللحظة أن يكون من ضمن عطائي للأطفال والأمهات نصيب للفتيات أيضًا؛ وبدأت بالعمل على محتوى أستهدف فيه قلوبهن المرهفة، وشغفهن العالي بالمعرفة، وصعوبة المراس، حتى أذن الله لتلك الخواطر أن ترى النور في برنامج صُمم خصيصًا ليجيب عن أسئلة الفتيات، ويروي فضولهن بحكمة ومتعة وإبداع وسلاسة -كما نرجو- بعد توفيق الله إيمانًا بأهمية تلك المرحلة في صنع مستقبل الفتاة؛ فهو مفترق طرق خطير، وخصوصًا ما إذا كانت الفتاة تعاني جروحًا في مشاعرها.. وهو أساس يضع اللبنة الأكثر متانة في شخصية، ستسفر أنيابها فيما بعد عندما تغدو شابة عاملة، وامرأة تضيف لوطنها وأسرتها، أو تُحسب عليه.

لن أنساكِ لورين؛ فقد خلقتِ بي شغفًا جديدًا، وأنرتِ الدرب للكثيرات غيرك بإشعال ذلك الفتيل بداخلي؛ فلم أعد شخصًا؛ وإنما نحن الآن فريق، نعد ونطمح أن نؤثر ونغير ونضيء العتمة في عقول الفتيات. أسأل الله أن تكوني بخير، وأن تكون كلماتي وتوجيهاتها وإنصاتي لك قد أثمرت اليوم في روحك نفحًا طيبًا وعبقًا يزهر حين يأذن الله.

استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه.

مها عبدالله الحقباني
اعلان
أسئلة لورين..!
سبق

قبل 3 أعوام تواصلت معي فتاة بعمر 13 سنة من إحدى مدن السعودية؛ لتسألني عبر أحد برامج التواصل عن أمر يزعجها. لفت نظري تفكيرها رغم عمرها، وتوجُّهها لطلب الاستشارة من مختص؛ فأثنيتُ على تصرفها. بغض النظر عن سؤالها، ما أثر بي هو أنها كانت كالإسفنجة؛ متعطشة للتوجيه، حائرة، ضائعة، لم يكن ما سألتني أمورًا ذات قيمة في الآونة الأولى، ولكن بعد عام من التواصل المتقطع معها اكتشفت المزيد من المعضلات التي كانت تجعل الابتعاد حلاً صعبًا بالنسبة لي؛ إذ كان أملي بمساعدتها يكبر كلما وجدت أنني أثرت بها إيجابًا، واستطعتُ أن أقنعها ببعض الأمور كالصلاة مثلاً، وممارسة الهوايات، والذهاب للمدرسة بعدما كانت مقتنعة تمامًا بأنها لا تجدي نفعًا بأي شيء. لا أخفيكم أنني في لحظات كثيرة كنت أستمع فقط؛ فقد كانت تبوح بكل شيء؛ لقد كانت مليئة بالمشاعر المكبوتة!

ورغم بُعد المسافة بيننا إلا أنني استطعت أن أصل لقلبها وعقلها. رسمت لي أفكارها، وعبرت عن تأثرها بوفاة والدها، وعصبية والدتها وصراخها وانشغالها مع زوجها، وتنمُّر أخيها على أنفها المتضخم، وسكن أخيها الكبير مع العم هربًا من زوج الأم، وتفاصيل كثيرة كانت تكدر صفوها، وتجعلها تهرب لعزلتها أكثر لتلعب 10 ساعات متواصلة، وأحيانًا أكثر في اللعبة الشهيرة في ذلك الوقت "فورتنايت". تتواصل وتحادث كل من يملأ فراغها الداخلي المخيف، وقد أُتيحت لهم كل السبل في التلاعب مع ضحية سهلة منكسرة، تحاول الهرب من الحياة!

ما زالت أسئلتها الحائرة مكتوبة في مذكرتي كما كتبتها بالضبط عندما طلبت منها كتابة أسئلة تشغل تفكيرها، فجاء منها:

"1- ليه أنفي صار كبيرًا فجأة؟

2- ليه ربي يخلي الإنسان كبيرًا فجأة، يعني ليه ما يخلي كلهم صغارًا؟

3- كيف يصير الإنسان قويًّا؟

6- كيف ينسى أحد حاجة مرة مرة مضايقته؟".

وبالطبع هناك أسئلة أخرى.

حاولت أن أحاورها بأريحية؛ لعلي أدل حيرتها، وأجلي ما كان يقلقها. وخلال تلك الرحلة أدركت أمرَيْن: أن سوء التعامل مع المشاعر هو أمر أخطر مما نتوقع، وعواقبه على شخصية الإنسان في الكِبَر لا يُدرَك مداها. والثاني أن تلك المرحلة العمرية للفتيات، وأعني 12 - 17 سنة، هي بوابة سهلة جدًّا لكل من برع بالكلمات، وأظهر اللطف ولين الجانب وبعض مهارات الاحتواء، ووُفق بضحية تم التعامل مع مشاعرها بتقشف؛ ليتلاعب كيفما يشاء.. وأنهن بمرحلة حساسة؛ أحوج ما تكون إلى الحب والتوجيه والصداقة والتقبُّل.

أحداث كثيرة تتابعت مع لورين. حاولت إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن وجودها في مدينة أخرى قد جعل الأمور أصعب. كنت أخشى أن أفلت حبل التواصل فتضيع؛ ويزداد تخبطها، رغم أني تواصلت مع والدتها بمحض المصادفة عندما توجهت لي بالاستشارة بعد شهرين من معرفتي بلورين، وأدركت من تشابه القصص أنها والدة لورين. حاولت بكل ما أستطيع، ولكن الجملة التي وضعت للحكاية نهاية "أنا عندي عيال كثير، ما يفرق إذا قصرت مع واحد! ".

قررتُ من تلك اللحظة أن يكون من ضمن عطائي للأطفال والأمهات نصيب للفتيات أيضًا؛ وبدأت بالعمل على محتوى أستهدف فيه قلوبهن المرهفة، وشغفهن العالي بالمعرفة، وصعوبة المراس، حتى أذن الله لتلك الخواطر أن ترى النور في برنامج صُمم خصيصًا ليجيب عن أسئلة الفتيات، ويروي فضولهن بحكمة ومتعة وإبداع وسلاسة -كما نرجو- بعد توفيق الله إيمانًا بأهمية تلك المرحلة في صنع مستقبل الفتاة؛ فهو مفترق طرق خطير، وخصوصًا ما إذا كانت الفتاة تعاني جروحًا في مشاعرها.. وهو أساس يضع اللبنة الأكثر متانة في شخصية، ستسفر أنيابها فيما بعد عندما تغدو شابة عاملة، وامرأة تضيف لوطنها وأسرتها، أو تُحسب عليه.

لن أنساكِ لورين؛ فقد خلقتِ بي شغفًا جديدًا، وأنرتِ الدرب للكثيرات غيرك بإشعال ذلك الفتيل بداخلي؛ فلم أعد شخصًا؛ وإنما نحن الآن فريق، نعد ونطمح أن نؤثر ونغير ونضيء العتمة في عقول الفتيات. أسأل الله أن تكوني بخير، وأن تكون كلماتي وتوجيهاتها وإنصاتي لك قد أثمرت اليوم في روحك نفحًا طيبًا وعبقًا يزهر حين يأذن الله.

استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه.

28 نوفمبر 2021 - 23 ربيع الآخر 1443
11:46 PM
اخر تعديل
15 يناير 2022 - 12 جمادى الآخر 1443
05:57 AM

أسئلة لورين..!

مها عبدالله الحقباني - الرياض
A A A
0
656

قبل 3 أعوام تواصلت معي فتاة بعمر 13 سنة من إحدى مدن السعودية؛ لتسألني عبر أحد برامج التواصل عن أمر يزعجها. لفت نظري تفكيرها رغم عمرها، وتوجُّهها لطلب الاستشارة من مختص؛ فأثنيتُ على تصرفها. بغض النظر عن سؤالها، ما أثر بي هو أنها كانت كالإسفنجة؛ متعطشة للتوجيه، حائرة، ضائعة، لم يكن ما سألتني أمورًا ذات قيمة في الآونة الأولى، ولكن بعد عام من التواصل المتقطع معها اكتشفت المزيد من المعضلات التي كانت تجعل الابتعاد حلاً صعبًا بالنسبة لي؛ إذ كان أملي بمساعدتها يكبر كلما وجدت أنني أثرت بها إيجابًا، واستطعتُ أن أقنعها ببعض الأمور كالصلاة مثلاً، وممارسة الهوايات، والذهاب للمدرسة بعدما كانت مقتنعة تمامًا بأنها لا تجدي نفعًا بأي شيء. لا أخفيكم أنني في لحظات كثيرة كنت أستمع فقط؛ فقد كانت تبوح بكل شيء؛ لقد كانت مليئة بالمشاعر المكبوتة!

ورغم بُعد المسافة بيننا إلا أنني استطعت أن أصل لقلبها وعقلها. رسمت لي أفكارها، وعبرت عن تأثرها بوفاة والدها، وعصبية والدتها وصراخها وانشغالها مع زوجها، وتنمُّر أخيها على أنفها المتضخم، وسكن أخيها الكبير مع العم هربًا من زوج الأم، وتفاصيل كثيرة كانت تكدر صفوها، وتجعلها تهرب لعزلتها أكثر لتلعب 10 ساعات متواصلة، وأحيانًا أكثر في اللعبة الشهيرة في ذلك الوقت "فورتنايت". تتواصل وتحادث كل من يملأ فراغها الداخلي المخيف، وقد أُتيحت لهم كل السبل في التلاعب مع ضحية سهلة منكسرة، تحاول الهرب من الحياة!

ما زالت أسئلتها الحائرة مكتوبة في مذكرتي كما كتبتها بالضبط عندما طلبت منها كتابة أسئلة تشغل تفكيرها، فجاء منها:

"1- ليه أنفي صار كبيرًا فجأة؟

2- ليه ربي يخلي الإنسان كبيرًا فجأة، يعني ليه ما يخلي كلهم صغارًا؟

3- كيف يصير الإنسان قويًّا؟

6- كيف ينسى أحد حاجة مرة مرة مضايقته؟".

وبالطبع هناك أسئلة أخرى.

حاولت أن أحاورها بأريحية؛ لعلي أدل حيرتها، وأجلي ما كان يقلقها. وخلال تلك الرحلة أدركت أمرَيْن: أن سوء التعامل مع المشاعر هو أمر أخطر مما نتوقع، وعواقبه على شخصية الإنسان في الكِبَر لا يُدرَك مداها. والثاني أن تلك المرحلة العمرية للفتيات، وأعني 12 - 17 سنة، هي بوابة سهلة جدًّا لكل من برع بالكلمات، وأظهر اللطف ولين الجانب وبعض مهارات الاحتواء، ووُفق بضحية تم التعامل مع مشاعرها بتقشف؛ ليتلاعب كيفما يشاء.. وأنهن بمرحلة حساسة؛ أحوج ما تكون إلى الحب والتوجيه والصداقة والتقبُّل.

أحداث كثيرة تتابعت مع لورين. حاولت إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن وجودها في مدينة أخرى قد جعل الأمور أصعب. كنت أخشى أن أفلت حبل التواصل فتضيع؛ ويزداد تخبطها، رغم أني تواصلت مع والدتها بمحض المصادفة عندما توجهت لي بالاستشارة بعد شهرين من معرفتي بلورين، وأدركت من تشابه القصص أنها والدة لورين. حاولت بكل ما أستطيع، ولكن الجملة التي وضعت للحكاية نهاية "أنا عندي عيال كثير، ما يفرق إذا قصرت مع واحد! ".

قررتُ من تلك اللحظة أن يكون من ضمن عطائي للأطفال والأمهات نصيب للفتيات أيضًا؛ وبدأت بالعمل على محتوى أستهدف فيه قلوبهن المرهفة، وشغفهن العالي بالمعرفة، وصعوبة المراس، حتى أذن الله لتلك الخواطر أن ترى النور في برنامج صُمم خصيصًا ليجيب عن أسئلة الفتيات، ويروي فضولهن بحكمة ومتعة وإبداع وسلاسة -كما نرجو- بعد توفيق الله إيمانًا بأهمية تلك المرحلة في صنع مستقبل الفتاة؛ فهو مفترق طرق خطير، وخصوصًا ما إذا كانت الفتاة تعاني جروحًا في مشاعرها.. وهو أساس يضع اللبنة الأكثر متانة في شخصية، ستسفر أنيابها فيما بعد عندما تغدو شابة عاملة، وامرأة تضيف لوطنها وأسرتها، أو تُحسب عليه.

لن أنساكِ لورين؛ فقد خلقتِ بي شغفًا جديدًا، وأنرتِ الدرب للكثيرات غيرك بإشعال ذلك الفتيل بداخلي؛ فلم أعد شخصًا؛ وإنما نحن الآن فريق، نعد ونطمح أن نؤثر ونغير ونضيء العتمة في عقول الفتيات. أسأل الله أن تكوني بخير، وأن تكون كلماتي وتوجيهاتها وإنصاتي لك قد أثمرت اليوم في روحك نفحًا طيبًا وعبقًا يزهر حين يأذن الله.

استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه.