"نايف وسعود الشعلان": "خفافيش السفارات" تستبيحنا .. وهذه أسباب تهمة تهريب المخدرات!

قالا لـ "سبق": لو كرّرنا بترولنا لتقاضى المواطن 20 ألفاً ولا ننسى "كيري" الذين اتهموه بالخرف

· مناقشة المجتمع قيادة المرأة للسيارة إهانة للفكر السعودي ولن تقوم لنا نهضة ما دمنا نستهلك.
· الليبراليون والعلمانيون مغرّرٌ بهم وتابعو هوى وطابور خامس من "خفافيش" السفارات.
· لو كرّرنا بترولنا لسيطرنا على العالم وقضينا على البطالة وتقاضى المواطن 20 ألفاً.
· أمريكا تستعد لاستيعاب 5 ملايين يهودي بعد زوال إسرائيل .. "المتطرفون" يُشعلون الفتن.
· عرضنا على أصحاب القرار دراسةً توقّعنا فيها غزو الكويت قبل وقوعه بـ 5 أعوام.
· بعض مثقفينا إمّعات للغرب والصحافة  الصفراء مُسلطة علينا منذ الخمسينيات.
· فطنة الملك فهد مكّنته من سبر أهمية الفكر .. والأمير سلطان وافقنا أنها لجنة "غبراء".
· الحوثيين يردّدون "الموت لأمريكا وإسرائيل" وعندما دخلوا صنعاء حموا واشنطن.
· ناقشنا "شافيز" عندما كان مُبتعثاً عن الإسلام والنصرانية والرأسمالية والاشتراكية فأصبح صديقاً.
· أسلم بعض السفراء على أيدينا .. وهذه قصة "كيري" الذي أوصى بدفنه بمقابر المسلمين فاتهموه بالخرف.
· أمريكا تعد السعودية حليفها التكتيكي وعدوها الإستراتيجي وإيران العكس.
- الجنرال الأمريكي "ويزلي كلارك" صاحب الاستراتيجية بعيدة المدى يقول : "من ظنّ أننا خرجنا للعراق، وأفغانستان انتقاماً لأحداث 11 سبتمبر فليصحح خطأه، نحن خرجنا لقضية اسمها الإسلام. 
- هناك مرآتين مقعرة ومحدبة مسلطتان على الأمة الإسلامية ومن خصائص مرآة التحديب "التقزيم" ومن خصائص مرآة التقعير "العملقة". 


 
 
حوار/ شقران الرشيدي- سبق- الرياض (تصوير: فايز الزيادي، عبدالمجيد العازمي): يقول الأخوان "التوأمان" الأميران نايف وسعود فواز الشعلان أن الإسلام دين مستهدف من الغرب في قيمه، وأهدافه، وثوابته، وفي مجتمعاته. مؤكدين في حوارهما مع "سبق" أن منطقتنا تحيط بها المخاطر، وأن هناك أجندات سياسية خفية لإعادة صياغة الإسلام، وتفريغه وتجزئته، وإثارة الفتن في منطقتنا صُرف عليها المليارات من الدولارات. محذرين السعودية والإمارات مما يخطط لها الآخرون. ومن مشروع غربي يستهدفهما. موضحين رؤيتهما في تسامح الغرب، والتعايش مع النصارى، وأسباب دراستهما منذ الصغر في مدارس "غربية" في سويسرا، وفرنسا، ولبنان، وأمريكا.. ولماذا لُقبا بالأخوين "الدمويين" من نصارى لبنان. كما تحدثا عن مواقفهما مع الملك فهد والأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمهما الله- ومع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله -حفظه الله- والرئيس الفنزويلي السابق وتقبله للإسلام، كما يتطرقان لنظرياتهما السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وإسلام عدد من السفراء على أيديهما، وأسباب عدم مناقشتهما للتيارات الفكرية داخل السعودية، وشرحا تصنيفهما الخاص بدول الشرق الأوسط الاستراتيجية والتكتيكية، ودول ردة الفعل، وإيقافهما التعاقد بالملايين مع ثري عربي اكتشفا أنه مقامر في كازينوهات "مونتي كارلو".. وتتقدم "سبق" بالشكر الجزيل للأستاذ محمد الراشد على جهوده في ترتيب الحوار؛ فإلى التفاصيل..
 
** تتنوّع شخصيتاكما في اهتماماتها الثقافية، والفكرية، والاقتصادية، والرياضية.. هذا التنوع والثراء في التجارب كيف يكون؟
 
نايف: هناك نظريتان في علم الاجتماع أو مدرستان كبيرتان إحداهما البنيوية من الإنسان ذاته "الجينات"، ومدرسة أخرى اسمها السببية "البيئية أو الظرفية"، والإنسان هو مزيج من كلا المدرستين. والعامل "الجيني" يختص بمدى الاستيعاب، والفهم، والميول... إلخ. أما الحصيلة العلمية والفكرية فهي من العامل السببي أو البيئي. ويمكن تشبيه الأمر بصقل الأحجار الكريمة التي هي عملية ميكانيكية، وعملية "أدواتية ظرفية"؛ فعلى سبيل المثال حجر الكوارتز، وحجر الألماس كلاهما متشابهان، لكن إذا أعطيتهما ليد ماهرة في الصقل، واستخدمت ذات التقنية.. ثم عرضتها في السوق للبيع؛ فالألماس يساوي مليون دولار والكوارتز لن يزيد على 10 دولارات. والسبب الحقيقي هو خامتها.
 
سعود: أود أن أضيف على حديث أخي نايف أن هذا الموضوع فيه خصوصية بين الشمولية، والتفصيل، وهما عالمان مختلفان تماماً، ونادراً ما يجتمعان. وأخي نايف يضرب مثلاً دائماً بآلتَي الـ"ميكروسكوب" و"التليسكوب"، وهذه حقيقة.. فنادراً ما ترى آلة "الميكروسكوب" الأشياء البعيدة بشموليتها واتساعها وبعدها كـ"التلسكوب"، لكنها ترى التفاصيل الدقيقة، ومكوناتها.. وهذا يسمى الإنصاف والرسوخ.. وفيما يتعلق باهتماماتنا المتعددة أعتقد أن الجزء الجيني له دور.
 
 
** منذ الصغر وبسبب ظروف عائلية درستما معاً خارج السعودية في مدارس "غربية" في سويسرا وفرنسا ولبنان، وفي أمريكا أثناء الدراسات العليا.. ماذا تركت هذه التنقلات العديدة في ذاتكما من ذكريات؟ 
 
نايف: بالفعل درسنا في مدارس خارجية بدايتها في مدارس سويسرية، ثم أكملناها في مدارس فرنسية. وأذكر في دراستنا بلبنان أن الطلاب كانوا يرفضون الجلوس معنا على ذات المقاعد؛ لأن أغلبهم من النصارى المتعصبين، ونظرتهم النمطية للإسلام "دونية"، ويمكن أن نقول إنها عنصرية. وقد فرّقونا أنا وأخي "سعود" في شعبتين دراسيتين مختلفتين حتى لا نكون في ذات الصف. وكانت مقاعد الدراسة يجلس عليها طالبان، والطلاب النصاري يرفضون، ويقولون للمدرسين: "لا أريد أن أجلس بجانب المسلم"، فاستعملنا اللين في بادئ الأمر فلم يُجدِ، فاضطررنا للعنف فكسبنا بذلك احترامهم.
 
سعود: نعم.. شاءت الظروف أن ندرس في خارج السعودية في سويسرا وفرنسا وبعدها في لبنان لأسباب عائلية. ولأننا بدأنا الدراسة بمناهج دراسية بلغات مختلفة، فكان من الصعب تغييرها والعودة للسعودية؛ حتى لا نخسر سنين دراسية. لكن من فضل الله -عز وجل- أننا وفّرنا سنتين مهمتين من دراستنا قبل أن ندرس المرحلة الجامعية في أمريكا، ويمكن القول إننا كنا غرباء في أغلب حياتنا، وهذا مما جعلنا ننظر إلى ثوابتنا، وديننا، وفطرتنا أكثر من غيرنا؛ لأننا نراها كمن يرى من اختار الإسلام عن قناعة ليس كمن ورثه.
 
 
** في ذلك الوقت.. كيف تم تقبّل طالبين مسلمين في مدارس "كاثوليكية"؟ هل كان هناك نوع من التصادم مع الطلبة الآخرين من ديانات أخرى؟
 
نايف: أتينا من بيئة تحترم الآخر، وغير صدامية. لكن فرضت علينا الظروف أن ننتزع حقنا بأيدينا لندافع عن ديننا وهويّتنا.
 
سعود: نعم.. كان هناك مواجهات مع العديد من الطلاب، وتقبّلناها بتحدٍّ وإصرار، وهذا الجانب الجيني فينا حيث تحوّل الأمر إلى شراسة، واستيعاب للصدمة، وكنا أمام خيارين إما أن نذوب أو نتبلور، وخلفيتنا الإسلامية، والاجتماعية رحّبت بالتحدي.. والله أعلم لماذا؟ ويمكن القول إن هذا التحدي هو أجمل شيء في حياتنا؛ لأنه فجّر فينا طاقات، ومكنونات، وشعوراً بالمسؤولية. وأن هذه الأمة الإسلامية هدف للآخرين دون أن يكون لها ذنب. ودليل على أن العالم الغربي قبل الأحداث الكبرى أو ما يسميها أخي نايف "الإسلاموفوبيا" بعد أحداث 11 سبتمبر. فالعالم الغربي عنده عداء للإسلام من طرف واحد. 
 
** في رأيكما.. لماذا هذا العداء للأمة الإسلامية؟
 
نايف: الإسلام تقبّل ما سبقه من أهل الكتاب، بينما لم يتقبل اليهود، ولا النصارى الإسلام، والحروب الصليبية هي الشاهد التاريخي على ذلك، والتآمر اليوم هو امتداد لهذا الفكر الإقصائي الغربي.
 
سعود: هذا يعيدنا إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أن "ملة الكفر واحدة". ونحن لا نستحيي أن نقول هذه الكلمة بإنصافها.
 
** هل هو ناتج عن سوء فهم لسماحة الإسلام أم انطباعات إعلامية وثقافية سلبية سابقة.. لماذا الاستهداف للإسلام من طرف واحد؟
 
نايف: هذه هي النظرة الغربية نحو الآخر. والإعلام الغربي يعتبر أداة نشأت من 150 عاماً. أما قبل ذلك لم يكن هناك إعلام مؤثر بالمعنى الحديث للكلمة. لكن الحروب القديمة، وعداءهم التاريخي لهذه الأمة، والحروب بين الإسلام وبيزنطة قبلها ولّدت هذا العداء والاستهداف، فالمسألة في رأيي هي مبدئية. والله عز وجل قال: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}. وقال "الدين" أي بـ"أل" التعريف، وكل الأنبياء منذ سيدنا آدم عليه السلام حتى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نادوا بدين واحد هو الإسلام أي التوحيد الخالص، وهذا الأمر لا يوافق أهواء أصحاب المصالح الخاصة. فمثلاً عندما أرسل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم رسائله إلى ملوك الأرض. وصلت رسالته إلى هرقل ملك بيزنطة "الروم" وهو يعلم أن الإسلام هو الحق، ويعرف ما قاله القرآن الكريم عن المسيح، لكن هرقل سأل رسول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قائلاً له: "قل لنبيك أين أرى ملكي وقوتي في هذا الدين؟ إن أراني إياه دخلت، وأدخلت روما كلها في الإسلام". فقال له رسول الرسول: "ليس لملكك مكان في هذا الدين فالدين كله لله". فردّ عليه هرقل: "إذن قل لمحمد إنني سأحاربه حتى آخر رجل عندي". ومن هذا نفهم أن المسألة هي صراع مستمر بين توجيهات إلهية، وبين مصالح بشرية تستغل الناس لمصالحهم الخاصة. 
 
 
 
** لكننا نرى تسامحاً من المجتمعات الغربية في تعاطيها مع الإسلام والمسلمين.. وهناك مسلمون ومبتعثون يعيشون فيها بارتياح، ولا يتعرضون للمضايقات. 
 
سعود: لا أوافقك على هذا الطرح لأسباب منهجية.
 
**.. والسبب؟
 
سعود: ليس من يعيش على السطح كمن يغوص في الأعماق. الحضارات المختلفة لها قشرة ولها لبّ. وهناك فرق بين المدنية والحضارة.. ومن يأتي على عجالة يتأثر بالقشور المدنية كالعمران المتطور، ونمط الحياة، والتسهيلات المعيشية، والتعامل مع الظواهر بسطحياتها؛ فيتعامل بجزئية ويحكم على الكل من الجزء وهذا خطأ منهجي، وخطير، واعتبره "فيروس" يؤتى به إلى مجتمعاتنا.. وأغلب الناس يتعامل مع الظواهر الشكلية للغرب. أما التسامح عند الغرب فهو يعني تسهيل السيطرة وعدم المقاومة.. فما دمت مسيطَر عليك فيعتبرونك متسامحاً.. وما دمت تخدم مشروعهم فيصنفونك أيضاً متسامحاً. ما دمت لا تعترض عليهم فأنت متسامح، وعلى سبيل المثال فرنسا في غزوها لشمال إفريقيا، وتحديداً في الجزائر كانت تراها جزءاً لا يتجزأ من الأرض الفرنسية حتى إنها كانت تسميها "أوتر مير" وتعني فرنسا ما وراء البحار، وأنها امتداد للتراب الفرنسي، أما من عليها فهم طارئون لا وجود لهم. ولذا كانت لديهم قرارات أساسية في خياراتهم، بفترة تأسيس انتدابهم، وكانوا يرون أن الجزائر ليست بلاداً مستعمرة بل هي امتداد لبلدهم، بمعنى أنهم وُجدوا فيها ليبقوا، ولذلك كانت خياراتهم واضحة المعالم؛ ومنها أنهم لا ينظرون للإنسان الموجود على الأرض التي استعمروها بأن له خصوصية؛ لغة وثقافة، والأهم منها أن لديه ديناً خاصاً هو الإسلام، وهم يعرفون جيداً أن الإسلام هو المحور الحقيقي للمجتمعات العربية والإسلامية، لذا تعاملوا معها بكل بساطة في إنهاء هذا المحور.. ولذلك فقتلى الاستقلال الجزائري عن فرنسا يقال عنهم إنهم مليون شهيد وفي الحقيقة هم أكثر من ذلك. وهذا التعامل الفرنسي على سبيل المثال يعطي انطباعاً عن حقيقة تعامل الغرب، وتسامحه، ومدى إنصافهم عبر التاريخ. لذا عندما نتحدث عن عدم تسامح الغرب فنحن لا نحكم عليها من قشورها بل من الشواهد التاريخية. فاليوم في عالم الإباحية كل شيء يجوز، لذلك تفسر الإباحية بالتسامح. وهذا غير صحيح أبداً؛ فهذه الإباحية تقبلها كنيستهم تحت ظرف الأمر الواقع رغم أنها تتنافى جملة وتفصيلاً مع الدين النصراني، ومع ذلك يرونه من التسامح.
 
نايف: في موضوع تسامح الغرب دعنا ننظر له ببساطة. ونرى الغرب بطبقاته المختلفة حتى نكون منصفين. فالخالق -عز وجل- يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّـهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. والإنسان الغربي قد يكون فيه من الطيبة إلى حد ما حتى تبدأ تتكلم معه عن خصوصياته عندها ترى شخصاً آخر. ولكن عندما يريد أن يستدرجك لمكوناته فهو متسامح. وعندما تتصادم أهواؤه مع ثوابتك ترى وجهاً آخر. ولنتذكر أن أول ثورة قامت في الغرب هي الثورة الفرنسية، والتي رفعت شعارات "إخاء، مساواة، حرية". ولكن هذه المبادئ الثلاث لم تُطبق في التعامل مع الإسلام، فمثلاً على الصعيد الفردي تمنع المدرسات المسلمات الفرنسيات من لبس الحجاب بحجة العلمانية، بينما يُسمح للراهبات بلبس لباس الرهبنة، ولم يُعتبر منافياً للعلمانية، ويسمح للراهب وضع الصليب على صدره، واليهودي الأورثوذكسي قلنسوته، ولباسه الأسود، بينما يمنع المدرس المسلم الفرنسي من لبس أي لباس يرمز من قريب أو بعيد لإسلامه. وعدم منح رخص لمساجد جديدة تنناسب مع أعداد المسلمين المتزايدة ويمنعون من صلاة الجمعة في الشوارع. وعدم السماح بالمآذن، ويمنع الأذان بينما تقرع الأجراس ليل نهار والأمثلة على ذلك كثيرة. أما على الصعيد الجماعي فتيمور الشرقية جزء من إندونيسيا أرادت الاستقلال فأعطتها هيئة الأمم الاستقلال في أربعة وعشرين ساعة، وهددت الدول الكبرى إندونيسيا بالحرب فانتهت المسألة بيومين. وسلوفانيا أرادت الاستقلال عن صربيا فبدأت الأخيرة بتحريك جيوشها فهددتها عدة دول أوروبية بالحرب فانتهت المسألة بعدة أيام، وأدخلت بالوحدة الأوروبية. بينما البوسنة والهرسك دخلت حرباً طاحنة استشهد فيها مئات آلاف من المسلمين، وقسمت، وكان الخاسر الأكبر بذلك المسلمون. فلسطين ترزح تحت الاحتلال "الإسرائيلي" بسلاح، ومال وغطاء غربي ولا حياة لمن تنادي. التصفية العرقية للروهينغا المسلمين في بورما لم يتطرق لها من بعيد أو قريب وإفريقيا الوسطى. وصدق الله عز و جل إذ قال: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ}.
 
** اسمحا لي أن أختلف معكما في هذا المحور؛ لأننا نرى المساجد في مختلف مدن أوروبا وأمريكا، والمراكز الإسلامية تنشأ، والمسلمون يقيمون شعائرهم دون اعتراض كما نراهم في وسائل الإعلام العربية والغربية؟
 
نايف: دعني أوضح لك أن هناك جوهراً، وهناك غطاء أو قناع على هذا الجوهر. فعلى سبيل المثال هناك 9% من الشعب الفرنسي مسلم، وفي بلجيكا 10% من الشعب مسلم. ما رأينا في تاريخ أوروبا من يتكلم عن حقوق هذه الأقليات لديهم، ولم يُلفظ حتى في أدبياتهم الفكرية أو الفلسفية أو السياسية طرح فكرة حقوق الأقليات بينما عندنا يأتي الغربي ويقول: "ما هي حقوق الأقليات في بلادكم؟". لا يجوز أن نكون تحت حكم ديكتاتورية الأقليات. وتواجد الإسلام في أوروبا وأمريكا في مدّ وجزر عبر التاريخ، وكل ما لديهم من علوم أتتهم عبر الحضارة العربية الإسلامية من الأندلس.
 
سعود: أودّ أن أشير إلى أن تراثهم اليوم الذي يفتخرون به، وما يسمى "الغريقورومن" أو الإغريق- الروماني لم يأتهم مباشرة، بل أتاهم عبر التراجم العربية إلى اللاتينية حتى الفلسفة الإغريقية.. وهذا دليل تسامح الإسلام وفضله عليهم.
 
 
** لكن من المعروف أن الحضارات الإنسانية عبر التاريخ تستفيد مما قبلها، وتبني على علوم ومعارف ما سبقها.. وهذا التبادل المعرفي يأتي في سياقه التاريخي.. فلماذا تستغربان ذلك؟ 
 
نايف: تسامح الحضارة الإسلامية التي تعد كما ذكرت مكملة للحضارات التي سبقتها. والإسلام عندما ذهب شرقاً وغرباً لم يقضِ على الحضارات، والمجتمعات التي فتحها بل قلّم أظافرها، وهذبها، وأظهرها بمظهر إنساني يتماشى مع الإسلام؛ لكنه لم يُلغِ الآخر، بل كان مكملاً ومجملاً له، لكن الحضارة الغربية مختلفة في هذا الجانب.
 
سعود: الرجل الأبيض الأوروبي يرى نفسه مركز العالم، والكون، وله الحق تكويناً حضارياً في ذلك -كما يعتقد هو ذلك- فروما على سبيل المثال سيطرت على العالم بمسيحيتها، وبسببها قامت الحروب الدينية القديمة، وقامت الحربان العالميتان الأولى والثانية.. وعند تحليل أسباب الحروب نكتشف أن عقدة النرجسية موجودة لديهم. لذا فإن أشرس الناس في عدائهم هو الرجل الأبيض فحين ذهب لإفريقيا، والهند، وأمريكا الجنوبية قضى على الحضارات، والمجتمعات الموجودة هناك بذات النمط، ففي قارة أمريكا الشمالية أفنوا 25 مليون هندي أحمر من سكانه الأصليين، وفي كل منطقة قضوا على حضارات عظمى كانت قبلهم كالانكا، والآزتك في أمريكا الوسطى والجنوبية. 
 
 
** حسناً.. أمام هذا العداء واللاتسامح الذين ترونه ضد الإسلام والمسلمين من الغرب.. ما هي الآلية لحماية الإسلام والدفاع عنه؟
 
نايف: الآلية أن تعرف ذاتك أولاً.. وتعرف من أنت؟ ومع الأسف الإعلام "المتغرب" عندنا يحاول أن يظهر أن الإسلام كأس فارغ كلّ يملؤه بما يريد. والحقيقة أن الإسلام هو كأس مليء بمحتوى، ودلالة، ووضوح. إلهية قطعية النص، وقطعية الدلالة. وهذا ما بني عليه الإسلام عقيدة أولاً.. وبعدها تترجم العقيدة لسلوك ثم لتشريعات تمارس الحياة المدنية من خلالها.. فهذه الابعاد الثلاثة يجب أن تتكامل.
 
سعود: نعم الوعي بالذات هو أهم شيء.. واتفق مع ما ذكره أخي نايف.
 
**... وما هو دور المسلم في المجتمع والحياة بشكل عام؟
 
نايف: دورنا نراه من منظور قرآني.. فالخالق -عز وجل- قال: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً". ومهمتنا في وسطيتنا أن نكون شهداء على الإنسانية كلها، وإخراج الناس من ظلماتهم بإقامة الحجة، والدعوة. وأول من رأى الإسلام عدواً هي الكنيسة الأوروبية؛ لأن الأفكار الإسلامية حرّرت الفرد الأوروبي من سيطرة الكنيسة عليه التي كانت تزدهر ببيئة التجهيل الممنهج للفرد الأوروبي، وكذلك النظام الملكي الأوروبي كان يعيش على السيطرة الكاملة على المجتمع من خلال الكنيسة فأصبحتا أداتين مسلطتين على الفرد الأوروبي لاستعباده؛ وإلا كيف نفسر أن شعوب أوروبا لـ 1500 سنة لم تقرأ كلمة واحدة من كتابها؛ لأن الكنسية أخذت النسخة اليونانية القديمة من القرن الخامس، وترجمتها إلى اللغة اللاتينية الميتة، وأبقت عليها عن قصد لكي لا تقرأ، وتحتكر الكنيسة تفسيره دون مسألة حتى باع الفاتيكان صكوك الغفران، وأراضي في الجنة.
 
سعود: نقدنا للفكر الغربي وتأثيراته في منطقتنا ليس من باب التحامل، بل لأسباب موضوعية لمن عرف كلا العالمين، وقارن وفاضل. على جيلنا أن يقبل التحديات القائمة ويكون لها نداً. نحن نراها بمسؤوليتها التكليفية، وأن اليوم بقاءك، وجودك، وحضارتك، وقيمك، وأخلاقك، ومبادئك كلها مهددة، وعلينا أن ننهض من سباتنا.
 
** هل فعلاً هناك "أجندات" خلفها دول غربية لتشويه الإسلام، وزرع الجماعات المتطرفة لإثارة الفتن في المنطقة؟
 
نايف: في علم الاستراتيجية القاعدة الأولى، هي: "لا يهمنا ماهية الحقيقة بل المهم هو كيف تُظهر أنها الحقيقة". وذلك للتمويه. والآن هناك أجندات سياسية، واقتصادية، وحضارية تريد أن تغطي عيوباً كبرى عند الغرب، وليس لديها وسيلة إلا أن تشوّه الإسلام، وهي موجودة اليوم، ويصرف عليها مليارات من الدولارات. فلا نأخذ الأمور ببساطتها على أنها كل إناء بما فيه ينضح. فعلى سبيل المثال أمامك كأس من الحليب صافي اللون والبياض فيه نفع وشفاء للناس هو الإسلام، ويريد البعض أن يقنعوا الآخرين بأن لونه أحمر داكن، وسام ليبتعدوا عنه، وكما قال القدماء: "إن من البيان لسحر". واليوم وسائل الاتصال المختلفة، والإعلام هما السحر الأكبر في تشويه الحقائق هذا ما يعرف بساحات الحروب الافتراضية.
 
** في ظل التقدم الحضاري والعلمي الكبيرين.. كيف يمكن الاستفادة من الغرب لتطوير أنفسنا ومجتمعاتنا؟
 
نايف: يجب أن نعرف كما أننا أهداف وضحايا لهذا الغرب.. فالأفراد الغربيون ضحايا لنظام فكري، وسياسي. والغرب طبقات بعضها فوق بعض وغير متجانسة. ولمعرفته والاستفادة منه لا بد أن نرجع لجذوره قبل المسيحية. فهناك حقب فكرية، وعقدية، ومدنية مرّ بها الغرب وأثرت به. فالرأسمالية على سبيل المثال يقال لنا إنها من الغرب، والشيوعية يقال لنا إنها من الشرق؛ هكذا حاولوا إفهامنا لكنهما في الواقع كلاهما من الغرب، وهما نتاج فكر واحد رغم تضادّها. لكن الإسلام يسبق الاثنين، وفيه محاسن الرأسمالية والشيوعية دون محاذيرها، والعيوب التي تنتج عن الرأسمالية كالفردية والاحتكار الاقتصادي مُنع في الإسلام قبل 1400 سنة أي قبل الفكرتين.. فنهى الرسول محمد صلى الله عليه و سلم عن احتكار الفرد للفرد، وقال "ولا تناجشوا"، و"لا يبِع بعضكم على بيع بعض" وهي مبادئ أطّرت قبل1400 سنة أي قبل نظريتي الرأسمالية والشيوعية. والخليفة على بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال: "حدّثوا الناس على قدر عقولهم.. أتريدون أن يكذب الله ورسوله". ولذلك المسألة هي في كيف تختزل خزاناً كبيراً فيه تريليونات من المعلومات في كأس صغيرة يشربه الفرد المسلم ليستوعبه. وما يطرح الآن من أجندات ضد الإسلام هي المؤامرة بعينها. 
 
سعود: الغرب اسم جامع لكيانات متعددة. فصربيا وروسيا وأمريكا من الغرب لكن لكل دولة خصوصيتها. ويجب التعامل معها على هذا الأساس. نحن نختلف معهم منذ آدم والاختلاف في أسس الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، والدنيا والمآلات.. حتى تبرر المسيحية اختلاف كتابها بين الأورثوذكس، والكاثوليك، والبروتستانت بسوء نية ادّعت أن القرآن الكريم أيضاً له عدة نسخ متغايرة، بينما القرآن يُقرأ بـ 7 قراءات (لهجات)، والفرق بينها مفردات بنفس المعنى.
 
** ما هي أبرز تحديات الأمة الإسلامية الحالية؟ وكيف يمكن مواجهتها؟
 
سعود: أبرز التحديات تدخّل الآخرين في ماهية الإسلام فكل ما يحيط بنا من الأحداث السياسية، والعسكرية، والإعلامية هي إعادة صياغة الإسلام. فالجنرال الأمريكي "ويزلي كلارك" صاحب الاستراتيجية بعيدة المدى للقوة الضاربة الأمريكية في العالم، يقول في محاضرة له بجامعة أوكلاهوما: "من ظنّ أننا خرجنا للعراق، وأفغانستان انتقاماً لأحداث 11 سبتمبر فليصحح خطأه، نحن خرجنا لقضية اسمها الإسلام.. نحن لا نريد لهذا المشروع أن يبقى حراً يحدد فيه المسلمون ما هو الإسلام؛ نحن نحدد لهم ما هو الإسلام". وهذا ما نراه اليوم يحصل في منطقتنا. وتلك كانت إرهاصات، واليوم تطبيق على الواقع، وأدواتهم الكبرى والعظمى هي من الدول الإسلامية ذاتها، والجماعات الإسلامية المنحرفة هي من أدواتهم، والفتن التي تحصل اليوم هي لِهزّ استقرار الدول الإسلامية في الشرق، والغرب، هي جزء من هذا المشروع. واليوم بعضنا قد يراها ببراءة لكنها إرهاصات خارجية، وهم يخبروننا بأنهم قادمون، واليوم هناك طفرة مدخرات مالية في منطقة الخليج، وعند قطبين رئيسيين هما السعودية والإمارات، ويجب افتعال الأزمات لكي تُستنزف عوض أن تسُخّر للنهوض الحضاري، والصناعي، والإنمائي المتأمل. وظيفة الأعداء الكبرى، والعظمى التضييق على الإسلام في منطقتنا، وإلا سيفشل مشروعهم.
 
** يتردد أن هناك عدداً من السفراء الأجانب في السعودية أسلموا على يديكما.
 
نايف: نعم أسلم بعض من السفراء والباحثين والأكاديميين نذكر منهم سفير سويسرا، وألمانيا، وسفيري إيطاليا، والدكتور "كيري" الذي يعد بمثابة البابا لدى "الإنجليكان"، وأراد أن يُدفن في مقابر المسلمين فاتهموه بالخرف. صدق الله -عز وجل- القائل: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـكِنَّ اللَّـهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}. وصدق رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ قال: "كلٌّ يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه". 
 
 
** قلتما عن الرئيس الفنزويلي السابق هوجو شافيز بعد وفاته "يرحمه الله" ومن المعروف عن الرحمة أنها لا تجوز إلا على مسلم.. فهل أسلم؟
 
نايف وسعود: نحسبه كذلك والله حسيبه. وقد كان هذا قبل أن يصبح رئيساً لفنزويلا عندما كان ضابطاً، إذ تعارفنا في أمريكا عندما كنا هناك للدراسة، وكان هو مبتعثاً لدورة هناك. ووجدناه ذا ذهن وقّاد، وحماسة فيما يعتقده من آراء.. وكانت بيننا نقاشات فكرية عميقة عن الرأسمالية، والاشتراكية، ونظرة الإسلام للاقتصاد والمال، وغيرها من القيم، واقتنع بما نقول.
 
 
** لكما نظرية سياسية، تقول: "أمريكا تعتبر السعودية الحليف التكتيكي في المنطقة، وهي في نفس الوقت العدو الاستراتيجي، وتُعتبر إيران العدو التكتيكي في المنطقة، والحليف الاستراتيجي".. هلا وضحتما أكثر؟
 
نايف: الاحتكاك بالمعارف، والتجارب، والتفكر بها يتأتى عنها تكثيف استنتاجات يصيغها الذهن على شكل نظريات، إحداها نظرية المرآتين، تحدثت بها منذ 25 سنة، وفكرتها أن هناك مرآتين مقعرة، ومحدبة مسلطتان على الأمة الإسلامية، ومن خصائص مرآة التحديب "التقزيم"، ومن خصائص مرآة التقعير "العملقة".. ونحن نرى أنفسنا بالمحدبة فنرى أنفسنا أقزاماً، ونرى أعداءنا بالمقعّرة فنراهم عمالقة. ولن تقوم قائمة لهذه الأمة إلا بكسر هاتين المرآتين. وهناك نظرية أخرى فكرتها أن الإسلام في ضفة، والكفر في ضفة أخرى، وبينهما جسر، وهذا الجسر يعبره إلينا خيرة ما عندهم من الصادقين الشفافين، والشجعان، أما سقط ما عندنا فيذهب اليهم، والحركة في الاتجاهين ليست متوازنة فهناك مليون شخص قادمون إلينا من الكفر للإيمان، ومنا أعداد قليلة تذهب لهم. وأما سؤالك حول نظريتي السياسية ففكرتها أن أمريكا تعتبر السعودية الحليف التكتيكي في المنطقة، وهي في نفس الوقت العدو الاستراتيجي، وتعتبر إيران العدو التكتيكي في المنطقة، ولكنها في نفس الوقت الحليف الاستراتيجي؛ وذلك لأن الدولة السعودية قامت على الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وهذه من المحاذير الكبرى في الغرب، وأما إسلام إيران فهو يتطابق مع أهوائهم، وهو الحليف في المنطقة منذ الحقبة الصفوية، والتاريخ له محاور ثابتة يتمحور حولها. هذا أيضاً قلته منذ ما يقارب 20 سنة، ولمسؤولين كبار في السعودية رغم أن شواهدها لم تعرف إلا منذ فترة. إذ إن بعدها الاستراتيجي كامن لا نراه، في حين أن بعده التكتيكي تغطيه المصالح المشتركة بين السعودية وأمريكا. وعندما تتعارض المصالح التكتيكية مع المصالح الاستراتيجية عندها يغلّب الخيار الاستراتيجي. والحوثيون على سبيل المثال كانوا يرددون شعارات: "الموت لأمريكا والموت لإسرائيل". وعندما دخلوا صنعاء أول ما قاموا به هو حماية السفارة الأمريكية. وعندما سئل السفير الأمريكي في اليمن عن ذلك، ضحك قائلاً: "لا أظن أنهم يعنون ما يقولون". إذ الحقيقة هي عكس ذلك. كما أنه لا يخفى على أحد دور إيران في تمكين أمريكا من احتلال أفغانستان والعراق ومتخذي القرار في الخليج يعتقدون أن دول الخليج العربي حلفاء استراتيجيون وحيدون لأمريكا في المنطقة، لكن هذه الأمور تبيّن عكسها أثناء المحادثات الذرية بين الغرب وإيران قبل سنة ونصف.. حين ذهب الغرب وعلى رأسه أمريكا يهرول لإيران، وتركوا دول الخليج العربي كلها كما يقول المثل الشعبي: "خلوهم على المراح". وأمريكا اعترفت بما قالته إيران: "لولانا لما دخل الأمريكان العراق وأفغانستان". وهذا دليل التحالف بينهم. ولأول مرة يعترف قائد عسكري أمريكي بأن السنة أغلبية في العراق هو بعد الأحداث الأخيرة فيه. بينما كل الأدبيات السابقة للأمريكان يتكلمون عن الأقلية السنية، والأغلبية الشيعية في العراق، والإحصائيات الرسمية تثبت أن الشيعة 36% فقط، بينما السنّة العرب 45% والسنّة الكرد 15% والباقي أقليات من المسيحية، والصابئة،، واليزيدية وغيرهم. وهذا يثبت أن الغرب يكيل بمكيالين في تعاملاته مع المسلمين كما في البوسنة والهرسك عندما قسموها انتقائياً تقسيماً عرقياً، ودينياً في آن واحد. فكان يجب أن يقال عن التقسيم مسلم، كاثوليكي، أورثوذكسي، أو يقال بوسني، كرواتي، صربي. لكن يُخلط بينها فيقولون صربي، كرواتي، مسلم، ليوهموا أن الإسلام دخيل على البوسنة وليس أصيلاً. وقد كتبنا خطاباً إلى سكرتير الأمم المتحدة بهذا الشأن. لكنهم أعادوا نفس الحيلة في العراق فقالوا سني، شيعي، كردي، ليوهموا أن العرب السنة هم أقلية، بينما الصواب كان يجب أن يقولوا سنة وشيعة أو عرب وكرد.
 
 
** ذكرتما أن هناك 3 أنواع من الدول في الشرق الأوسط: الاستراتيجية والتكتيكية، ودول ردة الفعل.. هل وضحتما بشكل أكثر؟
 
نايف وسعود: هناك 3 أنواع من الدول في الشرق الأوسط. أولاً دولة استراتيجية هي إيران وهي أخطرها، التي لها خطط واضحة ومحددة لبناء الدولة منذ أن عاد "الخميني" كانت من أول أهدافها محو الدولة الإمبراطورية "العميقة"، والقضاء على الجيش الإيراني وجنرالاته، وعلى المباحث الإيرانية المسماة "السافاك" التي كانت تعدّ من أعنف مباحث في الشرق الأوسط والعالم، وكان لديه خطة خمسينية واضحة المعالم والأدوات -الهيمنة الشيعية في المنطقة- وثانياً هناك دول تكتيكية أبرزها "إسرائيل" التي لا تعدّ دولة استراتيجية بل دولة "عابرة" ومؤقتة، وهم يعلمون ذلك جيداً، لكن العرب أوهموا أنها باقية، دليلنا أن في العام الماضي السي آي إيه كلفت جامعات بدراستين: الأولى كيف تستطيع أمريكا استيعاب خمسة ملايين يهودي دفعة واحدة، والثانية كيف يكون الشرق الأوسط بعد زوال "إسرائيل". عقلاء "إسرائيل" ومثقفوها يعيشون أسوأ عهودهم في حين أن الساسة والعسكريين يحيون أزهى عهودهم. وثالثاً هناك دول ردة فعل، وهي بقية بلدان الشرق الأوسط. التي تتعامل مع الأزمات بعد حدوثها. وفي هذا الشأن دعني أوضح أن الأمة العربية لها 3 أجزاء رئيسية (جسد، وجناحان).الجسد مكون من شبه الجزيرة العربية التي هي الرحم الدافق للأمة وقلبها، وموقعها الاستراتيجي الواصل بين إفريقيا وآسيا، وأما جناحاها فهما مصر وسوريا الكبرى (الشام والعراق).
 
 
 
** ما هي أبرز التحديات التي تواجه المجتمع السعودي حالياً؟
 
نايف: البنيان الداخلي يجب أن يكون قوياً. ويجب أن نعرف من نحن وماذا نريد، ونعمل على تأصيل معرفة الذات، ومعرفة الآخرين على حقيقتهم وكشف أجنداتهم الخفية. فأهم التحديات التي تواجه المجتمع السعودي أننا لن تقوم لنا نهضة ما دمنا نستهلك ما لا ننتج. 
 
سعود: مناقشة المجتمع لقيادة المرأة للسيارة إهانة للفكر السعودي، وإشغالنا بقضايا جانبية وتسطيحاً لقضايانا المصيرية. بينما لدينا مشاكل أساسية في تحديد معالم الذات. وهناك طرح للإسلام بقوالب لا يعلم بها إلا الله.. تجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، وتهمش المجتمع. والدولة السعودية هي أول محاولة حديثة لتطبيق الإسلام في المجتمع سياسياً، واقتصادياً.. وهذا مشروع الدولة السعودية، وهي أسمى من أن تكون كياناً سياسياً بل مشروع حضاري ذو رسالة. ومع الأسف الإسلام حالياً يهد بمعاول المسلمين، ومحورنا للعشرين سنة القادمة إعادة أولويات المجتمع، والكيان على الأسس الثابتة أما المتغيرات، ومن واكبها فليذهب معها. ومن الثوابت الأساسية أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.. أي أن العدل، والإنصاف، والصدق، والشفافية أكبر مناعة للإسلام وللسلطان من الأجندات الخفية. وهذه أكبر، وأهم أهدافنا أن نحيا هذه المسؤولية.
 
** ما دور الفئة المثقفة في المجتمع؟
 
نايف وسعود: بعض مثقفينا هم إمعات مستغربون، درسوا هناك، وتم برمجتهم وفق تفكير معين.. لهذا ليس لدينا إبداع منذ الخمسينيات الميلادية في بلادنا. للصحافة الصفراء المسلطة على الأمة دور في تسطيحها كما أن للصحافة الهادفة مسؤولية توصيل معالم مشروعنا الحضاري الإسلامي.
 
 
** اسمحا لي أن أقول إنه من السهل عليكما التنظير، وأنتما تعيشان في رفاهية، وتحددان ما يجب أن يفعل وما لا يجب.. لكن لو كنتما صاحبي قرار، وتتحملان المسؤولية لاختلفت وجهات نظركما بسبب حجم التحديات؟ 
 
سعود: لدي مثالان سريعان سيفتحان أعيننا على ما يجري حالياً، نحن أكبر منتج بترول في العالم، ومن أكبر مستهلكي البترول، كذلك نحن أيضاً من أكبر مستهلكي الكهرباء في العالم بمقدار ما تستهلك الصين بمرة ونصف.. ونحن لو أردنا لكُنا أكبر دولة في العالم في إنتاج الطاقة الشمسية فلدينا 350 يوماً مشرقاً في السنة. ومن عيوبنا الاقتصادية أننا لا نكرر من البترول إلا 40% فقط، والباقي نشتريه من الأسواق العالمية، وهل تحتاج أن تكون عبقرياً لكي تفهم الهدر الاقتصادي؟ والسؤال: رغم تجربتنا الطويلة التي تجاوزت 70 عاماً في إنتاج البترول، لماذا لا نزال نستورد مشتقات البترول المكررة؟ لو استطعنا أن نكرر بترولنا لسيطرنا على العالم في هذا الجانب، ولما وجدت لدينا البطالة، ولأصبح راتب العامل السعودي 20 ألف ريال وأكثر. ولكن من الإسراف أن نستنزف البترول بهذه المعدلات. وأذكر أننا اقترحنا على الملك فهد -رحمه الله- بألا نبيع البترول بالدولار، بل بسلة عملات صعبة فنتمكن بذلك من التخطيط الاقتصادي بعيد المدى. 
 
** السؤال للأمير نايف: هل بالإمكان معرفة سبب إغلاق بنكك في سويسرا؟ وكم خسرت بسبب الإغلاق؟
 
نايف: أغلق البنك بسبب تهمة تمويل الإرهاب، ولكن ولله الحمد ثبتت كيدية الاتهامات وشطبت التهمة كليا بعد خراب البصرة؛ إذ إن الخسارة بسبب ذلك أكثر من ملياري دولار بشكل مباشر، وقد أعيدت لنا رخصة البنك من جديد. 

 
** السؤال للأمير نايف: رغم ثرائك.. لماذا اتهمت بتهريب الممنوعات من كولومبيا إلى فرنسا؟
 
سعود: دعني أجيبك أنا: لأنهم يرونه يشكل خطراً على أمنهم القومي، وبسبب اعتقادهم أنه يموّل الإرهاب في الغرب، وهذه التهمة غالباً ما تكون جاهزة لكل من يرفض التعاون معهم، وهاجسهم الربط بين الإرهاب والجريمة المنظمة، وكلها اتهامات باطلة لم تصمد أمام التحقيقات فأسقطت جملةً وتفصيلاً.
 
** السؤال للأمير سعود: أين أنتم من المناقشات الثقافية داخل السعودية مع مختلف التوجهات والتيارات الفكرية؟
 
نايف وسعود: الإنسان يتحرك بالحيز المتاح، فالليبراليون والعلمانيون في عالمنا الإسلامي لم يحيطوا بجوهر المعين الفكري الغربي، وغابت عنهم كونية الفكر الإسلامي فأضحوا معاول هدم لصرح حضارتنا، وتاريخنا ومستقبل أجيالنا. ويمكن القول إن من لدينا هم لا دينيون، حيث إن الترجمة الدقيقة من الفرنسية لكلمة "لاييك" هي لا ديني بينما اختير كلمة علماني بالفرنسية "سينتيفيك" هذا يثبت أن المصطلح مقحم. فهم واحد من ثلاث إما مغرر به أو تابع هوى أو طابور خامس من خفافيش السفارات.
 
** ما هي أبرز أهداف الليبراليين والعلمانيين والملحدين في المنطقة؟
 
نايف وسعود: محاولة البعض تبرير هواهم بإنكار ما يُعلم من الدين بالضرورة ينقلهم من الفسق إلى الكفر، وهذا كمن يستجير من الرمضاء بالنار. نقسم الإلحاد إلى إلحادين العقدي والعملي. ومِن هؤلاء مَن يريد الشهرة، التي يوفرها الغرب له، والمال.
 
 
** هل فعلاً أن المستشرق الذي لم يسلم لم يفهم الإسلام جيداً كما تقولان؟
 
نايف وسعود: نعم المستشرق الذي لم يُسلم لم يفهم الإسلام ولا العروبة بشكل صحيح ودقيق؛ لأن الإسلام والعروبة كالروح والجسد؛ فهما صنوان لا يفترقان.
 
** ما هي موانع انتشار الإسلام في العالم؟
 
نايف وسعود: أكبر معوق لانتشار الإسلام هو جهل بعض المسلمين بإسلامهم!! ولو كان المسلمون على قدر عظمة الإسلام لأسلم كل باحث عن الحقيقة.
 
** هل هناك مشكلة للإسلام مع الآخرين؟ 
 
نايف وسعود: الإسلام تقبّل ما سبقه من أهل الكتاب بينما لم يتقبل اليهود ولا النصارى الإسلام، والحروب الصليبية هي الشاهد، فليس للإسلام تصادم مع الآخر بل الآخر لديه ثأر معنا، وهم يسقطون أزماتهم علينا، وهم: المدعي، والقاضي، والخصم، والجلاد.
 
 
** أنتم وارثا اسم عريق، وتربطكما صلة "نسب" ورحم بالأسرة المالكة، فلماذا اخترتما المجابهة مع الغرب؟ 
 
نايف: الإسلام دين الدليل، والعلم ومعرفتنا للغرب حضارة وفكراً، وديننا أعطانا أدوات التمييز والمقارنة، فمن الصعب أن يرضى بالظلمة من استنار بالضوء، وأن يرضى بالذل من عاش حراً، وهذا كله يكون وعياً يولد صبر المقاوم، ونفس الحر الأبي، وهذه الحالة باختصار هي إفاقة ضمير فيفسرها الآخر على أنها مجابهة. لا شأن للأصل أو القربى بهذا فالموضع موضع تكليف لا تشريف.  
 
سعود: دعني أشرح لك ذلك من خلال موقف حصل لنا من أحد الأثرياء العرب الذي أراد الدخول في شراكة تجارية معنا مجزية، وعند حضوره للرياض لتوقيع العقد. وكنا سمعنا أخبار صحفية عن خسارته مبلغاً كبيراً في ليلة واحدة في أحد كازينوهات "مونتي كارلو"، وقد أحسنا الظن به، وأنه مستهدف كغيره. وفي مكتبنا، وقبل التوقيع على العقد سألناه عن صحة أخبار خسائره الكبيرة، معتقدين أنه سينفيها. وإذا به يتفاخر ويؤكد الخبر فعند سماعنا لذلك رفضنا توقيع العقد وأعتذرنا بأدب. فالعقائد والأخلاق وإن كانت تُعتبر عوائق في هذه الدنيا فهي المنجية يوم لا ينفع مال ولا بنون. 
 
** ما هي أبرز مواقفكما مع الملك فهد والأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمها الله- وخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله؟
 
نايف وسعود: للملك فهد -رحمه الله- مواقف كثيرة من أهمها وأقربها لقلبنا ثقته بعلمنا وصدقنا. قبل احتلال الكويت بـ 5 أعوام تقدمنا بدراسة، توقعنا فيها احتمال دخول صدام للكويت بعد انتهائه من حربه مع إيران، وتوقعنا أنه سيخرج من حربه لا غالب ولا مغلوب، ودون إنجاز كبير، وهذا سيسبب له امتعاضاً هائلاً بين شعبه، فكان الهدف الأسهل هو احتلال الكويت. وطرحنا في دراستنا كيف يمكن إجهاض هذه الفكرة قبل حدوثها بخطة خمسية. فحولت إلى "لجنة الخبراء"، وكان رد اللجنة أن الدراسة دقيقة ولكن هل يُعقل ونحن في القرن العشرين أن تبتلع دولة عربية دولة جارة لها، ووضعوا علامة تعجب واستفهام. وقلت للأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمه الله- أن هذه اللجنة لجنة "غبراء" وليس خبراء. وبعد 5 سنوات عندما احتل "صدام" الكويت قال لنا الأمير سلطان: "تذكران الدراسة اللي قدمتموها من 5 سنوات.. الحين حصل بالضبط الذي ذكرتماه.. أنا أشهد أنهم غبراء أنا أشهد أنهم غبراء". وكذلك في الحرب بين اليمن الجنوبي، واليمن الشمالي كان الأمريكان يوهموننا بأنهم مع الجنوبيين، وهم مع الشماليين أي مع الوحدة، وقد كان هذا رأينا منذ البداية، وقد كان مغايراً للرأي السائد في أروقة القرار. أما مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله هناك الكثير من المواقف، وهي غير قابلة للنشر، فالملك منذ نشأتنا ونحن أطفال نراه ونعتبره والداً لنا؛ لأن والدنا توفّي، وعمرنا سنة ونصف. 
 
 
** ما أكثر ما يخيفكما؟
 
نايف: حمّلت جواب سؤالك هذا لأخي سعود ليقوله لرئيس الاستخبارات الفرنسية عند لقائه به أثناء اتهامي الباطل بتمويل الإرهاب. عندما قال له أخي سعود: "نحن أقوياء لأننا أصحاب حق.. وخوفان في قلب رجل واحد لا يجتمعان، وحبّان في قلب رجل واحد لا يجتمعان، وأخي نايف أحب الله عز وجل فأغناه ذلك عن حب سواه، وخاف الله فحصّنه ذلك من الخوف ممن سواه". 
 
سعود: نعم هذه قناعة وليست غروراً.. ومن يخاف الله يتحرر صاحبه من كل خوف بعده.
 
 
** ما أبرز ما أثّر بشخصيتيكما؟
 
نايف وسعود: اليتم، والغربة في مدارس داخلية فرنسية، في سويسرا، ولبنان، وأمريكا منذ أواخر الستينيات، وحتى منتصف الثمانينيات الميلادية، ونحن نعيش في الغرب، وهذا حصننا وشد مئزرنا. 
 
** ما طموحكما الشخصي؟
 
نايف وسعود: أن نخرج من هذه الدنيا لا لنا ولا علينا، كما قالها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
 
 
** ما أول قرار تتخذانه لو كنتما صاحبي قرار اقتصادي؟
 
سعود: أول قرار ألا نبيع البترول الخام إلا مكرراً أو مصنّعاً.
 
نايف: إيجاد العملة الخليجية الموحدة، وجعلها من العملات الصعبة بإيجاد الطلب عليها ببيع البترول ومشتقاته بهذه العملة.
 
** ما القرار الذي ندمتما عليه في حياتكما؟
 
نايف: ما شاء الله أن أتخذ قراراً، وأندم عليه أبداً، فالقرار الذي أتخذه أشبعه دراسة وتمحيصاً، ثم أستخير الله وأتوكل عليه.
 
سعود: المجاملات العائلية فيما يتعلق بالمبادئ التي أعتقدها لم تجعلني أعبّر عنها بالوضوح المطلوب بعض الأحيان.
 
** هل أنتما راضيان عن نفسيكما؟
 
نايف وسعود: من رضي عن نفسه هلك.
 
 
** كلمة أخيرة تختمان بها اللقاء..
 
نايف وسعود: نودّ أن ننبه أن غيوماً مدلهمّة قادمة إلى المنطقة، وقد نبّهنا إليها منذ أكثر من 10 سنوات، ونراها اليوم تتجسد، ويجب أن نكون على مستوى التحدي، وعلى وسائل الإعلام أن تتحرى الصدق، وأن تهيئ الرأي العام للمراحل القادمة لنحصن المجتمع والكيان. فالآخر يكيد لنا، من صنوف التمزق، والتفرق، والفتن، والتجزئة، وأصبحت أجندته واضحة ولا نستغرب ذلك، لكن من المهم إعادة المعايير، والتوازن، وقياس كل شيء بميزان دقيق وصحيح.
 
 

 

 

اعلان
"نايف وسعود الشعلان": "خفافيش السفارات" تستبيحنا .. وهذه أسباب تهمة تهريب المخدرات!
سبق
· مناقشة المجتمع قيادة المرأة للسيارة إهانة للفكر السعودي ولن تقوم لنا نهضة ما دمنا نستهلك.
· الليبراليون والعلمانيون مغرّرٌ بهم وتابعو هوى وطابور خامس من "خفافيش" السفارات.
· لو كرّرنا بترولنا لسيطرنا على العالم وقضينا على البطالة وتقاضى المواطن 20 ألفاً.
· أمريكا تستعد لاستيعاب 5 ملايين يهودي بعد زوال إسرائيل .. "المتطرفون" يُشعلون الفتن.
· عرضنا على أصحاب القرار دراسةً توقّعنا فيها غزو الكويت قبل وقوعه بـ 5 أعوام.
· بعض مثقفينا إمّعات للغرب والصحافة  الصفراء مُسلطة علينا منذ الخمسينيات.
· فطنة الملك فهد مكّنته من سبر أهمية الفكر .. والأمير سلطان وافقنا أنها لجنة "غبراء".
· الحوثيين يردّدون "الموت لأمريكا وإسرائيل" وعندما دخلوا صنعاء حموا واشنطن.
· ناقشنا "شافيز" عندما كان مُبتعثاً عن الإسلام والنصرانية والرأسمالية والاشتراكية فأصبح صديقاً.
· أسلم بعض السفراء على أيدينا .. وهذه قصة "كيري" الذي أوصى بدفنه بمقابر المسلمين فاتهموه بالخرف.
· أمريكا تعد السعودية حليفها التكتيكي وعدوها الإستراتيجي وإيران العكس.
- الجنرال الأمريكي "ويزلي كلارك" صاحب الاستراتيجية بعيدة المدى يقول : "من ظنّ أننا خرجنا للعراق، وأفغانستان انتقاماً لأحداث 11 سبتمبر فليصحح خطأه، نحن خرجنا لقضية اسمها الإسلام. 
- هناك مرآتين مقعرة ومحدبة مسلطتان على الأمة الإسلامية ومن خصائص مرآة التحديب "التقزيم" ومن خصائص مرآة التقعير "العملقة". 


 
 
حوار/ شقران الرشيدي- سبق- الرياض (تصوير: فايز الزيادي، عبدالمجيد العازمي): يقول الأخوان "التوأمان" الأميران نايف وسعود فواز الشعلان أن الإسلام دين مستهدف من الغرب في قيمه، وأهدافه، وثوابته، وفي مجتمعاته. مؤكدين في حوارهما مع "سبق" أن منطقتنا تحيط بها المخاطر، وأن هناك أجندات سياسية خفية لإعادة صياغة الإسلام، وتفريغه وتجزئته، وإثارة الفتن في منطقتنا صُرف عليها المليارات من الدولارات. محذرين السعودية والإمارات مما يخطط لها الآخرون. ومن مشروع غربي يستهدفهما. موضحين رؤيتهما في تسامح الغرب، والتعايش مع النصارى، وأسباب دراستهما منذ الصغر في مدارس "غربية" في سويسرا، وفرنسا، ولبنان، وأمريكا.. ولماذا لُقبا بالأخوين "الدمويين" من نصارى لبنان. كما تحدثا عن مواقفهما مع الملك فهد والأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمهما الله- ومع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله -حفظه الله- والرئيس الفنزويلي السابق وتقبله للإسلام، كما يتطرقان لنظرياتهما السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وإسلام عدد من السفراء على أيديهما، وأسباب عدم مناقشتهما للتيارات الفكرية داخل السعودية، وشرحا تصنيفهما الخاص بدول الشرق الأوسط الاستراتيجية والتكتيكية، ودول ردة الفعل، وإيقافهما التعاقد بالملايين مع ثري عربي اكتشفا أنه مقامر في كازينوهات "مونتي كارلو".. وتتقدم "سبق" بالشكر الجزيل للأستاذ محمد الراشد على جهوده في ترتيب الحوار؛ فإلى التفاصيل..
 
** تتنوّع شخصيتاكما في اهتماماتها الثقافية، والفكرية، والاقتصادية، والرياضية.. هذا التنوع والثراء في التجارب كيف يكون؟
 
نايف: هناك نظريتان في علم الاجتماع أو مدرستان كبيرتان إحداهما البنيوية من الإنسان ذاته "الجينات"، ومدرسة أخرى اسمها السببية "البيئية أو الظرفية"، والإنسان هو مزيج من كلا المدرستين. والعامل "الجيني" يختص بمدى الاستيعاب، والفهم، والميول... إلخ. أما الحصيلة العلمية والفكرية فهي من العامل السببي أو البيئي. ويمكن تشبيه الأمر بصقل الأحجار الكريمة التي هي عملية ميكانيكية، وعملية "أدواتية ظرفية"؛ فعلى سبيل المثال حجر الكوارتز، وحجر الألماس كلاهما متشابهان، لكن إذا أعطيتهما ليد ماهرة في الصقل، واستخدمت ذات التقنية.. ثم عرضتها في السوق للبيع؛ فالألماس يساوي مليون دولار والكوارتز لن يزيد على 10 دولارات. والسبب الحقيقي هو خامتها.
 
سعود: أود أن أضيف على حديث أخي نايف أن هذا الموضوع فيه خصوصية بين الشمولية، والتفصيل، وهما عالمان مختلفان تماماً، ونادراً ما يجتمعان. وأخي نايف يضرب مثلاً دائماً بآلتَي الـ"ميكروسكوب" و"التليسكوب"، وهذه حقيقة.. فنادراً ما ترى آلة "الميكروسكوب" الأشياء البعيدة بشموليتها واتساعها وبعدها كـ"التلسكوب"، لكنها ترى التفاصيل الدقيقة، ومكوناتها.. وهذا يسمى الإنصاف والرسوخ.. وفيما يتعلق باهتماماتنا المتعددة أعتقد أن الجزء الجيني له دور.
 
 
** منذ الصغر وبسبب ظروف عائلية درستما معاً خارج السعودية في مدارس "غربية" في سويسرا وفرنسا ولبنان، وفي أمريكا أثناء الدراسات العليا.. ماذا تركت هذه التنقلات العديدة في ذاتكما من ذكريات؟ 
 
نايف: بالفعل درسنا في مدارس خارجية بدايتها في مدارس سويسرية، ثم أكملناها في مدارس فرنسية. وأذكر في دراستنا بلبنان أن الطلاب كانوا يرفضون الجلوس معنا على ذات المقاعد؛ لأن أغلبهم من النصارى المتعصبين، ونظرتهم النمطية للإسلام "دونية"، ويمكن أن نقول إنها عنصرية. وقد فرّقونا أنا وأخي "سعود" في شعبتين دراسيتين مختلفتين حتى لا نكون في ذات الصف. وكانت مقاعد الدراسة يجلس عليها طالبان، والطلاب النصاري يرفضون، ويقولون للمدرسين: "لا أريد أن أجلس بجانب المسلم"، فاستعملنا اللين في بادئ الأمر فلم يُجدِ، فاضطررنا للعنف فكسبنا بذلك احترامهم.
 
سعود: نعم.. شاءت الظروف أن ندرس في خارج السعودية في سويسرا وفرنسا وبعدها في لبنان لأسباب عائلية. ولأننا بدأنا الدراسة بمناهج دراسية بلغات مختلفة، فكان من الصعب تغييرها والعودة للسعودية؛ حتى لا نخسر سنين دراسية. لكن من فضل الله -عز وجل- أننا وفّرنا سنتين مهمتين من دراستنا قبل أن ندرس المرحلة الجامعية في أمريكا، ويمكن القول إننا كنا غرباء في أغلب حياتنا، وهذا مما جعلنا ننظر إلى ثوابتنا، وديننا، وفطرتنا أكثر من غيرنا؛ لأننا نراها كمن يرى من اختار الإسلام عن قناعة ليس كمن ورثه.
 
 
** في ذلك الوقت.. كيف تم تقبّل طالبين مسلمين في مدارس "كاثوليكية"؟ هل كان هناك نوع من التصادم مع الطلبة الآخرين من ديانات أخرى؟
 
نايف: أتينا من بيئة تحترم الآخر، وغير صدامية. لكن فرضت علينا الظروف أن ننتزع حقنا بأيدينا لندافع عن ديننا وهويّتنا.
 
سعود: نعم.. كان هناك مواجهات مع العديد من الطلاب، وتقبّلناها بتحدٍّ وإصرار، وهذا الجانب الجيني فينا حيث تحوّل الأمر إلى شراسة، واستيعاب للصدمة، وكنا أمام خيارين إما أن نذوب أو نتبلور، وخلفيتنا الإسلامية، والاجتماعية رحّبت بالتحدي.. والله أعلم لماذا؟ ويمكن القول إن هذا التحدي هو أجمل شيء في حياتنا؛ لأنه فجّر فينا طاقات، ومكنونات، وشعوراً بالمسؤولية. وأن هذه الأمة الإسلامية هدف للآخرين دون أن يكون لها ذنب. ودليل على أن العالم الغربي قبل الأحداث الكبرى أو ما يسميها أخي نايف "الإسلاموفوبيا" بعد أحداث 11 سبتمبر. فالعالم الغربي عنده عداء للإسلام من طرف واحد. 
 
** في رأيكما.. لماذا هذا العداء للأمة الإسلامية؟
 
نايف: الإسلام تقبّل ما سبقه من أهل الكتاب، بينما لم يتقبل اليهود، ولا النصارى الإسلام، والحروب الصليبية هي الشاهد التاريخي على ذلك، والتآمر اليوم هو امتداد لهذا الفكر الإقصائي الغربي.
 
سعود: هذا يعيدنا إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أن "ملة الكفر واحدة". ونحن لا نستحيي أن نقول هذه الكلمة بإنصافها.
 
** هل هو ناتج عن سوء فهم لسماحة الإسلام أم انطباعات إعلامية وثقافية سلبية سابقة.. لماذا الاستهداف للإسلام من طرف واحد؟
 
نايف: هذه هي النظرة الغربية نحو الآخر. والإعلام الغربي يعتبر أداة نشأت من 150 عاماً. أما قبل ذلك لم يكن هناك إعلام مؤثر بالمعنى الحديث للكلمة. لكن الحروب القديمة، وعداءهم التاريخي لهذه الأمة، والحروب بين الإسلام وبيزنطة قبلها ولّدت هذا العداء والاستهداف، فالمسألة في رأيي هي مبدئية. والله عز وجل قال: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}. وقال "الدين" أي بـ"أل" التعريف، وكل الأنبياء منذ سيدنا آدم عليه السلام حتى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نادوا بدين واحد هو الإسلام أي التوحيد الخالص، وهذا الأمر لا يوافق أهواء أصحاب المصالح الخاصة. فمثلاً عندما أرسل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم رسائله إلى ملوك الأرض. وصلت رسالته إلى هرقل ملك بيزنطة "الروم" وهو يعلم أن الإسلام هو الحق، ويعرف ما قاله القرآن الكريم عن المسيح، لكن هرقل سأل رسول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قائلاً له: "قل لنبيك أين أرى ملكي وقوتي في هذا الدين؟ إن أراني إياه دخلت، وأدخلت روما كلها في الإسلام". فقال له رسول الرسول: "ليس لملكك مكان في هذا الدين فالدين كله لله". فردّ عليه هرقل: "إذن قل لمحمد إنني سأحاربه حتى آخر رجل عندي". ومن هذا نفهم أن المسألة هي صراع مستمر بين توجيهات إلهية، وبين مصالح بشرية تستغل الناس لمصالحهم الخاصة. 
 
 
 
** لكننا نرى تسامحاً من المجتمعات الغربية في تعاطيها مع الإسلام والمسلمين.. وهناك مسلمون ومبتعثون يعيشون فيها بارتياح، ولا يتعرضون للمضايقات. 
 
سعود: لا أوافقك على هذا الطرح لأسباب منهجية.
 
**.. والسبب؟
 
سعود: ليس من يعيش على السطح كمن يغوص في الأعماق. الحضارات المختلفة لها قشرة ولها لبّ. وهناك فرق بين المدنية والحضارة.. ومن يأتي على عجالة يتأثر بالقشور المدنية كالعمران المتطور، ونمط الحياة، والتسهيلات المعيشية، والتعامل مع الظواهر بسطحياتها؛ فيتعامل بجزئية ويحكم على الكل من الجزء وهذا خطأ منهجي، وخطير، واعتبره "فيروس" يؤتى به إلى مجتمعاتنا.. وأغلب الناس يتعامل مع الظواهر الشكلية للغرب. أما التسامح عند الغرب فهو يعني تسهيل السيطرة وعدم المقاومة.. فما دمت مسيطَر عليك فيعتبرونك متسامحاً.. وما دمت تخدم مشروعهم فيصنفونك أيضاً متسامحاً. ما دمت لا تعترض عليهم فأنت متسامح، وعلى سبيل المثال فرنسا في غزوها لشمال إفريقيا، وتحديداً في الجزائر كانت تراها جزءاً لا يتجزأ من الأرض الفرنسية حتى إنها كانت تسميها "أوتر مير" وتعني فرنسا ما وراء البحار، وأنها امتداد للتراب الفرنسي، أما من عليها فهم طارئون لا وجود لهم. ولذا كانت لديهم قرارات أساسية في خياراتهم، بفترة تأسيس انتدابهم، وكانوا يرون أن الجزائر ليست بلاداً مستعمرة بل هي امتداد لبلدهم، بمعنى أنهم وُجدوا فيها ليبقوا، ولذلك كانت خياراتهم واضحة المعالم؛ ومنها أنهم لا ينظرون للإنسان الموجود على الأرض التي استعمروها بأن له خصوصية؛ لغة وثقافة، والأهم منها أن لديه ديناً خاصاً هو الإسلام، وهم يعرفون جيداً أن الإسلام هو المحور الحقيقي للمجتمعات العربية والإسلامية، لذا تعاملوا معها بكل بساطة في إنهاء هذا المحور.. ولذلك فقتلى الاستقلال الجزائري عن فرنسا يقال عنهم إنهم مليون شهيد وفي الحقيقة هم أكثر من ذلك. وهذا التعامل الفرنسي على سبيل المثال يعطي انطباعاً عن حقيقة تعامل الغرب، وتسامحه، ومدى إنصافهم عبر التاريخ. لذا عندما نتحدث عن عدم تسامح الغرب فنحن لا نحكم عليها من قشورها بل من الشواهد التاريخية. فاليوم في عالم الإباحية كل شيء يجوز، لذلك تفسر الإباحية بالتسامح. وهذا غير صحيح أبداً؛ فهذه الإباحية تقبلها كنيستهم تحت ظرف الأمر الواقع رغم أنها تتنافى جملة وتفصيلاً مع الدين النصراني، ومع ذلك يرونه من التسامح.
 
نايف: في موضوع تسامح الغرب دعنا ننظر له ببساطة. ونرى الغرب بطبقاته المختلفة حتى نكون منصفين. فالخالق -عز وجل- يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّـهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. والإنسان الغربي قد يكون فيه من الطيبة إلى حد ما حتى تبدأ تتكلم معه عن خصوصياته عندها ترى شخصاً آخر. ولكن عندما يريد أن يستدرجك لمكوناته فهو متسامح. وعندما تتصادم أهواؤه مع ثوابتك ترى وجهاً آخر. ولنتذكر أن أول ثورة قامت في الغرب هي الثورة الفرنسية، والتي رفعت شعارات "إخاء، مساواة، حرية". ولكن هذه المبادئ الثلاث لم تُطبق في التعامل مع الإسلام، فمثلاً على الصعيد الفردي تمنع المدرسات المسلمات الفرنسيات من لبس الحجاب بحجة العلمانية، بينما يُسمح للراهبات بلبس لباس الرهبنة، ولم يُعتبر منافياً للعلمانية، ويسمح للراهب وضع الصليب على صدره، واليهودي الأورثوذكسي قلنسوته، ولباسه الأسود، بينما يمنع المدرس المسلم الفرنسي من لبس أي لباس يرمز من قريب أو بعيد لإسلامه. وعدم منح رخص لمساجد جديدة تنناسب مع أعداد المسلمين المتزايدة ويمنعون من صلاة الجمعة في الشوارع. وعدم السماح بالمآذن، ويمنع الأذان بينما تقرع الأجراس ليل نهار والأمثلة على ذلك كثيرة. أما على الصعيد الجماعي فتيمور الشرقية جزء من إندونيسيا أرادت الاستقلال فأعطتها هيئة الأمم الاستقلال في أربعة وعشرين ساعة، وهددت الدول الكبرى إندونيسيا بالحرب فانتهت المسألة بيومين. وسلوفانيا أرادت الاستقلال عن صربيا فبدأت الأخيرة بتحريك جيوشها فهددتها عدة دول أوروبية بالحرب فانتهت المسألة بعدة أيام، وأدخلت بالوحدة الأوروبية. بينما البوسنة والهرسك دخلت حرباً طاحنة استشهد فيها مئات آلاف من المسلمين، وقسمت، وكان الخاسر الأكبر بذلك المسلمون. فلسطين ترزح تحت الاحتلال "الإسرائيلي" بسلاح، ومال وغطاء غربي ولا حياة لمن تنادي. التصفية العرقية للروهينغا المسلمين في بورما لم يتطرق لها من بعيد أو قريب وإفريقيا الوسطى. وصدق الله عز و جل إذ قال: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ}.
 
** اسمحا لي أن أختلف معكما في هذا المحور؛ لأننا نرى المساجد في مختلف مدن أوروبا وأمريكا، والمراكز الإسلامية تنشأ، والمسلمون يقيمون شعائرهم دون اعتراض كما نراهم في وسائل الإعلام العربية والغربية؟
 
نايف: دعني أوضح لك أن هناك جوهراً، وهناك غطاء أو قناع على هذا الجوهر. فعلى سبيل المثال هناك 9% من الشعب الفرنسي مسلم، وفي بلجيكا 10% من الشعب مسلم. ما رأينا في تاريخ أوروبا من يتكلم عن حقوق هذه الأقليات لديهم، ولم يُلفظ حتى في أدبياتهم الفكرية أو الفلسفية أو السياسية طرح فكرة حقوق الأقليات بينما عندنا يأتي الغربي ويقول: "ما هي حقوق الأقليات في بلادكم؟". لا يجوز أن نكون تحت حكم ديكتاتورية الأقليات. وتواجد الإسلام في أوروبا وأمريكا في مدّ وجزر عبر التاريخ، وكل ما لديهم من علوم أتتهم عبر الحضارة العربية الإسلامية من الأندلس.
 
سعود: أودّ أن أشير إلى أن تراثهم اليوم الذي يفتخرون به، وما يسمى "الغريقورومن" أو الإغريق- الروماني لم يأتهم مباشرة، بل أتاهم عبر التراجم العربية إلى اللاتينية حتى الفلسفة الإغريقية.. وهذا دليل تسامح الإسلام وفضله عليهم.
 
 
** لكن من المعروف أن الحضارات الإنسانية عبر التاريخ تستفيد مما قبلها، وتبني على علوم ومعارف ما سبقها.. وهذا التبادل المعرفي يأتي في سياقه التاريخي.. فلماذا تستغربان ذلك؟ 
 
نايف: تسامح الحضارة الإسلامية التي تعد كما ذكرت مكملة للحضارات التي سبقتها. والإسلام عندما ذهب شرقاً وغرباً لم يقضِ على الحضارات، والمجتمعات التي فتحها بل قلّم أظافرها، وهذبها، وأظهرها بمظهر إنساني يتماشى مع الإسلام؛ لكنه لم يُلغِ الآخر، بل كان مكملاً ومجملاً له، لكن الحضارة الغربية مختلفة في هذا الجانب.
 
سعود: الرجل الأبيض الأوروبي يرى نفسه مركز العالم، والكون، وله الحق تكويناً حضارياً في ذلك -كما يعتقد هو ذلك- فروما على سبيل المثال سيطرت على العالم بمسيحيتها، وبسببها قامت الحروب الدينية القديمة، وقامت الحربان العالميتان الأولى والثانية.. وعند تحليل أسباب الحروب نكتشف أن عقدة النرجسية موجودة لديهم. لذا فإن أشرس الناس في عدائهم هو الرجل الأبيض فحين ذهب لإفريقيا، والهند، وأمريكا الجنوبية قضى على الحضارات، والمجتمعات الموجودة هناك بذات النمط، ففي قارة أمريكا الشمالية أفنوا 25 مليون هندي أحمر من سكانه الأصليين، وفي كل منطقة قضوا على حضارات عظمى كانت قبلهم كالانكا، والآزتك في أمريكا الوسطى والجنوبية. 
 
 
** حسناً.. أمام هذا العداء واللاتسامح الذين ترونه ضد الإسلام والمسلمين من الغرب.. ما هي الآلية لحماية الإسلام والدفاع عنه؟
 
نايف: الآلية أن تعرف ذاتك أولاً.. وتعرف من أنت؟ ومع الأسف الإعلام "المتغرب" عندنا يحاول أن يظهر أن الإسلام كأس فارغ كلّ يملؤه بما يريد. والحقيقة أن الإسلام هو كأس مليء بمحتوى، ودلالة، ووضوح. إلهية قطعية النص، وقطعية الدلالة. وهذا ما بني عليه الإسلام عقيدة أولاً.. وبعدها تترجم العقيدة لسلوك ثم لتشريعات تمارس الحياة المدنية من خلالها.. فهذه الابعاد الثلاثة يجب أن تتكامل.
 
سعود: نعم الوعي بالذات هو أهم شيء.. واتفق مع ما ذكره أخي نايف.
 
**... وما هو دور المسلم في المجتمع والحياة بشكل عام؟
 
نايف: دورنا نراه من منظور قرآني.. فالخالق -عز وجل- قال: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً". ومهمتنا في وسطيتنا أن نكون شهداء على الإنسانية كلها، وإخراج الناس من ظلماتهم بإقامة الحجة، والدعوة. وأول من رأى الإسلام عدواً هي الكنيسة الأوروبية؛ لأن الأفكار الإسلامية حرّرت الفرد الأوروبي من سيطرة الكنيسة عليه التي كانت تزدهر ببيئة التجهيل الممنهج للفرد الأوروبي، وكذلك النظام الملكي الأوروبي كان يعيش على السيطرة الكاملة على المجتمع من خلال الكنيسة فأصبحتا أداتين مسلطتين على الفرد الأوروبي لاستعباده؛ وإلا كيف نفسر أن شعوب أوروبا لـ 1500 سنة لم تقرأ كلمة واحدة من كتابها؛ لأن الكنسية أخذت النسخة اليونانية القديمة من القرن الخامس، وترجمتها إلى اللغة اللاتينية الميتة، وأبقت عليها عن قصد لكي لا تقرأ، وتحتكر الكنيسة تفسيره دون مسألة حتى باع الفاتيكان صكوك الغفران، وأراضي في الجنة.
 
سعود: نقدنا للفكر الغربي وتأثيراته في منطقتنا ليس من باب التحامل، بل لأسباب موضوعية لمن عرف كلا العالمين، وقارن وفاضل. على جيلنا أن يقبل التحديات القائمة ويكون لها نداً. نحن نراها بمسؤوليتها التكليفية، وأن اليوم بقاءك، وجودك، وحضارتك، وقيمك، وأخلاقك، ومبادئك كلها مهددة، وعلينا أن ننهض من سباتنا.
 
** هل فعلاً هناك "أجندات" خلفها دول غربية لتشويه الإسلام، وزرع الجماعات المتطرفة لإثارة الفتن في المنطقة؟
 
نايف: في علم الاستراتيجية القاعدة الأولى، هي: "لا يهمنا ماهية الحقيقة بل المهم هو كيف تُظهر أنها الحقيقة". وذلك للتمويه. والآن هناك أجندات سياسية، واقتصادية، وحضارية تريد أن تغطي عيوباً كبرى عند الغرب، وليس لديها وسيلة إلا أن تشوّه الإسلام، وهي موجودة اليوم، ويصرف عليها مليارات من الدولارات. فلا نأخذ الأمور ببساطتها على أنها كل إناء بما فيه ينضح. فعلى سبيل المثال أمامك كأس من الحليب صافي اللون والبياض فيه نفع وشفاء للناس هو الإسلام، ويريد البعض أن يقنعوا الآخرين بأن لونه أحمر داكن، وسام ليبتعدوا عنه، وكما قال القدماء: "إن من البيان لسحر". واليوم وسائل الاتصال المختلفة، والإعلام هما السحر الأكبر في تشويه الحقائق هذا ما يعرف بساحات الحروب الافتراضية.
 
** في ظل التقدم الحضاري والعلمي الكبيرين.. كيف يمكن الاستفادة من الغرب لتطوير أنفسنا ومجتمعاتنا؟
 
نايف: يجب أن نعرف كما أننا أهداف وضحايا لهذا الغرب.. فالأفراد الغربيون ضحايا لنظام فكري، وسياسي. والغرب طبقات بعضها فوق بعض وغير متجانسة. ولمعرفته والاستفادة منه لا بد أن نرجع لجذوره قبل المسيحية. فهناك حقب فكرية، وعقدية، ومدنية مرّ بها الغرب وأثرت به. فالرأسمالية على سبيل المثال يقال لنا إنها من الغرب، والشيوعية يقال لنا إنها من الشرق؛ هكذا حاولوا إفهامنا لكنهما في الواقع كلاهما من الغرب، وهما نتاج فكر واحد رغم تضادّها. لكن الإسلام يسبق الاثنين، وفيه محاسن الرأسمالية والشيوعية دون محاذيرها، والعيوب التي تنتج عن الرأسمالية كالفردية والاحتكار الاقتصادي مُنع في الإسلام قبل 1400 سنة أي قبل الفكرتين.. فنهى الرسول محمد صلى الله عليه و سلم عن احتكار الفرد للفرد، وقال "ولا تناجشوا"، و"لا يبِع بعضكم على بيع بعض" وهي مبادئ أطّرت قبل1400 سنة أي قبل نظريتي الرأسمالية والشيوعية. والخليفة على بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال: "حدّثوا الناس على قدر عقولهم.. أتريدون أن يكذب الله ورسوله". ولذلك المسألة هي في كيف تختزل خزاناً كبيراً فيه تريليونات من المعلومات في كأس صغيرة يشربه الفرد المسلم ليستوعبه. وما يطرح الآن من أجندات ضد الإسلام هي المؤامرة بعينها. 
 
سعود: الغرب اسم جامع لكيانات متعددة. فصربيا وروسيا وأمريكا من الغرب لكن لكل دولة خصوصيتها. ويجب التعامل معها على هذا الأساس. نحن نختلف معهم منذ آدم والاختلاف في أسس الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، والدنيا والمآلات.. حتى تبرر المسيحية اختلاف كتابها بين الأورثوذكس، والكاثوليك، والبروتستانت بسوء نية ادّعت أن القرآن الكريم أيضاً له عدة نسخ متغايرة، بينما القرآن يُقرأ بـ 7 قراءات (لهجات)، والفرق بينها مفردات بنفس المعنى.
 
** ما هي أبرز تحديات الأمة الإسلامية الحالية؟ وكيف يمكن مواجهتها؟
 
سعود: أبرز التحديات تدخّل الآخرين في ماهية الإسلام فكل ما يحيط بنا من الأحداث السياسية، والعسكرية، والإعلامية هي إعادة صياغة الإسلام. فالجنرال الأمريكي "ويزلي كلارك" صاحب الاستراتيجية بعيدة المدى للقوة الضاربة الأمريكية في العالم، يقول في محاضرة له بجامعة أوكلاهوما: "من ظنّ أننا خرجنا للعراق، وأفغانستان انتقاماً لأحداث 11 سبتمبر فليصحح خطأه، نحن خرجنا لقضية اسمها الإسلام.. نحن لا نريد لهذا المشروع أن يبقى حراً يحدد فيه المسلمون ما هو الإسلام؛ نحن نحدد لهم ما هو الإسلام". وهذا ما نراه اليوم يحصل في منطقتنا. وتلك كانت إرهاصات، واليوم تطبيق على الواقع، وأدواتهم الكبرى والعظمى هي من الدول الإسلامية ذاتها، والجماعات الإسلامية المنحرفة هي من أدواتهم، والفتن التي تحصل اليوم هي لِهزّ استقرار الدول الإسلامية في الشرق، والغرب، هي جزء من هذا المشروع. واليوم بعضنا قد يراها ببراءة لكنها إرهاصات خارجية، وهم يخبروننا بأنهم قادمون، واليوم هناك طفرة مدخرات مالية في منطقة الخليج، وعند قطبين رئيسيين هما السعودية والإمارات، ويجب افتعال الأزمات لكي تُستنزف عوض أن تسُخّر للنهوض الحضاري، والصناعي، والإنمائي المتأمل. وظيفة الأعداء الكبرى، والعظمى التضييق على الإسلام في منطقتنا، وإلا سيفشل مشروعهم.
 
** يتردد أن هناك عدداً من السفراء الأجانب في السعودية أسلموا على يديكما.
 
نايف: نعم أسلم بعض من السفراء والباحثين والأكاديميين نذكر منهم سفير سويسرا، وألمانيا، وسفيري إيطاليا، والدكتور "كيري" الذي يعد بمثابة البابا لدى "الإنجليكان"، وأراد أن يُدفن في مقابر المسلمين فاتهموه بالخرف. صدق الله -عز وجل- القائل: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـكِنَّ اللَّـهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}. وصدق رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ قال: "كلٌّ يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه". 
 
 
** قلتما عن الرئيس الفنزويلي السابق هوجو شافيز بعد وفاته "يرحمه الله" ومن المعروف عن الرحمة أنها لا تجوز إلا على مسلم.. فهل أسلم؟
 
نايف وسعود: نحسبه كذلك والله حسيبه. وقد كان هذا قبل أن يصبح رئيساً لفنزويلا عندما كان ضابطاً، إذ تعارفنا في أمريكا عندما كنا هناك للدراسة، وكان هو مبتعثاً لدورة هناك. ووجدناه ذا ذهن وقّاد، وحماسة فيما يعتقده من آراء.. وكانت بيننا نقاشات فكرية عميقة عن الرأسمالية، والاشتراكية، ونظرة الإسلام للاقتصاد والمال، وغيرها من القيم، واقتنع بما نقول.
 
 
** لكما نظرية سياسية، تقول: "أمريكا تعتبر السعودية الحليف التكتيكي في المنطقة، وهي في نفس الوقت العدو الاستراتيجي، وتُعتبر إيران العدو التكتيكي في المنطقة، والحليف الاستراتيجي".. هلا وضحتما أكثر؟
 
نايف: الاحتكاك بالمعارف، والتجارب، والتفكر بها يتأتى عنها تكثيف استنتاجات يصيغها الذهن على شكل نظريات، إحداها نظرية المرآتين، تحدثت بها منذ 25 سنة، وفكرتها أن هناك مرآتين مقعرة، ومحدبة مسلطتان على الأمة الإسلامية، ومن خصائص مرآة التحديب "التقزيم"، ومن خصائص مرآة التقعير "العملقة".. ونحن نرى أنفسنا بالمحدبة فنرى أنفسنا أقزاماً، ونرى أعداءنا بالمقعّرة فنراهم عمالقة. ولن تقوم قائمة لهذه الأمة إلا بكسر هاتين المرآتين. وهناك نظرية أخرى فكرتها أن الإسلام في ضفة، والكفر في ضفة أخرى، وبينهما جسر، وهذا الجسر يعبره إلينا خيرة ما عندهم من الصادقين الشفافين، والشجعان، أما سقط ما عندنا فيذهب اليهم، والحركة في الاتجاهين ليست متوازنة فهناك مليون شخص قادمون إلينا من الكفر للإيمان، ومنا أعداد قليلة تذهب لهم. وأما سؤالك حول نظريتي السياسية ففكرتها أن أمريكا تعتبر السعودية الحليف التكتيكي في المنطقة، وهي في نفس الوقت العدو الاستراتيجي، وتعتبر إيران العدو التكتيكي في المنطقة، ولكنها في نفس الوقت الحليف الاستراتيجي؛ وذلك لأن الدولة السعودية قامت على الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وهذه من المحاذير الكبرى في الغرب، وأما إسلام إيران فهو يتطابق مع أهوائهم، وهو الحليف في المنطقة منذ الحقبة الصفوية، والتاريخ له محاور ثابتة يتمحور حولها. هذا أيضاً قلته منذ ما يقارب 20 سنة، ولمسؤولين كبار في السعودية رغم أن شواهدها لم تعرف إلا منذ فترة. إذ إن بعدها الاستراتيجي كامن لا نراه، في حين أن بعده التكتيكي تغطيه المصالح المشتركة بين السعودية وأمريكا. وعندما تتعارض المصالح التكتيكية مع المصالح الاستراتيجية عندها يغلّب الخيار الاستراتيجي. والحوثيون على سبيل المثال كانوا يرددون شعارات: "الموت لأمريكا والموت لإسرائيل". وعندما دخلوا صنعاء أول ما قاموا به هو حماية السفارة الأمريكية. وعندما سئل السفير الأمريكي في اليمن عن ذلك، ضحك قائلاً: "لا أظن أنهم يعنون ما يقولون". إذ الحقيقة هي عكس ذلك. كما أنه لا يخفى على أحد دور إيران في تمكين أمريكا من احتلال أفغانستان والعراق ومتخذي القرار في الخليج يعتقدون أن دول الخليج العربي حلفاء استراتيجيون وحيدون لأمريكا في المنطقة، لكن هذه الأمور تبيّن عكسها أثناء المحادثات الذرية بين الغرب وإيران قبل سنة ونصف.. حين ذهب الغرب وعلى رأسه أمريكا يهرول لإيران، وتركوا دول الخليج العربي كلها كما يقول المثل الشعبي: "خلوهم على المراح". وأمريكا اعترفت بما قالته إيران: "لولانا لما دخل الأمريكان العراق وأفغانستان". وهذا دليل التحالف بينهم. ولأول مرة يعترف قائد عسكري أمريكي بأن السنة أغلبية في العراق هو بعد الأحداث الأخيرة فيه. بينما كل الأدبيات السابقة للأمريكان يتكلمون عن الأقلية السنية، والأغلبية الشيعية في العراق، والإحصائيات الرسمية تثبت أن الشيعة 36% فقط، بينما السنّة العرب 45% والسنّة الكرد 15% والباقي أقليات من المسيحية، والصابئة،، واليزيدية وغيرهم. وهذا يثبت أن الغرب يكيل بمكيالين في تعاملاته مع المسلمين كما في البوسنة والهرسك عندما قسموها انتقائياً تقسيماً عرقياً، ودينياً في آن واحد. فكان يجب أن يقال عن التقسيم مسلم، كاثوليكي، أورثوذكسي، أو يقال بوسني، كرواتي، صربي. لكن يُخلط بينها فيقولون صربي، كرواتي، مسلم، ليوهموا أن الإسلام دخيل على البوسنة وليس أصيلاً. وقد كتبنا خطاباً إلى سكرتير الأمم المتحدة بهذا الشأن. لكنهم أعادوا نفس الحيلة في العراق فقالوا سني، شيعي، كردي، ليوهموا أن العرب السنة هم أقلية، بينما الصواب كان يجب أن يقولوا سنة وشيعة أو عرب وكرد.
 
 
** ذكرتما أن هناك 3 أنواع من الدول في الشرق الأوسط: الاستراتيجية والتكتيكية، ودول ردة الفعل.. هل وضحتما بشكل أكثر؟
 
نايف وسعود: هناك 3 أنواع من الدول في الشرق الأوسط. أولاً دولة استراتيجية هي إيران وهي أخطرها، التي لها خطط واضحة ومحددة لبناء الدولة منذ أن عاد "الخميني" كانت من أول أهدافها محو الدولة الإمبراطورية "العميقة"، والقضاء على الجيش الإيراني وجنرالاته، وعلى المباحث الإيرانية المسماة "السافاك" التي كانت تعدّ من أعنف مباحث في الشرق الأوسط والعالم، وكان لديه خطة خمسينية واضحة المعالم والأدوات -الهيمنة الشيعية في المنطقة- وثانياً هناك دول تكتيكية أبرزها "إسرائيل" التي لا تعدّ دولة استراتيجية بل دولة "عابرة" ومؤقتة، وهم يعلمون ذلك جيداً، لكن العرب أوهموا أنها باقية، دليلنا أن في العام الماضي السي آي إيه كلفت جامعات بدراستين: الأولى كيف تستطيع أمريكا استيعاب خمسة ملايين يهودي دفعة واحدة، والثانية كيف يكون الشرق الأوسط بعد زوال "إسرائيل". عقلاء "إسرائيل" ومثقفوها يعيشون أسوأ عهودهم في حين أن الساسة والعسكريين يحيون أزهى عهودهم. وثالثاً هناك دول ردة فعل، وهي بقية بلدان الشرق الأوسط. التي تتعامل مع الأزمات بعد حدوثها. وفي هذا الشأن دعني أوضح أن الأمة العربية لها 3 أجزاء رئيسية (جسد، وجناحان).الجسد مكون من شبه الجزيرة العربية التي هي الرحم الدافق للأمة وقلبها، وموقعها الاستراتيجي الواصل بين إفريقيا وآسيا، وأما جناحاها فهما مصر وسوريا الكبرى (الشام والعراق).
 
 
 
** ما هي أبرز التحديات التي تواجه المجتمع السعودي حالياً؟
 
نايف: البنيان الداخلي يجب أن يكون قوياً. ويجب أن نعرف من نحن وماذا نريد، ونعمل على تأصيل معرفة الذات، ومعرفة الآخرين على حقيقتهم وكشف أجنداتهم الخفية. فأهم التحديات التي تواجه المجتمع السعودي أننا لن تقوم لنا نهضة ما دمنا نستهلك ما لا ننتج. 
 
سعود: مناقشة المجتمع لقيادة المرأة للسيارة إهانة للفكر السعودي، وإشغالنا بقضايا جانبية وتسطيحاً لقضايانا المصيرية. بينما لدينا مشاكل أساسية في تحديد معالم الذات. وهناك طرح للإسلام بقوالب لا يعلم بها إلا الله.. تجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، وتهمش المجتمع. والدولة السعودية هي أول محاولة حديثة لتطبيق الإسلام في المجتمع سياسياً، واقتصادياً.. وهذا مشروع الدولة السعودية، وهي أسمى من أن تكون كياناً سياسياً بل مشروع حضاري ذو رسالة. ومع الأسف الإسلام حالياً يهد بمعاول المسلمين، ومحورنا للعشرين سنة القادمة إعادة أولويات المجتمع، والكيان على الأسس الثابتة أما المتغيرات، ومن واكبها فليذهب معها. ومن الثوابت الأساسية أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.. أي أن العدل، والإنصاف، والصدق، والشفافية أكبر مناعة للإسلام وللسلطان من الأجندات الخفية. وهذه أكبر، وأهم أهدافنا أن نحيا هذه المسؤولية.
 
** ما دور الفئة المثقفة في المجتمع؟
 
نايف وسعود: بعض مثقفينا هم إمعات مستغربون، درسوا هناك، وتم برمجتهم وفق تفكير معين.. لهذا ليس لدينا إبداع منذ الخمسينيات الميلادية في بلادنا. للصحافة الصفراء المسلطة على الأمة دور في تسطيحها كما أن للصحافة الهادفة مسؤولية توصيل معالم مشروعنا الحضاري الإسلامي.
 
 
** اسمحا لي أن أقول إنه من السهل عليكما التنظير، وأنتما تعيشان في رفاهية، وتحددان ما يجب أن يفعل وما لا يجب.. لكن لو كنتما صاحبي قرار، وتتحملان المسؤولية لاختلفت وجهات نظركما بسبب حجم التحديات؟ 
 
سعود: لدي مثالان سريعان سيفتحان أعيننا على ما يجري حالياً، نحن أكبر منتج بترول في العالم، ومن أكبر مستهلكي البترول، كذلك نحن أيضاً من أكبر مستهلكي الكهرباء في العالم بمقدار ما تستهلك الصين بمرة ونصف.. ونحن لو أردنا لكُنا أكبر دولة في العالم في إنتاج الطاقة الشمسية فلدينا 350 يوماً مشرقاً في السنة. ومن عيوبنا الاقتصادية أننا لا نكرر من البترول إلا 40% فقط، والباقي نشتريه من الأسواق العالمية، وهل تحتاج أن تكون عبقرياً لكي تفهم الهدر الاقتصادي؟ والسؤال: رغم تجربتنا الطويلة التي تجاوزت 70 عاماً في إنتاج البترول، لماذا لا نزال نستورد مشتقات البترول المكررة؟ لو استطعنا أن نكرر بترولنا لسيطرنا على العالم في هذا الجانب، ولما وجدت لدينا البطالة، ولأصبح راتب العامل السعودي 20 ألف ريال وأكثر. ولكن من الإسراف أن نستنزف البترول بهذه المعدلات. وأذكر أننا اقترحنا على الملك فهد -رحمه الله- بألا نبيع البترول بالدولار، بل بسلة عملات صعبة فنتمكن بذلك من التخطيط الاقتصادي بعيد المدى. 
 
** السؤال للأمير نايف: هل بالإمكان معرفة سبب إغلاق بنكك في سويسرا؟ وكم خسرت بسبب الإغلاق؟
 
نايف: أغلق البنك بسبب تهمة تمويل الإرهاب، ولكن ولله الحمد ثبتت كيدية الاتهامات وشطبت التهمة كليا بعد خراب البصرة؛ إذ إن الخسارة بسبب ذلك أكثر من ملياري دولار بشكل مباشر، وقد أعيدت لنا رخصة البنك من جديد. 

 
** السؤال للأمير نايف: رغم ثرائك.. لماذا اتهمت بتهريب الممنوعات من كولومبيا إلى فرنسا؟
 
سعود: دعني أجيبك أنا: لأنهم يرونه يشكل خطراً على أمنهم القومي، وبسبب اعتقادهم أنه يموّل الإرهاب في الغرب، وهذه التهمة غالباً ما تكون جاهزة لكل من يرفض التعاون معهم، وهاجسهم الربط بين الإرهاب والجريمة المنظمة، وكلها اتهامات باطلة لم تصمد أمام التحقيقات فأسقطت جملةً وتفصيلاً.
 
** السؤال للأمير سعود: أين أنتم من المناقشات الثقافية داخل السعودية مع مختلف التوجهات والتيارات الفكرية؟
 
نايف وسعود: الإنسان يتحرك بالحيز المتاح، فالليبراليون والعلمانيون في عالمنا الإسلامي لم يحيطوا بجوهر المعين الفكري الغربي، وغابت عنهم كونية الفكر الإسلامي فأضحوا معاول هدم لصرح حضارتنا، وتاريخنا ومستقبل أجيالنا. ويمكن القول إن من لدينا هم لا دينيون، حيث إن الترجمة الدقيقة من الفرنسية لكلمة "لاييك" هي لا ديني بينما اختير كلمة علماني بالفرنسية "سينتيفيك" هذا يثبت أن المصطلح مقحم. فهم واحد من ثلاث إما مغرر به أو تابع هوى أو طابور خامس من خفافيش السفارات.
 
** ما هي أبرز أهداف الليبراليين والعلمانيين والملحدين في المنطقة؟
 
نايف وسعود: محاولة البعض تبرير هواهم بإنكار ما يُعلم من الدين بالضرورة ينقلهم من الفسق إلى الكفر، وهذا كمن يستجير من الرمضاء بالنار. نقسم الإلحاد إلى إلحادين العقدي والعملي. ومِن هؤلاء مَن يريد الشهرة، التي يوفرها الغرب له، والمال.
 
 
** هل فعلاً أن المستشرق الذي لم يسلم لم يفهم الإسلام جيداً كما تقولان؟
 
نايف وسعود: نعم المستشرق الذي لم يُسلم لم يفهم الإسلام ولا العروبة بشكل صحيح ودقيق؛ لأن الإسلام والعروبة كالروح والجسد؛ فهما صنوان لا يفترقان.
 
** ما هي موانع انتشار الإسلام في العالم؟
 
نايف وسعود: أكبر معوق لانتشار الإسلام هو جهل بعض المسلمين بإسلامهم!! ولو كان المسلمون على قدر عظمة الإسلام لأسلم كل باحث عن الحقيقة.
 
** هل هناك مشكلة للإسلام مع الآخرين؟ 
 
نايف وسعود: الإسلام تقبّل ما سبقه من أهل الكتاب بينما لم يتقبل اليهود ولا النصارى الإسلام، والحروب الصليبية هي الشاهد، فليس للإسلام تصادم مع الآخر بل الآخر لديه ثأر معنا، وهم يسقطون أزماتهم علينا، وهم: المدعي، والقاضي، والخصم، والجلاد.
 
 
** أنتم وارثا اسم عريق، وتربطكما صلة "نسب" ورحم بالأسرة المالكة، فلماذا اخترتما المجابهة مع الغرب؟ 
 
نايف: الإسلام دين الدليل، والعلم ومعرفتنا للغرب حضارة وفكراً، وديننا أعطانا أدوات التمييز والمقارنة، فمن الصعب أن يرضى بالظلمة من استنار بالضوء، وأن يرضى بالذل من عاش حراً، وهذا كله يكون وعياً يولد صبر المقاوم، ونفس الحر الأبي، وهذه الحالة باختصار هي إفاقة ضمير فيفسرها الآخر على أنها مجابهة. لا شأن للأصل أو القربى بهذا فالموضع موضع تكليف لا تشريف.  
 
سعود: دعني أشرح لك ذلك من خلال موقف حصل لنا من أحد الأثرياء العرب الذي أراد الدخول في شراكة تجارية معنا مجزية، وعند حضوره للرياض لتوقيع العقد. وكنا سمعنا أخبار صحفية عن خسارته مبلغاً كبيراً في ليلة واحدة في أحد كازينوهات "مونتي كارلو"، وقد أحسنا الظن به، وأنه مستهدف كغيره. وفي مكتبنا، وقبل التوقيع على العقد سألناه عن صحة أخبار خسائره الكبيرة، معتقدين أنه سينفيها. وإذا به يتفاخر ويؤكد الخبر فعند سماعنا لذلك رفضنا توقيع العقد وأعتذرنا بأدب. فالعقائد والأخلاق وإن كانت تُعتبر عوائق في هذه الدنيا فهي المنجية يوم لا ينفع مال ولا بنون. 
 
** ما هي أبرز مواقفكما مع الملك فهد والأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمها الله- وخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله؟
 
نايف وسعود: للملك فهد -رحمه الله- مواقف كثيرة من أهمها وأقربها لقلبنا ثقته بعلمنا وصدقنا. قبل احتلال الكويت بـ 5 أعوام تقدمنا بدراسة، توقعنا فيها احتمال دخول صدام للكويت بعد انتهائه من حربه مع إيران، وتوقعنا أنه سيخرج من حربه لا غالب ولا مغلوب، ودون إنجاز كبير، وهذا سيسبب له امتعاضاً هائلاً بين شعبه، فكان الهدف الأسهل هو احتلال الكويت. وطرحنا في دراستنا كيف يمكن إجهاض هذه الفكرة قبل حدوثها بخطة خمسية. فحولت إلى "لجنة الخبراء"، وكان رد اللجنة أن الدراسة دقيقة ولكن هل يُعقل ونحن في القرن العشرين أن تبتلع دولة عربية دولة جارة لها، ووضعوا علامة تعجب واستفهام. وقلت للأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمه الله- أن هذه اللجنة لجنة "غبراء" وليس خبراء. وبعد 5 سنوات عندما احتل "صدام" الكويت قال لنا الأمير سلطان: "تذكران الدراسة اللي قدمتموها من 5 سنوات.. الحين حصل بالضبط الذي ذكرتماه.. أنا أشهد أنهم غبراء أنا أشهد أنهم غبراء". وكذلك في الحرب بين اليمن الجنوبي، واليمن الشمالي كان الأمريكان يوهموننا بأنهم مع الجنوبيين، وهم مع الشماليين أي مع الوحدة، وقد كان هذا رأينا منذ البداية، وقد كان مغايراً للرأي السائد في أروقة القرار. أما مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله هناك الكثير من المواقف، وهي غير قابلة للنشر، فالملك منذ نشأتنا ونحن أطفال نراه ونعتبره والداً لنا؛ لأن والدنا توفّي، وعمرنا سنة ونصف. 
 
 
** ما أكثر ما يخيفكما؟
 
نايف: حمّلت جواب سؤالك هذا لأخي سعود ليقوله لرئيس الاستخبارات الفرنسية عند لقائه به أثناء اتهامي الباطل بتمويل الإرهاب. عندما قال له أخي سعود: "نحن أقوياء لأننا أصحاب حق.. وخوفان في قلب رجل واحد لا يجتمعان، وحبّان في قلب رجل واحد لا يجتمعان، وأخي نايف أحب الله عز وجل فأغناه ذلك عن حب سواه، وخاف الله فحصّنه ذلك من الخوف ممن سواه". 
 
سعود: نعم هذه قناعة وليست غروراً.. ومن يخاف الله يتحرر صاحبه من كل خوف بعده.
 
 
** ما أبرز ما أثّر بشخصيتيكما؟
 
نايف وسعود: اليتم، والغربة في مدارس داخلية فرنسية، في سويسرا، ولبنان، وأمريكا منذ أواخر الستينيات، وحتى منتصف الثمانينيات الميلادية، ونحن نعيش في الغرب، وهذا حصننا وشد مئزرنا. 
 
** ما طموحكما الشخصي؟
 
نايف وسعود: أن نخرج من هذه الدنيا لا لنا ولا علينا، كما قالها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
 
 
** ما أول قرار تتخذانه لو كنتما صاحبي قرار اقتصادي؟
 
سعود: أول قرار ألا نبيع البترول الخام إلا مكرراً أو مصنّعاً.
 
نايف: إيجاد العملة الخليجية الموحدة، وجعلها من العملات الصعبة بإيجاد الطلب عليها ببيع البترول ومشتقاته بهذه العملة.
 
** ما القرار الذي ندمتما عليه في حياتكما؟
 
نايف: ما شاء الله أن أتخذ قراراً، وأندم عليه أبداً، فالقرار الذي أتخذه أشبعه دراسة وتمحيصاً، ثم أستخير الله وأتوكل عليه.
 
سعود: المجاملات العائلية فيما يتعلق بالمبادئ التي أعتقدها لم تجعلني أعبّر عنها بالوضوح المطلوب بعض الأحيان.
 
** هل أنتما راضيان عن نفسيكما؟
 
نايف وسعود: من رضي عن نفسه هلك.
 
 
** كلمة أخيرة تختمان بها اللقاء..
 
نايف وسعود: نودّ أن ننبه أن غيوماً مدلهمّة قادمة إلى المنطقة، وقد نبّهنا إليها منذ أكثر من 10 سنوات، ونراها اليوم تتجسد، ويجب أن نكون على مستوى التحدي، وعلى وسائل الإعلام أن تتحرى الصدق، وأن تهيئ الرأي العام للمراحل القادمة لنحصن المجتمع والكيان. فالآخر يكيد لنا، من صنوف التمزق، والتفرق، والفتن، والتجزئة، وأصبحت أجندته واضحة ولا نستغرب ذلك، لكن من المهم إعادة المعايير، والتوازن، وقياس كل شيء بميزان دقيق وصحيح.
 
 

 

 

27 ديسمبر 2014 - 5 ربيع الأول 1436
07:51 PM

"نايف وسعود الشعلان": "خفافيش السفارات" تستبيحنا .. وهذه أسباب تهمة تهريب المخدرات!

قالا لـ "سبق": لو كرّرنا بترولنا لتقاضى المواطن 20 ألفاً ولا ننسى "كيري" الذين اتهموه بالخرف

A A A
0
432,356

· مناقشة المجتمع قيادة المرأة للسيارة إهانة للفكر السعودي ولن تقوم لنا نهضة ما دمنا نستهلك.
· الليبراليون والعلمانيون مغرّرٌ بهم وتابعو هوى وطابور خامس من "خفافيش" السفارات.
· لو كرّرنا بترولنا لسيطرنا على العالم وقضينا على البطالة وتقاضى المواطن 20 ألفاً.
· أمريكا تستعد لاستيعاب 5 ملايين يهودي بعد زوال إسرائيل .. "المتطرفون" يُشعلون الفتن.
· عرضنا على أصحاب القرار دراسةً توقّعنا فيها غزو الكويت قبل وقوعه بـ 5 أعوام.
· بعض مثقفينا إمّعات للغرب والصحافة  الصفراء مُسلطة علينا منذ الخمسينيات.
· فطنة الملك فهد مكّنته من سبر أهمية الفكر .. والأمير سلطان وافقنا أنها لجنة "غبراء".
· الحوثيين يردّدون "الموت لأمريكا وإسرائيل" وعندما دخلوا صنعاء حموا واشنطن.
· ناقشنا "شافيز" عندما كان مُبتعثاً عن الإسلام والنصرانية والرأسمالية والاشتراكية فأصبح صديقاً.
· أسلم بعض السفراء على أيدينا .. وهذه قصة "كيري" الذي أوصى بدفنه بمقابر المسلمين فاتهموه بالخرف.
· أمريكا تعد السعودية حليفها التكتيكي وعدوها الإستراتيجي وإيران العكس.
- الجنرال الأمريكي "ويزلي كلارك" صاحب الاستراتيجية بعيدة المدى يقول : "من ظنّ أننا خرجنا للعراق، وأفغانستان انتقاماً لأحداث 11 سبتمبر فليصحح خطأه، نحن خرجنا لقضية اسمها الإسلام. 
- هناك مرآتين مقعرة ومحدبة مسلطتان على الأمة الإسلامية ومن خصائص مرآة التحديب "التقزيم" ومن خصائص مرآة التقعير "العملقة". 


 
 
حوار/ شقران الرشيدي- سبق- الرياض (تصوير: فايز الزيادي، عبدالمجيد العازمي): يقول الأخوان "التوأمان" الأميران نايف وسعود فواز الشعلان أن الإسلام دين مستهدف من الغرب في قيمه، وأهدافه، وثوابته، وفي مجتمعاته. مؤكدين في حوارهما مع "سبق" أن منطقتنا تحيط بها المخاطر، وأن هناك أجندات سياسية خفية لإعادة صياغة الإسلام، وتفريغه وتجزئته، وإثارة الفتن في منطقتنا صُرف عليها المليارات من الدولارات. محذرين السعودية والإمارات مما يخطط لها الآخرون. ومن مشروع غربي يستهدفهما. موضحين رؤيتهما في تسامح الغرب، والتعايش مع النصارى، وأسباب دراستهما منذ الصغر في مدارس "غربية" في سويسرا، وفرنسا، ولبنان، وأمريكا.. ولماذا لُقبا بالأخوين "الدمويين" من نصارى لبنان. كما تحدثا عن مواقفهما مع الملك فهد والأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمهما الله- ومع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله -حفظه الله- والرئيس الفنزويلي السابق وتقبله للإسلام، كما يتطرقان لنظرياتهما السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وإسلام عدد من السفراء على أيديهما، وأسباب عدم مناقشتهما للتيارات الفكرية داخل السعودية، وشرحا تصنيفهما الخاص بدول الشرق الأوسط الاستراتيجية والتكتيكية، ودول ردة الفعل، وإيقافهما التعاقد بالملايين مع ثري عربي اكتشفا أنه مقامر في كازينوهات "مونتي كارلو".. وتتقدم "سبق" بالشكر الجزيل للأستاذ محمد الراشد على جهوده في ترتيب الحوار؛ فإلى التفاصيل..
 
** تتنوّع شخصيتاكما في اهتماماتها الثقافية، والفكرية، والاقتصادية، والرياضية.. هذا التنوع والثراء في التجارب كيف يكون؟
 
نايف: هناك نظريتان في علم الاجتماع أو مدرستان كبيرتان إحداهما البنيوية من الإنسان ذاته "الجينات"، ومدرسة أخرى اسمها السببية "البيئية أو الظرفية"، والإنسان هو مزيج من كلا المدرستين. والعامل "الجيني" يختص بمدى الاستيعاب، والفهم، والميول... إلخ. أما الحصيلة العلمية والفكرية فهي من العامل السببي أو البيئي. ويمكن تشبيه الأمر بصقل الأحجار الكريمة التي هي عملية ميكانيكية، وعملية "أدواتية ظرفية"؛ فعلى سبيل المثال حجر الكوارتز، وحجر الألماس كلاهما متشابهان، لكن إذا أعطيتهما ليد ماهرة في الصقل، واستخدمت ذات التقنية.. ثم عرضتها في السوق للبيع؛ فالألماس يساوي مليون دولار والكوارتز لن يزيد على 10 دولارات. والسبب الحقيقي هو خامتها.
 
سعود: أود أن أضيف على حديث أخي نايف أن هذا الموضوع فيه خصوصية بين الشمولية، والتفصيل، وهما عالمان مختلفان تماماً، ونادراً ما يجتمعان. وأخي نايف يضرب مثلاً دائماً بآلتَي الـ"ميكروسكوب" و"التليسكوب"، وهذه حقيقة.. فنادراً ما ترى آلة "الميكروسكوب" الأشياء البعيدة بشموليتها واتساعها وبعدها كـ"التلسكوب"، لكنها ترى التفاصيل الدقيقة، ومكوناتها.. وهذا يسمى الإنصاف والرسوخ.. وفيما يتعلق باهتماماتنا المتعددة أعتقد أن الجزء الجيني له دور.
 
 
** منذ الصغر وبسبب ظروف عائلية درستما معاً خارج السعودية في مدارس "غربية" في سويسرا وفرنسا ولبنان، وفي أمريكا أثناء الدراسات العليا.. ماذا تركت هذه التنقلات العديدة في ذاتكما من ذكريات؟ 
 
نايف: بالفعل درسنا في مدارس خارجية بدايتها في مدارس سويسرية، ثم أكملناها في مدارس فرنسية. وأذكر في دراستنا بلبنان أن الطلاب كانوا يرفضون الجلوس معنا على ذات المقاعد؛ لأن أغلبهم من النصارى المتعصبين، ونظرتهم النمطية للإسلام "دونية"، ويمكن أن نقول إنها عنصرية. وقد فرّقونا أنا وأخي "سعود" في شعبتين دراسيتين مختلفتين حتى لا نكون في ذات الصف. وكانت مقاعد الدراسة يجلس عليها طالبان، والطلاب النصاري يرفضون، ويقولون للمدرسين: "لا أريد أن أجلس بجانب المسلم"، فاستعملنا اللين في بادئ الأمر فلم يُجدِ، فاضطررنا للعنف فكسبنا بذلك احترامهم.
 
سعود: نعم.. شاءت الظروف أن ندرس في خارج السعودية في سويسرا وفرنسا وبعدها في لبنان لأسباب عائلية. ولأننا بدأنا الدراسة بمناهج دراسية بلغات مختلفة، فكان من الصعب تغييرها والعودة للسعودية؛ حتى لا نخسر سنين دراسية. لكن من فضل الله -عز وجل- أننا وفّرنا سنتين مهمتين من دراستنا قبل أن ندرس المرحلة الجامعية في أمريكا، ويمكن القول إننا كنا غرباء في أغلب حياتنا، وهذا مما جعلنا ننظر إلى ثوابتنا، وديننا، وفطرتنا أكثر من غيرنا؛ لأننا نراها كمن يرى من اختار الإسلام عن قناعة ليس كمن ورثه.
 
 
** في ذلك الوقت.. كيف تم تقبّل طالبين مسلمين في مدارس "كاثوليكية"؟ هل كان هناك نوع من التصادم مع الطلبة الآخرين من ديانات أخرى؟
 
نايف: أتينا من بيئة تحترم الآخر، وغير صدامية. لكن فرضت علينا الظروف أن ننتزع حقنا بأيدينا لندافع عن ديننا وهويّتنا.
 
سعود: نعم.. كان هناك مواجهات مع العديد من الطلاب، وتقبّلناها بتحدٍّ وإصرار، وهذا الجانب الجيني فينا حيث تحوّل الأمر إلى شراسة، واستيعاب للصدمة، وكنا أمام خيارين إما أن نذوب أو نتبلور، وخلفيتنا الإسلامية، والاجتماعية رحّبت بالتحدي.. والله أعلم لماذا؟ ويمكن القول إن هذا التحدي هو أجمل شيء في حياتنا؛ لأنه فجّر فينا طاقات، ومكنونات، وشعوراً بالمسؤولية. وأن هذه الأمة الإسلامية هدف للآخرين دون أن يكون لها ذنب. ودليل على أن العالم الغربي قبل الأحداث الكبرى أو ما يسميها أخي نايف "الإسلاموفوبيا" بعد أحداث 11 سبتمبر. فالعالم الغربي عنده عداء للإسلام من طرف واحد. 
 
** في رأيكما.. لماذا هذا العداء للأمة الإسلامية؟
 
نايف: الإسلام تقبّل ما سبقه من أهل الكتاب، بينما لم يتقبل اليهود، ولا النصارى الإسلام، والحروب الصليبية هي الشاهد التاريخي على ذلك، والتآمر اليوم هو امتداد لهذا الفكر الإقصائي الغربي.
 
سعود: هذا يعيدنا إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أن "ملة الكفر واحدة". ونحن لا نستحيي أن نقول هذه الكلمة بإنصافها.
 
** هل هو ناتج عن سوء فهم لسماحة الإسلام أم انطباعات إعلامية وثقافية سلبية سابقة.. لماذا الاستهداف للإسلام من طرف واحد؟
 
نايف: هذه هي النظرة الغربية نحو الآخر. والإعلام الغربي يعتبر أداة نشأت من 150 عاماً. أما قبل ذلك لم يكن هناك إعلام مؤثر بالمعنى الحديث للكلمة. لكن الحروب القديمة، وعداءهم التاريخي لهذه الأمة، والحروب بين الإسلام وبيزنطة قبلها ولّدت هذا العداء والاستهداف، فالمسألة في رأيي هي مبدئية. والله عز وجل قال: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}. وقال "الدين" أي بـ"أل" التعريف، وكل الأنبياء منذ سيدنا آدم عليه السلام حتى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نادوا بدين واحد هو الإسلام أي التوحيد الخالص، وهذا الأمر لا يوافق أهواء أصحاب المصالح الخاصة. فمثلاً عندما أرسل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم رسائله إلى ملوك الأرض. وصلت رسالته إلى هرقل ملك بيزنطة "الروم" وهو يعلم أن الإسلام هو الحق، ويعرف ما قاله القرآن الكريم عن المسيح، لكن هرقل سأل رسول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قائلاً له: "قل لنبيك أين أرى ملكي وقوتي في هذا الدين؟ إن أراني إياه دخلت، وأدخلت روما كلها في الإسلام". فقال له رسول الرسول: "ليس لملكك مكان في هذا الدين فالدين كله لله". فردّ عليه هرقل: "إذن قل لمحمد إنني سأحاربه حتى آخر رجل عندي". ومن هذا نفهم أن المسألة هي صراع مستمر بين توجيهات إلهية، وبين مصالح بشرية تستغل الناس لمصالحهم الخاصة. 
 
 
 
** لكننا نرى تسامحاً من المجتمعات الغربية في تعاطيها مع الإسلام والمسلمين.. وهناك مسلمون ومبتعثون يعيشون فيها بارتياح، ولا يتعرضون للمضايقات. 
 
سعود: لا أوافقك على هذا الطرح لأسباب منهجية.
 
**.. والسبب؟
 
سعود: ليس من يعيش على السطح كمن يغوص في الأعماق. الحضارات المختلفة لها قشرة ولها لبّ. وهناك فرق بين المدنية والحضارة.. ومن يأتي على عجالة يتأثر بالقشور المدنية كالعمران المتطور، ونمط الحياة، والتسهيلات المعيشية، والتعامل مع الظواهر بسطحياتها؛ فيتعامل بجزئية ويحكم على الكل من الجزء وهذا خطأ منهجي، وخطير، واعتبره "فيروس" يؤتى به إلى مجتمعاتنا.. وأغلب الناس يتعامل مع الظواهر الشكلية للغرب. أما التسامح عند الغرب فهو يعني تسهيل السيطرة وعدم المقاومة.. فما دمت مسيطَر عليك فيعتبرونك متسامحاً.. وما دمت تخدم مشروعهم فيصنفونك أيضاً متسامحاً. ما دمت لا تعترض عليهم فأنت متسامح، وعلى سبيل المثال فرنسا في غزوها لشمال إفريقيا، وتحديداً في الجزائر كانت تراها جزءاً لا يتجزأ من الأرض الفرنسية حتى إنها كانت تسميها "أوتر مير" وتعني فرنسا ما وراء البحار، وأنها امتداد للتراب الفرنسي، أما من عليها فهم طارئون لا وجود لهم. ولذا كانت لديهم قرارات أساسية في خياراتهم، بفترة تأسيس انتدابهم، وكانوا يرون أن الجزائر ليست بلاداً مستعمرة بل هي امتداد لبلدهم، بمعنى أنهم وُجدوا فيها ليبقوا، ولذلك كانت خياراتهم واضحة المعالم؛ ومنها أنهم لا ينظرون للإنسان الموجود على الأرض التي استعمروها بأن له خصوصية؛ لغة وثقافة، والأهم منها أن لديه ديناً خاصاً هو الإسلام، وهم يعرفون جيداً أن الإسلام هو المحور الحقيقي للمجتمعات العربية والإسلامية، لذا تعاملوا معها بكل بساطة في إنهاء هذا المحور.. ولذلك فقتلى الاستقلال الجزائري عن فرنسا يقال عنهم إنهم مليون شهيد وفي الحقيقة هم أكثر من ذلك. وهذا التعامل الفرنسي على سبيل المثال يعطي انطباعاً عن حقيقة تعامل الغرب، وتسامحه، ومدى إنصافهم عبر التاريخ. لذا عندما نتحدث عن عدم تسامح الغرب فنحن لا نحكم عليها من قشورها بل من الشواهد التاريخية. فاليوم في عالم الإباحية كل شيء يجوز، لذلك تفسر الإباحية بالتسامح. وهذا غير صحيح أبداً؛ فهذه الإباحية تقبلها كنيستهم تحت ظرف الأمر الواقع رغم أنها تتنافى جملة وتفصيلاً مع الدين النصراني، ومع ذلك يرونه من التسامح.
 
نايف: في موضوع تسامح الغرب دعنا ننظر له ببساطة. ونرى الغرب بطبقاته المختلفة حتى نكون منصفين. فالخالق -عز وجل- يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّـهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. والإنسان الغربي قد يكون فيه من الطيبة إلى حد ما حتى تبدأ تتكلم معه عن خصوصياته عندها ترى شخصاً آخر. ولكن عندما يريد أن يستدرجك لمكوناته فهو متسامح. وعندما تتصادم أهواؤه مع ثوابتك ترى وجهاً آخر. ولنتذكر أن أول ثورة قامت في الغرب هي الثورة الفرنسية، والتي رفعت شعارات "إخاء، مساواة، حرية". ولكن هذه المبادئ الثلاث لم تُطبق في التعامل مع الإسلام، فمثلاً على الصعيد الفردي تمنع المدرسات المسلمات الفرنسيات من لبس الحجاب بحجة العلمانية، بينما يُسمح للراهبات بلبس لباس الرهبنة، ولم يُعتبر منافياً للعلمانية، ويسمح للراهب وضع الصليب على صدره، واليهودي الأورثوذكسي قلنسوته، ولباسه الأسود، بينما يمنع المدرس المسلم الفرنسي من لبس أي لباس يرمز من قريب أو بعيد لإسلامه. وعدم منح رخص لمساجد جديدة تنناسب مع أعداد المسلمين المتزايدة ويمنعون من صلاة الجمعة في الشوارع. وعدم السماح بالمآذن، ويمنع الأذان بينما تقرع الأجراس ليل نهار والأمثلة على ذلك كثيرة. أما على الصعيد الجماعي فتيمور الشرقية جزء من إندونيسيا أرادت الاستقلال فأعطتها هيئة الأمم الاستقلال في أربعة وعشرين ساعة، وهددت الدول الكبرى إندونيسيا بالحرب فانتهت المسألة بيومين. وسلوفانيا أرادت الاستقلال عن صربيا فبدأت الأخيرة بتحريك جيوشها فهددتها عدة دول أوروبية بالحرب فانتهت المسألة بعدة أيام، وأدخلت بالوحدة الأوروبية. بينما البوسنة والهرسك دخلت حرباً طاحنة استشهد فيها مئات آلاف من المسلمين، وقسمت، وكان الخاسر الأكبر بذلك المسلمون. فلسطين ترزح تحت الاحتلال "الإسرائيلي" بسلاح، ومال وغطاء غربي ولا حياة لمن تنادي. التصفية العرقية للروهينغا المسلمين في بورما لم يتطرق لها من بعيد أو قريب وإفريقيا الوسطى. وصدق الله عز و جل إذ قال: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ}.
 
** اسمحا لي أن أختلف معكما في هذا المحور؛ لأننا نرى المساجد في مختلف مدن أوروبا وأمريكا، والمراكز الإسلامية تنشأ، والمسلمون يقيمون شعائرهم دون اعتراض كما نراهم في وسائل الإعلام العربية والغربية؟
 
نايف: دعني أوضح لك أن هناك جوهراً، وهناك غطاء أو قناع على هذا الجوهر. فعلى سبيل المثال هناك 9% من الشعب الفرنسي مسلم، وفي بلجيكا 10% من الشعب مسلم. ما رأينا في تاريخ أوروبا من يتكلم عن حقوق هذه الأقليات لديهم، ولم يُلفظ حتى في أدبياتهم الفكرية أو الفلسفية أو السياسية طرح فكرة حقوق الأقليات بينما عندنا يأتي الغربي ويقول: "ما هي حقوق الأقليات في بلادكم؟". لا يجوز أن نكون تحت حكم ديكتاتورية الأقليات. وتواجد الإسلام في أوروبا وأمريكا في مدّ وجزر عبر التاريخ، وكل ما لديهم من علوم أتتهم عبر الحضارة العربية الإسلامية من الأندلس.
 
سعود: أودّ أن أشير إلى أن تراثهم اليوم الذي يفتخرون به، وما يسمى "الغريقورومن" أو الإغريق- الروماني لم يأتهم مباشرة، بل أتاهم عبر التراجم العربية إلى اللاتينية حتى الفلسفة الإغريقية.. وهذا دليل تسامح الإسلام وفضله عليهم.
 
 
** لكن من المعروف أن الحضارات الإنسانية عبر التاريخ تستفيد مما قبلها، وتبني على علوم ومعارف ما سبقها.. وهذا التبادل المعرفي يأتي في سياقه التاريخي.. فلماذا تستغربان ذلك؟ 
 
نايف: تسامح الحضارة الإسلامية التي تعد كما ذكرت مكملة للحضارات التي سبقتها. والإسلام عندما ذهب شرقاً وغرباً لم يقضِ على الحضارات، والمجتمعات التي فتحها بل قلّم أظافرها، وهذبها، وأظهرها بمظهر إنساني يتماشى مع الإسلام؛ لكنه لم يُلغِ الآخر، بل كان مكملاً ومجملاً له، لكن الحضارة الغربية مختلفة في هذا الجانب.
 
سعود: الرجل الأبيض الأوروبي يرى نفسه مركز العالم، والكون، وله الحق تكويناً حضارياً في ذلك -كما يعتقد هو ذلك- فروما على سبيل المثال سيطرت على العالم بمسيحيتها، وبسببها قامت الحروب الدينية القديمة، وقامت الحربان العالميتان الأولى والثانية.. وعند تحليل أسباب الحروب نكتشف أن عقدة النرجسية موجودة لديهم. لذا فإن أشرس الناس في عدائهم هو الرجل الأبيض فحين ذهب لإفريقيا، والهند، وأمريكا الجنوبية قضى على الحضارات، والمجتمعات الموجودة هناك بذات النمط، ففي قارة أمريكا الشمالية أفنوا 25 مليون هندي أحمر من سكانه الأصليين، وفي كل منطقة قضوا على حضارات عظمى كانت قبلهم كالانكا، والآزتك في أمريكا الوسطى والجنوبية. 
 
 
** حسناً.. أمام هذا العداء واللاتسامح الذين ترونه ضد الإسلام والمسلمين من الغرب.. ما هي الآلية لحماية الإسلام والدفاع عنه؟
 
نايف: الآلية أن تعرف ذاتك أولاً.. وتعرف من أنت؟ ومع الأسف الإعلام "المتغرب" عندنا يحاول أن يظهر أن الإسلام كأس فارغ كلّ يملؤه بما يريد. والحقيقة أن الإسلام هو كأس مليء بمحتوى، ودلالة، ووضوح. إلهية قطعية النص، وقطعية الدلالة. وهذا ما بني عليه الإسلام عقيدة أولاً.. وبعدها تترجم العقيدة لسلوك ثم لتشريعات تمارس الحياة المدنية من خلالها.. فهذه الابعاد الثلاثة يجب أن تتكامل.
 
سعود: نعم الوعي بالذات هو أهم شيء.. واتفق مع ما ذكره أخي نايف.
 
**... وما هو دور المسلم في المجتمع والحياة بشكل عام؟
 
نايف: دورنا نراه من منظور قرآني.. فالخالق -عز وجل- قال: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً". ومهمتنا في وسطيتنا أن نكون شهداء على الإنسانية كلها، وإخراج الناس من ظلماتهم بإقامة الحجة، والدعوة. وأول من رأى الإسلام عدواً هي الكنيسة الأوروبية؛ لأن الأفكار الإسلامية حرّرت الفرد الأوروبي من سيطرة الكنيسة عليه التي كانت تزدهر ببيئة التجهيل الممنهج للفرد الأوروبي، وكذلك النظام الملكي الأوروبي كان يعيش على السيطرة الكاملة على المجتمع من خلال الكنيسة فأصبحتا أداتين مسلطتين على الفرد الأوروبي لاستعباده؛ وإلا كيف نفسر أن شعوب أوروبا لـ 1500 سنة لم تقرأ كلمة واحدة من كتابها؛ لأن الكنسية أخذت النسخة اليونانية القديمة من القرن الخامس، وترجمتها إلى اللغة اللاتينية الميتة، وأبقت عليها عن قصد لكي لا تقرأ، وتحتكر الكنيسة تفسيره دون مسألة حتى باع الفاتيكان صكوك الغفران، وأراضي في الجنة.
 
سعود: نقدنا للفكر الغربي وتأثيراته في منطقتنا ليس من باب التحامل، بل لأسباب موضوعية لمن عرف كلا العالمين، وقارن وفاضل. على جيلنا أن يقبل التحديات القائمة ويكون لها نداً. نحن نراها بمسؤوليتها التكليفية، وأن اليوم بقاءك، وجودك، وحضارتك، وقيمك، وأخلاقك، ومبادئك كلها مهددة، وعلينا أن ننهض من سباتنا.
 
** هل فعلاً هناك "أجندات" خلفها دول غربية لتشويه الإسلام، وزرع الجماعات المتطرفة لإثارة الفتن في المنطقة؟
 
نايف: في علم الاستراتيجية القاعدة الأولى، هي: "لا يهمنا ماهية الحقيقة بل المهم هو كيف تُظهر أنها الحقيقة". وذلك للتمويه. والآن هناك أجندات سياسية، واقتصادية، وحضارية تريد أن تغطي عيوباً كبرى عند الغرب، وليس لديها وسيلة إلا أن تشوّه الإسلام، وهي موجودة اليوم، ويصرف عليها مليارات من الدولارات. فلا نأخذ الأمور ببساطتها على أنها كل إناء بما فيه ينضح. فعلى سبيل المثال أمامك كأس من الحليب صافي اللون والبياض فيه نفع وشفاء للناس هو الإسلام، ويريد البعض أن يقنعوا الآخرين بأن لونه أحمر داكن، وسام ليبتعدوا عنه، وكما قال القدماء: "إن من البيان لسحر". واليوم وسائل الاتصال المختلفة، والإعلام هما السحر الأكبر في تشويه الحقائق هذا ما يعرف بساحات الحروب الافتراضية.
 
** في ظل التقدم الحضاري والعلمي الكبيرين.. كيف يمكن الاستفادة من الغرب لتطوير أنفسنا ومجتمعاتنا؟
 
نايف: يجب أن نعرف كما أننا أهداف وضحايا لهذا الغرب.. فالأفراد الغربيون ضحايا لنظام فكري، وسياسي. والغرب طبقات بعضها فوق بعض وغير متجانسة. ولمعرفته والاستفادة منه لا بد أن نرجع لجذوره قبل المسيحية. فهناك حقب فكرية، وعقدية، ومدنية مرّ بها الغرب وأثرت به. فالرأسمالية على سبيل المثال يقال لنا إنها من الغرب، والشيوعية يقال لنا إنها من الشرق؛ هكذا حاولوا إفهامنا لكنهما في الواقع كلاهما من الغرب، وهما نتاج فكر واحد رغم تضادّها. لكن الإسلام يسبق الاثنين، وفيه محاسن الرأسمالية والشيوعية دون محاذيرها، والعيوب التي تنتج عن الرأسمالية كالفردية والاحتكار الاقتصادي مُنع في الإسلام قبل 1400 سنة أي قبل الفكرتين.. فنهى الرسول محمد صلى الله عليه و سلم عن احتكار الفرد للفرد، وقال "ولا تناجشوا"، و"لا يبِع بعضكم على بيع بعض" وهي مبادئ أطّرت قبل1400 سنة أي قبل نظريتي الرأسمالية والشيوعية. والخليفة على بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال: "حدّثوا الناس على قدر عقولهم.. أتريدون أن يكذب الله ورسوله". ولذلك المسألة هي في كيف تختزل خزاناً كبيراً فيه تريليونات من المعلومات في كأس صغيرة يشربه الفرد المسلم ليستوعبه. وما يطرح الآن من أجندات ضد الإسلام هي المؤامرة بعينها. 
 
سعود: الغرب اسم جامع لكيانات متعددة. فصربيا وروسيا وأمريكا من الغرب لكن لكل دولة خصوصيتها. ويجب التعامل معها على هذا الأساس. نحن نختلف معهم منذ آدم والاختلاف في أسس الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، والدنيا والمآلات.. حتى تبرر المسيحية اختلاف كتابها بين الأورثوذكس، والكاثوليك، والبروتستانت بسوء نية ادّعت أن القرآن الكريم أيضاً له عدة نسخ متغايرة، بينما القرآن يُقرأ بـ 7 قراءات (لهجات)، والفرق بينها مفردات بنفس المعنى.
 
** ما هي أبرز تحديات الأمة الإسلامية الحالية؟ وكيف يمكن مواجهتها؟
 
سعود: أبرز التحديات تدخّل الآخرين في ماهية الإسلام فكل ما يحيط بنا من الأحداث السياسية، والعسكرية، والإعلامية هي إعادة صياغة الإسلام. فالجنرال الأمريكي "ويزلي كلارك" صاحب الاستراتيجية بعيدة المدى للقوة الضاربة الأمريكية في العالم، يقول في محاضرة له بجامعة أوكلاهوما: "من ظنّ أننا خرجنا للعراق، وأفغانستان انتقاماً لأحداث 11 سبتمبر فليصحح خطأه، نحن خرجنا لقضية اسمها الإسلام.. نحن لا نريد لهذا المشروع أن يبقى حراً يحدد فيه المسلمون ما هو الإسلام؛ نحن نحدد لهم ما هو الإسلام". وهذا ما نراه اليوم يحصل في منطقتنا. وتلك كانت إرهاصات، واليوم تطبيق على الواقع، وأدواتهم الكبرى والعظمى هي من الدول الإسلامية ذاتها، والجماعات الإسلامية المنحرفة هي من أدواتهم، والفتن التي تحصل اليوم هي لِهزّ استقرار الدول الإسلامية في الشرق، والغرب، هي جزء من هذا المشروع. واليوم بعضنا قد يراها ببراءة لكنها إرهاصات خارجية، وهم يخبروننا بأنهم قادمون، واليوم هناك طفرة مدخرات مالية في منطقة الخليج، وعند قطبين رئيسيين هما السعودية والإمارات، ويجب افتعال الأزمات لكي تُستنزف عوض أن تسُخّر للنهوض الحضاري، والصناعي، والإنمائي المتأمل. وظيفة الأعداء الكبرى، والعظمى التضييق على الإسلام في منطقتنا، وإلا سيفشل مشروعهم.
 
** يتردد أن هناك عدداً من السفراء الأجانب في السعودية أسلموا على يديكما.
 
نايف: نعم أسلم بعض من السفراء والباحثين والأكاديميين نذكر منهم سفير سويسرا، وألمانيا، وسفيري إيطاليا، والدكتور "كيري" الذي يعد بمثابة البابا لدى "الإنجليكان"، وأراد أن يُدفن في مقابر المسلمين فاتهموه بالخرف. صدق الله -عز وجل- القائل: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـكِنَّ اللَّـهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}. وصدق رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ قال: "كلٌّ يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه". 
 
 
** قلتما عن الرئيس الفنزويلي السابق هوجو شافيز بعد وفاته "يرحمه الله" ومن المعروف عن الرحمة أنها لا تجوز إلا على مسلم.. فهل أسلم؟
 
نايف وسعود: نحسبه كذلك والله حسيبه. وقد كان هذا قبل أن يصبح رئيساً لفنزويلا عندما كان ضابطاً، إذ تعارفنا في أمريكا عندما كنا هناك للدراسة، وكان هو مبتعثاً لدورة هناك. ووجدناه ذا ذهن وقّاد، وحماسة فيما يعتقده من آراء.. وكانت بيننا نقاشات فكرية عميقة عن الرأسمالية، والاشتراكية، ونظرة الإسلام للاقتصاد والمال، وغيرها من القيم، واقتنع بما نقول.
 
 
** لكما نظرية سياسية، تقول: "أمريكا تعتبر السعودية الحليف التكتيكي في المنطقة، وهي في نفس الوقت العدو الاستراتيجي، وتُعتبر إيران العدو التكتيكي في المنطقة، والحليف الاستراتيجي".. هلا وضحتما أكثر؟
 
نايف: الاحتكاك بالمعارف، والتجارب، والتفكر بها يتأتى عنها تكثيف استنتاجات يصيغها الذهن على شكل نظريات، إحداها نظرية المرآتين، تحدثت بها منذ 25 سنة، وفكرتها أن هناك مرآتين مقعرة، ومحدبة مسلطتان على الأمة الإسلامية، ومن خصائص مرآة التحديب "التقزيم"، ومن خصائص مرآة التقعير "العملقة".. ونحن نرى أنفسنا بالمحدبة فنرى أنفسنا أقزاماً، ونرى أعداءنا بالمقعّرة فنراهم عمالقة. ولن تقوم قائمة لهذه الأمة إلا بكسر هاتين المرآتين. وهناك نظرية أخرى فكرتها أن الإسلام في ضفة، والكفر في ضفة أخرى، وبينهما جسر، وهذا الجسر يعبره إلينا خيرة ما عندهم من الصادقين الشفافين، والشجعان، أما سقط ما عندنا فيذهب اليهم، والحركة في الاتجاهين ليست متوازنة فهناك مليون شخص قادمون إلينا من الكفر للإيمان، ومنا أعداد قليلة تذهب لهم. وأما سؤالك حول نظريتي السياسية ففكرتها أن أمريكا تعتبر السعودية الحليف التكتيكي في المنطقة، وهي في نفس الوقت العدو الاستراتيجي، وتعتبر إيران العدو التكتيكي في المنطقة، ولكنها في نفس الوقت الحليف الاستراتيجي؛ وذلك لأن الدولة السعودية قامت على الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وهذه من المحاذير الكبرى في الغرب، وأما إسلام إيران فهو يتطابق مع أهوائهم، وهو الحليف في المنطقة منذ الحقبة الصفوية، والتاريخ له محاور ثابتة يتمحور حولها. هذا أيضاً قلته منذ ما يقارب 20 سنة، ولمسؤولين كبار في السعودية رغم أن شواهدها لم تعرف إلا منذ فترة. إذ إن بعدها الاستراتيجي كامن لا نراه، في حين أن بعده التكتيكي تغطيه المصالح المشتركة بين السعودية وأمريكا. وعندما تتعارض المصالح التكتيكية مع المصالح الاستراتيجية عندها يغلّب الخيار الاستراتيجي. والحوثيون على سبيل المثال كانوا يرددون شعارات: "الموت لأمريكا والموت لإسرائيل". وعندما دخلوا صنعاء أول ما قاموا به هو حماية السفارة الأمريكية. وعندما سئل السفير الأمريكي في اليمن عن ذلك، ضحك قائلاً: "لا أظن أنهم يعنون ما يقولون". إذ الحقيقة هي عكس ذلك. كما أنه لا يخفى على أحد دور إيران في تمكين أمريكا من احتلال أفغانستان والعراق ومتخذي القرار في الخليج يعتقدون أن دول الخليج العربي حلفاء استراتيجيون وحيدون لأمريكا في المنطقة، لكن هذه الأمور تبيّن عكسها أثناء المحادثات الذرية بين الغرب وإيران قبل سنة ونصف.. حين ذهب الغرب وعلى رأسه أمريكا يهرول لإيران، وتركوا دول الخليج العربي كلها كما يقول المثل الشعبي: "خلوهم على المراح". وأمريكا اعترفت بما قالته إيران: "لولانا لما دخل الأمريكان العراق وأفغانستان". وهذا دليل التحالف بينهم. ولأول مرة يعترف قائد عسكري أمريكي بأن السنة أغلبية في العراق هو بعد الأحداث الأخيرة فيه. بينما كل الأدبيات السابقة للأمريكان يتكلمون عن الأقلية السنية، والأغلبية الشيعية في العراق، والإحصائيات الرسمية تثبت أن الشيعة 36% فقط، بينما السنّة العرب 45% والسنّة الكرد 15% والباقي أقليات من المسيحية، والصابئة،، واليزيدية وغيرهم. وهذا يثبت أن الغرب يكيل بمكيالين في تعاملاته مع المسلمين كما في البوسنة والهرسك عندما قسموها انتقائياً تقسيماً عرقياً، ودينياً في آن واحد. فكان يجب أن يقال عن التقسيم مسلم، كاثوليكي، أورثوذكسي، أو يقال بوسني، كرواتي، صربي. لكن يُخلط بينها فيقولون صربي، كرواتي، مسلم، ليوهموا أن الإسلام دخيل على البوسنة وليس أصيلاً. وقد كتبنا خطاباً إلى سكرتير الأمم المتحدة بهذا الشأن. لكنهم أعادوا نفس الحيلة في العراق فقالوا سني، شيعي، كردي، ليوهموا أن العرب السنة هم أقلية، بينما الصواب كان يجب أن يقولوا سنة وشيعة أو عرب وكرد.
 
 
** ذكرتما أن هناك 3 أنواع من الدول في الشرق الأوسط: الاستراتيجية والتكتيكية، ودول ردة الفعل.. هل وضحتما بشكل أكثر؟
 
نايف وسعود: هناك 3 أنواع من الدول في الشرق الأوسط. أولاً دولة استراتيجية هي إيران وهي أخطرها، التي لها خطط واضحة ومحددة لبناء الدولة منذ أن عاد "الخميني" كانت من أول أهدافها محو الدولة الإمبراطورية "العميقة"، والقضاء على الجيش الإيراني وجنرالاته، وعلى المباحث الإيرانية المسماة "السافاك" التي كانت تعدّ من أعنف مباحث في الشرق الأوسط والعالم، وكان لديه خطة خمسينية واضحة المعالم والأدوات -الهيمنة الشيعية في المنطقة- وثانياً هناك دول تكتيكية أبرزها "إسرائيل" التي لا تعدّ دولة استراتيجية بل دولة "عابرة" ومؤقتة، وهم يعلمون ذلك جيداً، لكن العرب أوهموا أنها باقية، دليلنا أن في العام الماضي السي آي إيه كلفت جامعات بدراستين: الأولى كيف تستطيع أمريكا استيعاب خمسة ملايين يهودي دفعة واحدة، والثانية كيف يكون الشرق الأوسط بعد زوال "إسرائيل". عقلاء "إسرائيل" ومثقفوها يعيشون أسوأ عهودهم في حين أن الساسة والعسكريين يحيون أزهى عهودهم. وثالثاً هناك دول ردة فعل، وهي بقية بلدان الشرق الأوسط. التي تتعامل مع الأزمات بعد حدوثها. وفي هذا الشأن دعني أوضح أن الأمة العربية لها 3 أجزاء رئيسية (جسد، وجناحان).الجسد مكون من شبه الجزيرة العربية التي هي الرحم الدافق للأمة وقلبها، وموقعها الاستراتيجي الواصل بين إفريقيا وآسيا، وأما جناحاها فهما مصر وسوريا الكبرى (الشام والعراق).
 
 
 
** ما هي أبرز التحديات التي تواجه المجتمع السعودي حالياً؟
 
نايف: البنيان الداخلي يجب أن يكون قوياً. ويجب أن نعرف من نحن وماذا نريد، ونعمل على تأصيل معرفة الذات، ومعرفة الآخرين على حقيقتهم وكشف أجنداتهم الخفية. فأهم التحديات التي تواجه المجتمع السعودي أننا لن تقوم لنا نهضة ما دمنا نستهلك ما لا ننتج. 
 
سعود: مناقشة المجتمع لقيادة المرأة للسيارة إهانة للفكر السعودي، وإشغالنا بقضايا جانبية وتسطيحاً لقضايانا المصيرية. بينما لدينا مشاكل أساسية في تحديد معالم الذات. وهناك طرح للإسلام بقوالب لا يعلم بها إلا الله.. تجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، وتهمش المجتمع. والدولة السعودية هي أول محاولة حديثة لتطبيق الإسلام في المجتمع سياسياً، واقتصادياً.. وهذا مشروع الدولة السعودية، وهي أسمى من أن تكون كياناً سياسياً بل مشروع حضاري ذو رسالة. ومع الأسف الإسلام حالياً يهد بمعاول المسلمين، ومحورنا للعشرين سنة القادمة إعادة أولويات المجتمع، والكيان على الأسس الثابتة أما المتغيرات، ومن واكبها فليذهب معها. ومن الثوابت الأساسية أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.. أي أن العدل، والإنصاف، والصدق، والشفافية أكبر مناعة للإسلام وللسلطان من الأجندات الخفية. وهذه أكبر، وأهم أهدافنا أن نحيا هذه المسؤولية.
 
** ما دور الفئة المثقفة في المجتمع؟
 
نايف وسعود: بعض مثقفينا هم إمعات مستغربون، درسوا هناك، وتم برمجتهم وفق تفكير معين.. لهذا ليس لدينا إبداع منذ الخمسينيات الميلادية في بلادنا. للصحافة الصفراء المسلطة على الأمة دور في تسطيحها كما أن للصحافة الهادفة مسؤولية توصيل معالم مشروعنا الحضاري الإسلامي.
 
 
** اسمحا لي أن أقول إنه من السهل عليكما التنظير، وأنتما تعيشان في رفاهية، وتحددان ما يجب أن يفعل وما لا يجب.. لكن لو كنتما صاحبي قرار، وتتحملان المسؤولية لاختلفت وجهات نظركما بسبب حجم التحديات؟ 
 
سعود: لدي مثالان سريعان سيفتحان أعيننا على ما يجري حالياً، نحن أكبر منتج بترول في العالم، ومن أكبر مستهلكي البترول، كذلك نحن أيضاً من أكبر مستهلكي الكهرباء في العالم بمقدار ما تستهلك الصين بمرة ونصف.. ونحن لو أردنا لكُنا أكبر دولة في العالم في إنتاج الطاقة الشمسية فلدينا 350 يوماً مشرقاً في السنة. ومن عيوبنا الاقتصادية أننا لا نكرر من البترول إلا 40% فقط، والباقي نشتريه من الأسواق العالمية، وهل تحتاج أن تكون عبقرياً لكي تفهم الهدر الاقتصادي؟ والسؤال: رغم تجربتنا الطويلة التي تجاوزت 70 عاماً في إنتاج البترول، لماذا لا نزال نستورد مشتقات البترول المكررة؟ لو استطعنا أن نكرر بترولنا لسيطرنا على العالم في هذا الجانب، ولما وجدت لدينا البطالة، ولأصبح راتب العامل السعودي 20 ألف ريال وأكثر. ولكن من الإسراف أن نستنزف البترول بهذه المعدلات. وأذكر أننا اقترحنا على الملك فهد -رحمه الله- بألا نبيع البترول بالدولار، بل بسلة عملات صعبة فنتمكن بذلك من التخطيط الاقتصادي بعيد المدى. 
 
** السؤال للأمير نايف: هل بالإمكان معرفة سبب إغلاق بنكك في سويسرا؟ وكم خسرت بسبب الإغلاق؟
 
نايف: أغلق البنك بسبب تهمة تمويل الإرهاب، ولكن ولله الحمد ثبتت كيدية الاتهامات وشطبت التهمة كليا بعد خراب البصرة؛ إذ إن الخسارة بسبب ذلك أكثر من ملياري دولار بشكل مباشر، وقد أعيدت لنا رخصة البنك من جديد. 

 
** السؤال للأمير نايف: رغم ثرائك.. لماذا اتهمت بتهريب الممنوعات من كولومبيا إلى فرنسا؟
 
سعود: دعني أجيبك أنا: لأنهم يرونه يشكل خطراً على أمنهم القومي، وبسبب اعتقادهم أنه يموّل الإرهاب في الغرب، وهذه التهمة غالباً ما تكون جاهزة لكل من يرفض التعاون معهم، وهاجسهم الربط بين الإرهاب والجريمة المنظمة، وكلها اتهامات باطلة لم تصمد أمام التحقيقات فأسقطت جملةً وتفصيلاً.
 
** السؤال للأمير سعود: أين أنتم من المناقشات الثقافية داخل السعودية مع مختلف التوجهات والتيارات الفكرية؟
 
نايف وسعود: الإنسان يتحرك بالحيز المتاح، فالليبراليون والعلمانيون في عالمنا الإسلامي لم يحيطوا بجوهر المعين الفكري الغربي، وغابت عنهم كونية الفكر الإسلامي فأضحوا معاول هدم لصرح حضارتنا، وتاريخنا ومستقبل أجيالنا. ويمكن القول إن من لدينا هم لا دينيون، حيث إن الترجمة الدقيقة من الفرنسية لكلمة "لاييك" هي لا ديني بينما اختير كلمة علماني بالفرنسية "سينتيفيك" هذا يثبت أن المصطلح مقحم. فهم واحد من ثلاث إما مغرر به أو تابع هوى أو طابور خامس من خفافيش السفارات.
 
** ما هي أبرز أهداف الليبراليين والعلمانيين والملحدين في المنطقة؟
 
نايف وسعود: محاولة البعض تبرير هواهم بإنكار ما يُعلم من الدين بالضرورة ينقلهم من الفسق إلى الكفر، وهذا كمن يستجير من الرمضاء بالنار. نقسم الإلحاد إلى إلحادين العقدي والعملي. ومِن هؤلاء مَن يريد الشهرة، التي يوفرها الغرب له، والمال.
 
 
** هل فعلاً أن المستشرق الذي لم يسلم لم يفهم الإسلام جيداً كما تقولان؟
 
نايف وسعود: نعم المستشرق الذي لم يُسلم لم يفهم الإسلام ولا العروبة بشكل صحيح ودقيق؛ لأن الإسلام والعروبة كالروح والجسد؛ فهما صنوان لا يفترقان.
 
** ما هي موانع انتشار الإسلام في العالم؟
 
نايف وسعود: أكبر معوق لانتشار الإسلام هو جهل بعض المسلمين بإسلامهم!! ولو كان المسلمون على قدر عظمة الإسلام لأسلم كل باحث عن الحقيقة.
 
** هل هناك مشكلة للإسلام مع الآخرين؟ 
 
نايف وسعود: الإسلام تقبّل ما سبقه من أهل الكتاب بينما لم يتقبل اليهود ولا النصارى الإسلام، والحروب الصليبية هي الشاهد، فليس للإسلام تصادم مع الآخر بل الآخر لديه ثأر معنا، وهم يسقطون أزماتهم علينا، وهم: المدعي، والقاضي، والخصم، والجلاد.
 
 
** أنتم وارثا اسم عريق، وتربطكما صلة "نسب" ورحم بالأسرة المالكة، فلماذا اخترتما المجابهة مع الغرب؟ 
 
نايف: الإسلام دين الدليل، والعلم ومعرفتنا للغرب حضارة وفكراً، وديننا أعطانا أدوات التمييز والمقارنة، فمن الصعب أن يرضى بالظلمة من استنار بالضوء، وأن يرضى بالذل من عاش حراً، وهذا كله يكون وعياً يولد صبر المقاوم، ونفس الحر الأبي، وهذه الحالة باختصار هي إفاقة ضمير فيفسرها الآخر على أنها مجابهة. لا شأن للأصل أو القربى بهذا فالموضع موضع تكليف لا تشريف.  
 
سعود: دعني أشرح لك ذلك من خلال موقف حصل لنا من أحد الأثرياء العرب الذي أراد الدخول في شراكة تجارية معنا مجزية، وعند حضوره للرياض لتوقيع العقد. وكنا سمعنا أخبار صحفية عن خسارته مبلغاً كبيراً في ليلة واحدة في أحد كازينوهات "مونتي كارلو"، وقد أحسنا الظن به، وأنه مستهدف كغيره. وفي مكتبنا، وقبل التوقيع على العقد سألناه عن صحة أخبار خسائره الكبيرة، معتقدين أنه سينفيها. وإذا به يتفاخر ويؤكد الخبر فعند سماعنا لذلك رفضنا توقيع العقد وأعتذرنا بأدب. فالعقائد والأخلاق وإن كانت تُعتبر عوائق في هذه الدنيا فهي المنجية يوم لا ينفع مال ولا بنون. 
 
** ما هي أبرز مواقفكما مع الملك فهد والأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمها الله- وخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله؟
 
نايف وسعود: للملك فهد -رحمه الله- مواقف كثيرة من أهمها وأقربها لقلبنا ثقته بعلمنا وصدقنا. قبل احتلال الكويت بـ 5 أعوام تقدمنا بدراسة، توقعنا فيها احتمال دخول صدام للكويت بعد انتهائه من حربه مع إيران، وتوقعنا أنه سيخرج من حربه لا غالب ولا مغلوب، ودون إنجاز كبير، وهذا سيسبب له امتعاضاً هائلاً بين شعبه، فكان الهدف الأسهل هو احتلال الكويت. وطرحنا في دراستنا كيف يمكن إجهاض هذه الفكرة قبل حدوثها بخطة خمسية. فحولت إلى "لجنة الخبراء"، وكان رد اللجنة أن الدراسة دقيقة ولكن هل يُعقل ونحن في القرن العشرين أن تبتلع دولة عربية دولة جارة لها، ووضعوا علامة تعجب واستفهام. وقلت للأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمه الله- أن هذه اللجنة لجنة "غبراء" وليس خبراء. وبعد 5 سنوات عندما احتل "صدام" الكويت قال لنا الأمير سلطان: "تذكران الدراسة اللي قدمتموها من 5 سنوات.. الحين حصل بالضبط الذي ذكرتماه.. أنا أشهد أنهم غبراء أنا أشهد أنهم غبراء". وكذلك في الحرب بين اليمن الجنوبي، واليمن الشمالي كان الأمريكان يوهموننا بأنهم مع الجنوبيين، وهم مع الشماليين أي مع الوحدة، وقد كان هذا رأينا منذ البداية، وقد كان مغايراً للرأي السائد في أروقة القرار. أما مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله هناك الكثير من المواقف، وهي غير قابلة للنشر، فالملك منذ نشأتنا ونحن أطفال نراه ونعتبره والداً لنا؛ لأن والدنا توفّي، وعمرنا سنة ونصف. 
 
 
** ما أكثر ما يخيفكما؟
 
نايف: حمّلت جواب سؤالك هذا لأخي سعود ليقوله لرئيس الاستخبارات الفرنسية عند لقائه به أثناء اتهامي الباطل بتمويل الإرهاب. عندما قال له أخي سعود: "نحن أقوياء لأننا أصحاب حق.. وخوفان في قلب رجل واحد لا يجتمعان، وحبّان في قلب رجل واحد لا يجتمعان، وأخي نايف أحب الله عز وجل فأغناه ذلك عن حب سواه، وخاف الله فحصّنه ذلك من الخوف ممن سواه". 
 
سعود: نعم هذه قناعة وليست غروراً.. ومن يخاف الله يتحرر صاحبه من كل خوف بعده.
 
 
** ما أبرز ما أثّر بشخصيتيكما؟
 
نايف وسعود: اليتم، والغربة في مدارس داخلية فرنسية، في سويسرا، ولبنان، وأمريكا منذ أواخر الستينيات، وحتى منتصف الثمانينيات الميلادية، ونحن نعيش في الغرب، وهذا حصننا وشد مئزرنا. 
 
** ما طموحكما الشخصي؟
 
نايف وسعود: أن نخرج من هذه الدنيا لا لنا ولا علينا، كما قالها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
 
 
** ما أول قرار تتخذانه لو كنتما صاحبي قرار اقتصادي؟
 
سعود: أول قرار ألا نبيع البترول الخام إلا مكرراً أو مصنّعاً.
 
نايف: إيجاد العملة الخليجية الموحدة، وجعلها من العملات الصعبة بإيجاد الطلب عليها ببيع البترول ومشتقاته بهذه العملة.
 
** ما القرار الذي ندمتما عليه في حياتكما؟
 
نايف: ما شاء الله أن أتخذ قراراً، وأندم عليه أبداً، فالقرار الذي أتخذه أشبعه دراسة وتمحيصاً، ثم أستخير الله وأتوكل عليه.
 
سعود: المجاملات العائلية فيما يتعلق بالمبادئ التي أعتقدها لم تجعلني أعبّر عنها بالوضوح المطلوب بعض الأحيان.
 
** هل أنتما راضيان عن نفسيكما؟
 
نايف وسعود: من رضي عن نفسه هلك.
 
 
** كلمة أخيرة تختمان بها اللقاء..
 
نايف وسعود: نودّ أن ننبه أن غيوماً مدلهمّة قادمة إلى المنطقة، وقد نبّهنا إليها منذ أكثر من 10 سنوات، ونراها اليوم تتجسد، ويجب أن نكون على مستوى التحدي، وعلى وسائل الإعلام أن تتحرى الصدق، وأن تهيئ الرأي العام للمراحل القادمة لنحصن المجتمع والكيان. فالآخر يكيد لنا، من صنوف التمزق، والتفرق، والفتن، والتجزئة، وأصبحت أجندته واضحة ولا نستغرب ذلك، لكن من المهم إعادة المعايير، والتوازن، وقياس كل شيء بميزان دقيق وصحيح.