تركي الفيصل يحكي مواقف من حياة والده في "شاهد وشهيد"

مثّل والده الملك المؤسِّس في بريطانيا وهو ابن "13 عاماً"

محمد المواسي- سبق- جازان: أنصت حضور حفل افتتاح معرض الملك فيصل "شاهد وشهيد" في جامعة جازان، البارحة، بحضور أمير منطقة جازان الأمير محمد بن ناصر بن عبد العزيز آل سعود، إلى المواقف التي حكاها الأمير تركي الفيصل، عن والده الملك الشهيد فيصل بن عبد العزيز.
 
وتباينت ردود أفعال الحضور ما بين الحزن والفرحة والانبهار بحنكة وقوة الملك الراحل، التي تجلت من خلال القصص التي حكاها نجله عنه منذ أن كان في الثالثة عشرة من عمره، حيث أسهم في حل نزاعات وقام بتمثيل بلاده في مؤتمرات عالمية، فضلاً عن سرد ملامح شخصيّته التي مازالت محل إعجاب على مستوى العالم.
 
مثّل والده في بريطانيا وهو ابن 13 عاماً
قال الأمير تركي الفيصل إنه عندما كُلّـف الملك فيصل من والده بالمشاركة في مؤتمر السلام بعد الحرب العالمية الأولى، بدعوةٍ من الحكومة البريطانية، أبحر في باخرةٍ من البحرين إلى الهند ومن ثم إلى بريطانيا وسنِّه لم تزل ثلاثة عشر عاماً، فكان الإنجليز عندما رأوه بهذه السن اعتقدوا أنهم يأخذونه بعفويّة في استقباله، حيث لم يكن الاستقبال بذات المستوى الذي أتت به دعوتهم لوالده لحضور المؤتمر.
 
وأضاف الأمير تركي: "لم تمضِ عليه ليلة في مسكنه إلا ودعا مرافقيه، وقال: "لنرحل من هذه البلاد، لنذهب إلى مقر المؤتمر في فرنسا".
 
واتجهوا للميناء ليركبوا باخرة فرنسا وفعلاً وصلوا إلى الشاطئ الفرنسي، ليركض الإنجليز خلفهم يريدون إعادته لبريطانيا، وفعلاً وافق على ذلك وعاد لبريطانيا لكنه لقنهم درساً بعد أن تجاهلوا فيه اللياقة في الاستضافة.
 
وتابع "تركي": "حتى في ذلك المحفل أيضاً عندما ساح في بريطانيا زار ليس فقط لندن، بل بعض المقاطعات".
 
وحكى الأمير "تركي الفيصل" أن أحد السفراء في عهد الملك فيصل، قال إن المملكة العربية السعودية كلها تسير على ساعة الملك فيصل لدقة انضباطها، لما عُرف عنه من أهميّة الانضباط بالوقت.
 
وواصل الأمير تركي الفيصل، سرد قصصاً من حياة والده الملك الشهيد فيصل بن عبد العزيز، حاكياً أول مهمة قام بها "كقائد" والتي كانت تتمثل في استعادة الوحدة بين عسير وسلطنة نجد وملحقاتها، وهو في السادسة عشرة من عمره، حيث استطاع حينها بعفويته وإدراكه ما تعلمه من والده.
 
وقال: "كانت هذه المهمة غير مكلفة من ناحية الأرواح ولا من ناحية المادة؛ فخلال تجواله مع قبائل عسير وأهل المدن كانت المحبة والابتسامة تجمع الناس، حتى تم له الأمر وعاد إلى الرياض واستقبله الملك عبد العزيز بأداء العرضة للافتخار والاعتزاز به".
 
مهمّة الفيصل في حل نزاع الحد الجنوبي
وروى الأمير تركي الفيصل عن والده وبعض المصادر التي استمد منها عن الخلاف الذي كان بين المملكة اليمنية في حينها والمملكة العربية السعودية، قائلاً: "كان يبدو أن للإمام يحيى ملك اليمن حينها أطماعاً في منطقة جازان ومنطقة نجران، وسعى لأن يفصل الرباط القوي الذي كان يجمع هذه المناطق مع بعضها بعضا، وقامت حرب لم تدم طويلاً لكنها كلّفت الكثير من ناحية العمل والأرواح وغيرها؛ من ضمن مَن كلفهم الملك عبد العزيز، الملك فيصل، حيث كان حينها نائباً له في الحجاز، حيث كُلِّف بأن يتوجّه لمنطقة الساحل مروراً بجازان، لمواجهة القوات اليمنية على الحدود، والتي بعضها توغل لداخل منطقة جازان".
 
وأضاف: "يقول والدي إنهم عندما وصلوا لمدينة ميدي، على الحدود في اليمن، وكان عليهم أن يعبروا في وادٍ سحيقٍ بين جبلين كبيرين، وكان واضحاً أن قوات الإمام يحيى مستحكمة في هذين الجبلين، فقام الملك فيصل - رحمه الله - بإرسال السبور - الاستخبارات حالياً - وعلموا أن قوات الإمام يحيى لديها نوعٌ من السلاح بمدى معين، فخمن الملك فيصل مدى الأسلحة أنه لن تصل لأسفل الوادي؛ فأمر الجيش بالمشي في الوادي، وأطلق النار عليهم ولم يُصب أي أحد منهم".
 
وأردف: "والدي قال لي: "عندما شاهدت قوات الإمام يحيى الأمر قالوا إنهم محاطون بالجن وانسحب جيش الإمام من الموقع واستمر الملك عبد العزيز في زحفه إلى أن وصل للحديدة، وكان قد أتى لهذه المهمة بنحو مائة سيارة وشاحنة وهي المرة الأولى التي يستخدم فيها هذه الكثافة في معارك الجزيرة العربية، وكان بقية الجيش على الجمال والخيول يتأخرون عادة ليوم بعد السيارات".
 
وأكمل: "يقول والدي لي: "عندما دخلنا الحديدة ما وجدنا فيها أحد حتى سكانها هربوا للجبال، ولكن رأينا في الميناء ثلاث بواخر جميعها بواخر حربية وعسكرية، لدول بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، ويقول: نزل من السفينة الإيطالية نحو عشرين عسكرياً وقالوا إنهم موجودون هنا لحماية مصالح الرعايا الإيطالية، حيث كان الساحل الغربي مستعمراً، وهم ينتظرون بقية الجيش على الإبل والجمال أن يلحقوا بهم  في الحديدة، ويقول: قال الملك فيصل عبد العزيز لهم عبر المراسيل، نحن نتكفل بحمايتها وعليكم أن تنسحبوا، ومن ثم ذهبوا وتوقفوا في الميناء لكن لم ينسحبوا، فأرسل لهم مندوباً وقال لهم إذا لم تنسحبوا مع طلوع الشمس الذي سيحدث لن يكون في مصلحتكم ولا مصلحتنا".
 
وتابع الأمير "تركي": "يقول الملك فيصل - رحمه الله -: أنا أقول هذا الكلام وأنا لا أعلم الجيش متى سيصل وخشيت لأن العدد الذي كان معي بسيط والباخرة بها مدافع قد تدمر الحديدة بكاملها، وما انتهينا من صلاة الفجر إلا ونحن نسمع صوت الجيش قادمين، وارتحت حينها، وفعلاً انسحبت البواخر وابتعدت عن الميناء وبقيت في البحر".
 
وقال الأمير تركي: "بقي الملك فيصل في الحديدة أربعة أشهر، يأتي إليه من كل أنحاء اليمن من مشايخ وأعيان وقضاة، نحن نريد أن نبايع الملك عبد العزيز والإمام يحيى في صنعاء، وكان الملك فيصل يرسل برقيّات للملك عبد العزيز وهو لا يرد عليها حتى جاءت برقيّة منه تطالبه بتسليم البلد لمندوب الإمام وبسحب القوات والعودة".
 
وفي مؤتمر الطاولة المستديرة يروي الأمير تركي، موقف والده عندما قال له الإنجليز ورئيس الوزراء البريطاني حينها: نحن نشكركم على مجيئكم هنا لأنكم أتيتم معكم بالشمس حيث كان يوماً مشرقاً حيث عُرفت بريطانيا بالضباب؛ فرد الملك فيصل قائلاً: هذا كرم العرب لكم فأنتم ماذا ستقدمون لهم.
 
موقف تركي الفيصل مع والده
ويقول الأمير تركي الفيصل: عندما ذهبت للدراسة في أمريكا وكنت في الرابعة عشرة من عمري حينها شعرت بالغربة بين عددٍ كبيرٍ من الأجانب وأنا بمفردي، وبعد مرور شهر كامل من الدراسة وكانت هناك إجازة لمدة أسبوع فقمت بكتابة خطاب لوالدي وضّحت له مدى اشتياقي للبيت والوالدة ورجوت منه أن يسمح لي في هذه الإجازة البسيطة، ولأن زملائي سيعودون لأهاليهم وسأبقى وحيداً في المدرسة أن أعود للمملكة ولو لمدة أسبوع".
 
وأضاف: "ردَّ أبي عليّ بخطابٍ فيما معناه: "بقدر ما نحن واحشينك أنت توحشنا وبقدر ما البعد مؤثر عليك أيضاً هو مؤثر علينا، وبقدر ما زملاؤك سيذهبون لعوائلهم؛ فأنت لديك إجازة الصيف إن شاء الله، مدة طويلة ممكن أن تأتينا فيها وإن غداً لناظره قريب".
 
ويقول الأمير تركي إنه تعلّم من الخطاب أنه لا مجال لاستعطاف الملك فيصل بن عبد العزيز بمشاعر الأبوة والأخوة، وإنما لا بد من تحكيم العقل قبل تحكيم العاطفة.
 
وأضاف: "مبدأ التواصل كان قائماً لدى الملك فيصل وكان دائماً يجيب كل شخص يتواصل معه".

اعلان
تركي الفيصل يحكي مواقف من حياة والده في "شاهد وشهيد"
سبق
محمد المواسي- سبق- جازان: أنصت حضور حفل افتتاح معرض الملك فيصل "شاهد وشهيد" في جامعة جازان، البارحة، بحضور أمير منطقة جازان الأمير محمد بن ناصر بن عبد العزيز آل سعود، إلى المواقف التي حكاها الأمير تركي الفيصل، عن والده الملك الشهيد فيصل بن عبد العزيز.
 
وتباينت ردود أفعال الحضور ما بين الحزن والفرحة والانبهار بحنكة وقوة الملك الراحل، التي تجلت من خلال القصص التي حكاها نجله عنه منذ أن كان في الثالثة عشرة من عمره، حيث أسهم في حل نزاعات وقام بتمثيل بلاده في مؤتمرات عالمية، فضلاً عن سرد ملامح شخصيّته التي مازالت محل إعجاب على مستوى العالم.
 
مثّل والده في بريطانيا وهو ابن 13 عاماً
قال الأمير تركي الفيصل إنه عندما كُلّـف الملك فيصل من والده بالمشاركة في مؤتمر السلام بعد الحرب العالمية الأولى، بدعوةٍ من الحكومة البريطانية، أبحر في باخرةٍ من البحرين إلى الهند ومن ثم إلى بريطانيا وسنِّه لم تزل ثلاثة عشر عاماً، فكان الإنجليز عندما رأوه بهذه السن اعتقدوا أنهم يأخذونه بعفويّة في استقباله، حيث لم يكن الاستقبال بذات المستوى الذي أتت به دعوتهم لوالده لحضور المؤتمر.
 
وأضاف الأمير تركي: "لم تمضِ عليه ليلة في مسكنه إلا ودعا مرافقيه، وقال: "لنرحل من هذه البلاد، لنذهب إلى مقر المؤتمر في فرنسا".
 
واتجهوا للميناء ليركبوا باخرة فرنسا وفعلاً وصلوا إلى الشاطئ الفرنسي، ليركض الإنجليز خلفهم يريدون إعادته لبريطانيا، وفعلاً وافق على ذلك وعاد لبريطانيا لكنه لقنهم درساً بعد أن تجاهلوا فيه اللياقة في الاستضافة.
 
وتابع "تركي": "حتى في ذلك المحفل أيضاً عندما ساح في بريطانيا زار ليس فقط لندن، بل بعض المقاطعات".
 
وحكى الأمير "تركي الفيصل" أن أحد السفراء في عهد الملك فيصل، قال إن المملكة العربية السعودية كلها تسير على ساعة الملك فيصل لدقة انضباطها، لما عُرف عنه من أهميّة الانضباط بالوقت.
 
وواصل الأمير تركي الفيصل، سرد قصصاً من حياة والده الملك الشهيد فيصل بن عبد العزيز، حاكياً أول مهمة قام بها "كقائد" والتي كانت تتمثل في استعادة الوحدة بين عسير وسلطنة نجد وملحقاتها، وهو في السادسة عشرة من عمره، حيث استطاع حينها بعفويته وإدراكه ما تعلمه من والده.
 
وقال: "كانت هذه المهمة غير مكلفة من ناحية الأرواح ولا من ناحية المادة؛ فخلال تجواله مع قبائل عسير وأهل المدن كانت المحبة والابتسامة تجمع الناس، حتى تم له الأمر وعاد إلى الرياض واستقبله الملك عبد العزيز بأداء العرضة للافتخار والاعتزاز به".
 
مهمّة الفيصل في حل نزاع الحد الجنوبي
وروى الأمير تركي الفيصل عن والده وبعض المصادر التي استمد منها عن الخلاف الذي كان بين المملكة اليمنية في حينها والمملكة العربية السعودية، قائلاً: "كان يبدو أن للإمام يحيى ملك اليمن حينها أطماعاً في منطقة جازان ومنطقة نجران، وسعى لأن يفصل الرباط القوي الذي كان يجمع هذه المناطق مع بعضها بعضا، وقامت حرب لم تدم طويلاً لكنها كلّفت الكثير من ناحية العمل والأرواح وغيرها؛ من ضمن مَن كلفهم الملك عبد العزيز، الملك فيصل، حيث كان حينها نائباً له في الحجاز، حيث كُلِّف بأن يتوجّه لمنطقة الساحل مروراً بجازان، لمواجهة القوات اليمنية على الحدود، والتي بعضها توغل لداخل منطقة جازان".
 
وأضاف: "يقول والدي إنهم عندما وصلوا لمدينة ميدي، على الحدود في اليمن، وكان عليهم أن يعبروا في وادٍ سحيقٍ بين جبلين كبيرين، وكان واضحاً أن قوات الإمام يحيى مستحكمة في هذين الجبلين، فقام الملك فيصل - رحمه الله - بإرسال السبور - الاستخبارات حالياً - وعلموا أن قوات الإمام يحيى لديها نوعٌ من السلاح بمدى معين، فخمن الملك فيصل مدى الأسلحة أنه لن تصل لأسفل الوادي؛ فأمر الجيش بالمشي في الوادي، وأطلق النار عليهم ولم يُصب أي أحد منهم".
 
وأردف: "والدي قال لي: "عندما شاهدت قوات الإمام يحيى الأمر قالوا إنهم محاطون بالجن وانسحب جيش الإمام من الموقع واستمر الملك عبد العزيز في زحفه إلى أن وصل للحديدة، وكان قد أتى لهذه المهمة بنحو مائة سيارة وشاحنة وهي المرة الأولى التي يستخدم فيها هذه الكثافة في معارك الجزيرة العربية، وكان بقية الجيش على الجمال والخيول يتأخرون عادة ليوم بعد السيارات".
 
وأكمل: "يقول والدي لي: "عندما دخلنا الحديدة ما وجدنا فيها أحد حتى سكانها هربوا للجبال، ولكن رأينا في الميناء ثلاث بواخر جميعها بواخر حربية وعسكرية، لدول بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، ويقول: نزل من السفينة الإيطالية نحو عشرين عسكرياً وقالوا إنهم موجودون هنا لحماية مصالح الرعايا الإيطالية، حيث كان الساحل الغربي مستعمراً، وهم ينتظرون بقية الجيش على الإبل والجمال أن يلحقوا بهم  في الحديدة، ويقول: قال الملك فيصل عبد العزيز لهم عبر المراسيل، نحن نتكفل بحمايتها وعليكم أن تنسحبوا، ومن ثم ذهبوا وتوقفوا في الميناء لكن لم ينسحبوا، فأرسل لهم مندوباً وقال لهم إذا لم تنسحبوا مع طلوع الشمس الذي سيحدث لن يكون في مصلحتكم ولا مصلحتنا".
 
وتابع الأمير "تركي": "يقول الملك فيصل - رحمه الله -: أنا أقول هذا الكلام وأنا لا أعلم الجيش متى سيصل وخشيت لأن العدد الذي كان معي بسيط والباخرة بها مدافع قد تدمر الحديدة بكاملها، وما انتهينا من صلاة الفجر إلا ونحن نسمع صوت الجيش قادمين، وارتحت حينها، وفعلاً انسحبت البواخر وابتعدت عن الميناء وبقيت في البحر".
 
وقال الأمير تركي: "بقي الملك فيصل في الحديدة أربعة أشهر، يأتي إليه من كل أنحاء اليمن من مشايخ وأعيان وقضاة، نحن نريد أن نبايع الملك عبد العزيز والإمام يحيى في صنعاء، وكان الملك فيصل يرسل برقيّات للملك عبد العزيز وهو لا يرد عليها حتى جاءت برقيّة منه تطالبه بتسليم البلد لمندوب الإمام وبسحب القوات والعودة".
 
وفي مؤتمر الطاولة المستديرة يروي الأمير تركي، موقف والده عندما قال له الإنجليز ورئيس الوزراء البريطاني حينها: نحن نشكركم على مجيئكم هنا لأنكم أتيتم معكم بالشمس حيث كان يوماً مشرقاً حيث عُرفت بريطانيا بالضباب؛ فرد الملك فيصل قائلاً: هذا كرم العرب لكم فأنتم ماذا ستقدمون لهم.
 
موقف تركي الفيصل مع والده
ويقول الأمير تركي الفيصل: عندما ذهبت للدراسة في أمريكا وكنت في الرابعة عشرة من عمري حينها شعرت بالغربة بين عددٍ كبيرٍ من الأجانب وأنا بمفردي، وبعد مرور شهر كامل من الدراسة وكانت هناك إجازة لمدة أسبوع فقمت بكتابة خطاب لوالدي وضّحت له مدى اشتياقي للبيت والوالدة ورجوت منه أن يسمح لي في هذه الإجازة البسيطة، ولأن زملائي سيعودون لأهاليهم وسأبقى وحيداً في المدرسة أن أعود للمملكة ولو لمدة أسبوع".
 
وأضاف: "ردَّ أبي عليّ بخطابٍ فيما معناه: "بقدر ما نحن واحشينك أنت توحشنا وبقدر ما البعد مؤثر عليك أيضاً هو مؤثر علينا، وبقدر ما زملاؤك سيذهبون لعوائلهم؛ فأنت لديك إجازة الصيف إن شاء الله، مدة طويلة ممكن أن تأتينا فيها وإن غداً لناظره قريب".
 
ويقول الأمير تركي إنه تعلّم من الخطاب أنه لا مجال لاستعطاف الملك فيصل بن عبد العزيز بمشاعر الأبوة والأخوة، وإنما لا بد من تحكيم العقل قبل تحكيم العاطفة.
 
وأضاف: "مبدأ التواصل كان قائماً لدى الملك فيصل وكان دائماً يجيب كل شخص يتواصل معه".
28 نوفمبر 2014 - 6 صفر 1436
05:14 PM

تركي الفيصل يحكي مواقف من حياة والده في "شاهد وشهيد"

مثّل والده الملك المؤسِّس في بريطانيا وهو ابن "13 عاماً"

A A A
0
16,154

محمد المواسي- سبق- جازان: أنصت حضور حفل افتتاح معرض الملك فيصل "شاهد وشهيد" في جامعة جازان، البارحة، بحضور أمير منطقة جازان الأمير محمد بن ناصر بن عبد العزيز آل سعود، إلى المواقف التي حكاها الأمير تركي الفيصل، عن والده الملك الشهيد فيصل بن عبد العزيز.
 
وتباينت ردود أفعال الحضور ما بين الحزن والفرحة والانبهار بحنكة وقوة الملك الراحل، التي تجلت من خلال القصص التي حكاها نجله عنه منذ أن كان في الثالثة عشرة من عمره، حيث أسهم في حل نزاعات وقام بتمثيل بلاده في مؤتمرات عالمية، فضلاً عن سرد ملامح شخصيّته التي مازالت محل إعجاب على مستوى العالم.
 
مثّل والده في بريطانيا وهو ابن 13 عاماً
قال الأمير تركي الفيصل إنه عندما كُلّـف الملك فيصل من والده بالمشاركة في مؤتمر السلام بعد الحرب العالمية الأولى، بدعوةٍ من الحكومة البريطانية، أبحر في باخرةٍ من البحرين إلى الهند ومن ثم إلى بريطانيا وسنِّه لم تزل ثلاثة عشر عاماً، فكان الإنجليز عندما رأوه بهذه السن اعتقدوا أنهم يأخذونه بعفويّة في استقباله، حيث لم يكن الاستقبال بذات المستوى الذي أتت به دعوتهم لوالده لحضور المؤتمر.
 
وأضاف الأمير تركي: "لم تمضِ عليه ليلة في مسكنه إلا ودعا مرافقيه، وقال: "لنرحل من هذه البلاد، لنذهب إلى مقر المؤتمر في فرنسا".
 
واتجهوا للميناء ليركبوا باخرة فرنسا وفعلاً وصلوا إلى الشاطئ الفرنسي، ليركض الإنجليز خلفهم يريدون إعادته لبريطانيا، وفعلاً وافق على ذلك وعاد لبريطانيا لكنه لقنهم درساً بعد أن تجاهلوا فيه اللياقة في الاستضافة.
 
وتابع "تركي": "حتى في ذلك المحفل أيضاً عندما ساح في بريطانيا زار ليس فقط لندن، بل بعض المقاطعات".
 
وحكى الأمير "تركي الفيصل" أن أحد السفراء في عهد الملك فيصل، قال إن المملكة العربية السعودية كلها تسير على ساعة الملك فيصل لدقة انضباطها، لما عُرف عنه من أهميّة الانضباط بالوقت.
 
وواصل الأمير تركي الفيصل، سرد قصصاً من حياة والده الملك الشهيد فيصل بن عبد العزيز، حاكياً أول مهمة قام بها "كقائد" والتي كانت تتمثل في استعادة الوحدة بين عسير وسلطنة نجد وملحقاتها، وهو في السادسة عشرة من عمره، حيث استطاع حينها بعفويته وإدراكه ما تعلمه من والده.
 
وقال: "كانت هذه المهمة غير مكلفة من ناحية الأرواح ولا من ناحية المادة؛ فخلال تجواله مع قبائل عسير وأهل المدن كانت المحبة والابتسامة تجمع الناس، حتى تم له الأمر وعاد إلى الرياض واستقبله الملك عبد العزيز بأداء العرضة للافتخار والاعتزاز به".
 
مهمّة الفيصل في حل نزاع الحد الجنوبي
وروى الأمير تركي الفيصل عن والده وبعض المصادر التي استمد منها عن الخلاف الذي كان بين المملكة اليمنية في حينها والمملكة العربية السعودية، قائلاً: "كان يبدو أن للإمام يحيى ملك اليمن حينها أطماعاً في منطقة جازان ومنطقة نجران، وسعى لأن يفصل الرباط القوي الذي كان يجمع هذه المناطق مع بعضها بعضا، وقامت حرب لم تدم طويلاً لكنها كلّفت الكثير من ناحية العمل والأرواح وغيرها؛ من ضمن مَن كلفهم الملك عبد العزيز، الملك فيصل، حيث كان حينها نائباً له في الحجاز، حيث كُلِّف بأن يتوجّه لمنطقة الساحل مروراً بجازان، لمواجهة القوات اليمنية على الحدود، والتي بعضها توغل لداخل منطقة جازان".
 
وأضاف: "يقول والدي إنهم عندما وصلوا لمدينة ميدي، على الحدود في اليمن، وكان عليهم أن يعبروا في وادٍ سحيقٍ بين جبلين كبيرين، وكان واضحاً أن قوات الإمام يحيى مستحكمة في هذين الجبلين، فقام الملك فيصل - رحمه الله - بإرسال السبور - الاستخبارات حالياً - وعلموا أن قوات الإمام يحيى لديها نوعٌ من السلاح بمدى معين، فخمن الملك فيصل مدى الأسلحة أنه لن تصل لأسفل الوادي؛ فأمر الجيش بالمشي في الوادي، وأطلق النار عليهم ولم يُصب أي أحد منهم".
 
وأردف: "والدي قال لي: "عندما شاهدت قوات الإمام يحيى الأمر قالوا إنهم محاطون بالجن وانسحب جيش الإمام من الموقع واستمر الملك عبد العزيز في زحفه إلى أن وصل للحديدة، وكان قد أتى لهذه المهمة بنحو مائة سيارة وشاحنة وهي المرة الأولى التي يستخدم فيها هذه الكثافة في معارك الجزيرة العربية، وكان بقية الجيش على الجمال والخيول يتأخرون عادة ليوم بعد السيارات".
 
وأكمل: "يقول والدي لي: "عندما دخلنا الحديدة ما وجدنا فيها أحد حتى سكانها هربوا للجبال، ولكن رأينا في الميناء ثلاث بواخر جميعها بواخر حربية وعسكرية، لدول بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، ويقول: نزل من السفينة الإيطالية نحو عشرين عسكرياً وقالوا إنهم موجودون هنا لحماية مصالح الرعايا الإيطالية، حيث كان الساحل الغربي مستعمراً، وهم ينتظرون بقية الجيش على الإبل والجمال أن يلحقوا بهم  في الحديدة، ويقول: قال الملك فيصل عبد العزيز لهم عبر المراسيل، نحن نتكفل بحمايتها وعليكم أن تنسحبوا، ومن ثم ذهبوا وتوقفوا في الميناء لكن لم ينسحبوا، فأرسل لهم مندوباً وقال لهم إذا لم تنسحبوا مع طلوع الشمس الذي سيحدث لن يكون في مصلحتكم ولا مصلحتنا".
 
وتابع الأمير "تركي": "يقول الملك فيصل - رحمه الله -: أنا أقول هذا الكلام وأنا لا أعلم الجيش متى سيصل وخشيت لأن العدد الذي كان معي بسيط والباخرة بها مدافع قد تدمر الحديدة بكاملها، وما انتهينا من صلاة الفجر إلا ونحن نسمع صوت الجيش قادمين، وارتحت حينها، وفعلاً انسحبت البواخر وابتعدت عن الميناء وبقيت في البحر".
 
وقال الأمير تركي: "بقي الملك فيصل في الحديدة أربعة أشهر، يأتي إليه من كل أنحاء اليمن من مشايخ وأعيان وقضاة، نحن نريد أن نبايع الملك عبد العزيز والإمام يحيى في صنعاء، وكان الملك فيصل يرسل برقيّات للملك عبد العزيز وهو لا يرد عليها حتى جاءت برقيّة منه تطالبه بتسليم البلد لمندوب الإمام وبسحب القوات والعودة".
 
وفي مؤتمر الطاولة المستديرة يروي الأمير تركي، موقف والده عندما قال له الإنجليز ورئيس الوزراء البريطاني حينها: نحن نشكركم على مجيئكم هنا لأنكم أتيتم معكم بالشمس حيث كان يوماً مشرقاً حيث عُرفت بريطانيا بالضباب؛ فرد الملك فيصل قائلاً: هذا كرم العرب لكم فأنتم ماذا ستقدمون لهم.
 
موقف تركي الفيصل مع والده
ويقول الأمير تركي الفيصل: عندما ذهبت للدراسة في أمريكا وكنت في الرابعة عشرة من عمري حينها شعرت بالغربة بين عددٍ كبيرٍ من الأجانب وأنا بمفردي، وبعد مرور شهر كامل من الدراسة وكانت هناك إجازة لمدة أسبوع فقمت بكتابة خطاب لوالدي وضّحت له مدى اشتياقي للبيت والوالدة ورجوت منه أن يسمح لي في هذه الإجازة البسيطة، ولأن زملائي سيعودون لأهاليهم وسأبقى وحيداً في المدرسة أن أعود للمملكة ولو لمدة أسبوع".
 
وأضاف: "ردَّ أبي عليّ بخطابٍ فيما معناه: "بقدر ما نحن واحشينك أنت توحشنا وبقدر ما البعد مؤثر عليك أيضاً هو مؤثر علينا، وبقدر ما زملاؤك سيذهبون لعوائلهم؛ فأنت لديك إجازة الصيف إن شاء الله، مدة طويلة ممكن أن تأتينا فيها وإن غداً لناظره قريب".
 
ويقول الأمير تركي إنه تعلّم من الخطاب أنه لا مجال لاستعطاف الملك فيصل بن عبد العزيز بمشاعر الأبوة والأخوة، وإنما لا بد من تحكيم العقل قبل تحكيم العاطفة.
 
وأضاف: "مبدأ التواصل كان قائماً لدى الملك فيصل وكان دائماً يجيب كل شخص يتواصل معه".