"المدينة الفاضلة" تُسعد سكانها صيفاً وشتاءً.. والأمطار لا ترعبهم

الجبيل.. نموذج التناقضات بين المدن السعودية بمثالية

عيسى الحربي- سبق- الرياض: في الوقت الذي كشرت فيه العديد من مدن السعودية في وجه سكانها عندما هطلت الأمطار؛ إذ تُدخلهم في معاناة لا حصر لها، قد تنتهي بوفاة البعض، كما حدث في مواسم أمطار مكة المكرمة وجدة، تخالف مدينة الجبيل الصناعية المشهد العام، وتبتسم لسكانها صيفاً وشتاءً؛ وتوفر لهم السعادة على مدار العام، وتُشعرهم بالأمن والأمان، سواء في مساكنهم، أو أعمالهم، أو في شوارع المدينة.
 
ورغم المبالغ الضخمة التي أُنفقت على تأسيس وتشييد المدن في السعودية إلا أن الجبيل تبقى المدينة المثالية، والقدوة في بناء المدن العالمية؛ ليس لسبب سوى أنها أُقيمت على معايير بناء عالمية نموذجية من الألف إلى الياء، وتمتعت برؤية تستشرف الحاضر، وتخطط للمستقبل، ولم تلحقها شُبهة فساد مسؤول، أو مجاملات مُراقب، أو تلاعب مقاول.
 
وينظر المواطنون إلى هذه المدينة على أنها "ترمومتر" لقياس درجة الفساد في مدن أخرى، تتمتع بميزانيات ضخمة، تُنفق على مشاريع بلدية، ورغم ذلك ينكشف زيف هذه المشاريع مع أول اختبار أمطار يهطل عليها؛ فتذهب الأرواح، وتُفقد الممتلكات!
 
 الجبيل الصناعية
الجبيل مدينة سعودية، تقع في المنطقة الشرقية، وتحديداً شمال مدينة الدمام، وتبعد عنها نحو 85 كيلومتراً على ساحل الخليج العربي، ويحدها البحر من الجهتين (الشمالية والشرقية)، ويقدَّر عدد سكانها بأكثر من 450 ألف نسمة، وتُقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول الجبيل الصناعية، التي تضم المصانع الكبرى، وتحتوي على الجبيل١ والجبيل٢ والمنطقة السكنية الحديثة، وتدار من قِبل الهيئة الملكية، التي تعتبر أعلى مدينة نمواً في السعودية بمقياس نمو ٢١٪ سنوياً من السبعينيات. أما القسم الثاني فهو البلد، ويبعد عن الجبيل الصناعية بما يقارب ١٥ كم، ويقطنه أهل الجبيل القدامى. والقسم الثالث هو الجبيل التحلية التي أُنشئت من أجل سكن موظفي "التحلية".
 
 و"الجبيل" عبارة عن ميناء قديم، وسُميت بهذا الاسم نسبة إلى الجبل البحري الواقع في الزاوية الشمالية الشرقية من المدينة. وقد اختفت معظم معالم هذا الجبل الصغير عند دفن مياه البحر لتجهيز وبناء ميناء الجبيل التجاري.
 
 استراتيجية متقنة
تتسلح الجبيل باستراتيجية عمل مُتقنة، تفتقدها غالبية مدن السعودية. وتُسيِّر هذه الاستراتيجية كل أمور المدينة بأساليب علمية دقيقة، لا تهاون أو تفريط فيها. وراعت الرسومات الهندسية للمدينة التحديثات المرحلية والتوسعات المستقبلية. وتمتلك المدينة بنية تحتية متميزة؛ جعلتها واحدة من أفضل المدن على مستوى العالم؛ فالمدينة تخدمها شبكات تصريف الأمطار، التي صُممت إبان إنشاء المدينة لاستيعاب أعلى معدل للأمطار والسيول، مع توفير الاحتياطات لتخزين مياه الأمطار ضمن المنطقة المعرضة للانغمار على جانبي القنوات الرئيسية، وذلك على أساس أعلى معدل لمياه الأمطار والسيول على مدى 100 عام. ونجحت الشبكة في تصريف سيول قدَّرتها الهيئة الملكية بـ"4 ملليمترات". ورغم تواصل هطول الأمطار في السنوات الماضية إلا أن الشوارع والطرق الرئيسية لم تتأثر، وظلت شبه جافة، وسارت الحركة المرورية بطريقة سلسلة وانسيابية تامة، ويمارس أهالي الجبيل حياتهم بشكل طبيعي. 
 
شبكات التصريف
تنقسم شبكات التصريف في المدينة إلى ثلاثة أقسام: شبكة التصريف الفرعية، وفيها يتم تجميع مياه الصرف من المناطق السكنية والتجارية والصناعية، وتحتوي على شبكة أنابيب مطمورة ومغلقة للتصريف. والقسم الثاني: شبكة التصريف الثانوية، ويتم من خلالها تجميع مياه الصرف من شبكة التصريف الفرعية، وتصريف مياه الصرف إلى الشبكة الرئيسية، وتم تصميمها وفقاً للحد الأقصى لغزارة هطول الأمطار والسيول بمدينة الجبيل الصناعية خلال فترة (25) سنة. والقسم الثالث: شبكة التصريف الأساسية. وتستقبل هذه الشبكة مياه الصرف من شبكة التصريف الفرعية وشبكة التصريف الثانوية. وقد تم تصميمها وفقاً للحد الأقصى لغزارة هطول الأمطار والسيول في مدينة الجبيل الصناعية خلال فترة 50 سنة، ولها السعة الكافية لمنع حدوث فيضان المياه نتيجة لأعلى كثافة أمطار خلال فترة مائة سنة. وتحتوي هذه الشبكة على قنوات شبه مفتوحة منحرفة ومبطنة بالخرسانة أو الأسفلت لتصريف المياه إلى البحر.
 
 السياحة والترفيه
سياحياً، تجتذب محافظة الجبيل عدداً كبيراً من السياح في الشواطئ والمتنزهات والساحات الخضراء. والجبيل بما تمتلكه من شواطئ رملية، وما تحوزه من مصائد للأسماك، تجتذب مئات المتنزهين من الشباب الذين ينظمون رحلات بحرية وخلوية. وأكملت بلدية محافظة الجبيل الصورة البهية للمدينة بتجميل الشوارع وتزيين مداخل المحافظة. ومن أهم المواقع المشهورة في محافظة الجبيل الواجهة البحرية (الكورنيش)، الذي يقع في الجبيل البلد، والذي يكتسي بالمسطحات الخضراء والاستراحات المهيَّأة للعوائل، التي تطل على البحر مباشرة. ويمثل "الكورنيش" المتنفس الرئيسي لسكان الجبيل البلد، إضافة إلى تميّزه بالممرات الساحلية؛ لذا يتجول عدد كبير خلال العيد بين أشجاره، وتُخصّص فيه أماكن للجلوس على الأرصفة العريضة، كما تتوافر به مجموعة من المطاعم وألعاب الأطفال. 
 
شاطئ الفناتير
وهناك شاطئ الفناتير بالجبيل الصناعية، الذي يُعدُّ الأحدث على مستوى المحافظة من حيث الإنشاء. ويتميز هذا الشاطئ بتوافر المسطحات الخضراء للعوائل والشباب، التي تُستخدم للتنزه، كما تقام به الكثير من الأنشطة الترفيهية، مثل التزلج على الماء ومسابقات الصيد ومسابقات الغوص. وهناك أيضاً شاطئ النخيل، الذي يتميز بوفرة النخيل، ووجود مجموعة كبيرة من ألعاب الأطفال. وتشتهر الجبيل بجزر عدّة، تبعد عن شواطئها مسافة ساعة، من أهمها جزيرة "جنة" و"اللتان"، وتمتازان بالطبيعة الخلابة والجو المعتدل، خاصة في هذه الأوقات من أيام السنة. وكثير من السياح السعوديين والأجانب يقصدون تلك الجزر لقضاء وقت ممتع. ويوجد أكثر من جهة يمكن أن تقوم بترتيب رحلة لتلك الجزر لمدة يوم كامل بمبالغ معقولة ومقبولة. كما تمتاز تلك الجزر بالمناظر المائية الخلابة التي يستمتع بها الغواصون الذين يجدون في تلك الجزر متعة الغوص الحقيقية. كما تمتاز الجبيل بوجود مساحات برية واسعة، يقصدها الكثير من أهالي الجبيل، وكذلك الزوار. ومن أبرز تلك الأماكن منطقة "رأس الزور" ومنطقة الخرسانية ومنطقة الفاضلي ومنطقة الصم.
 
 المدينة السكنية
ولا تقتصر مزايا الجبيل على عالمية الصناعة فيها، وتوفير الوظائف المناسبة، والترفيه النموذجي، والسياحة، والسكن الهادئ والآمن، والمناظر الطبيعية الخلابة.. وإنما تتمتع بانسياب الحركة المرورية فيها، نتيجة ما تمتلكه الهيئة الملكية من بنية تحتية متميزة؛ جعلتها واحدة من أفضل المدن على مستوى العالم. وأشار بحث علمي، أعده المتحف الإقليمي بالدمام، إلى أن الجبيل منطقة أثرية؛ وجدت بها بعثة المسح الأثري في العام 1397هـ 27 موقعاً أثرياً، شملت منطقة أبو شريف والمباركية والعبا. وشُيدت المنطقة السكنية في مدينة الجبيل الصناعية على طراز حديث، يجمع بين القيم الإسلامية السمحة والتقاليد العربية السعودية العريقة من جهة، ووسائل المعيشة العصرية المتقدمة من جهة أخرى. كما وُضعت خطة متكاملة وشاملة، توضح مراحل إنشائها وتطويرها، إضافة إلى تخصيص الأراضي، وكيفية استخدامها، وتحديد مواقع مرافق الخدمات العامة، كالمساجد، والمدارس، والأسواق، والمرافق الترفيهية، والشواطئ وتخطيط الطرق. وتقع المنطقة السكنية في مدينة الجبيل شمال المنطقة الصناعية، وهي محاطة بحزام أخضر من المناطق المشجرة، وتبلغ مساحتها 80 كيلومتراً مربعاً، في موقع فريد على هيئة شبه جزيرة، يتوسطها شمالاً خليج بحري، يقسمها إلى قسمين، في حين يمتد من شطرها الأيمن لسان بحري باتجاه الشرق في مياه الخليج العربي مكوناً بذلك منطقة ساحلية، تتميز بجمالها الطبيعي، وعلى امتداد شاطئ متصل، يبلغ طوله 45 كيلومتراً. ويقع مركز المدينة الاجتماعي والتجاري عند مدخل شبه الجزيرة، التي يفصلها حزام صحراوي عريض عن المنطقة الصناعية.

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2021