حرب التجارة بعد قمة العشرين

على الرغم من حرص الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو على وجوب تركيز قمة مجموعة العشرين، التي عُقدت في بالي، على القضايا الاقتصادية العالمية؛ إلا أن صوت الصراعات الجيو- سياسية، كان أعلى من صوت القرارات الاقتصادية؛ حيث سعت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون إلى أن تكون أجواء الحرب في أوكرانيا حاضرة في هذا المؤتمر. وتَمثل ذلك في البيان الختامي الذي أدان هذه الحرب وإن لم يحصل على الإجماع من دول ترى ألا مصلحة لها في دعم طرف ضد آخر.

لقد رفعت الدولة التي استضافت قمة أكبر اقتصاديات العالم شعار "التعافي معًا، والتعافي بشكل أقوى"؛ لكن ثلاثة من رؤساء الوفود المشاركة- رئيس الوزراء الكمبودي، ورئيس الوزراء الأرجنتيني، ووزير الخارجية الروسي- تعرضوا لحالات مرضية، ربما تعكس حالة الاعتلال التي تعاني منها بعض القيادات السياسية لهذه المجموعة. وفي الحقيقة أن قمة العشرين لم تقدّم مؤشرات كثيرة على التعافي السياسي والاقتصادي في العالم؛ على الرغم من تفاوت الهموم والأزمات التي تتعرض لها كل دولة.

والسبب في هذا الاعتلال هو ما شخّصه وزير الخارجية الأرجنتيني، الذي خاطب المؤتمر بقوله: "في نصف الكرة الشمالي، يبيع تجار الموت أسلحة القتل؛ بينما لا يموت الناس في نصف الكرة الجنوبي من الرصاص والصواريخ وإنما من الفقر والجوع." وكانت المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي كريستالينا جيورجيفا أكثر تفصيلاً في وصف العلاج بقولها: "لا يمكن حل المشكلات الجيو- سياسية من خلال إجراءات السياسات الاقتصادية؛ لأنها لا يمكن أن تجعل مستوى التعاون الاقتصادي بالمستوى الذي يجب أن يكون عليه".

لقد شهد الاقتصاد العالمي العام الماضي بعض التعافي من آثار وباء كوفيد-19؛ لكن الحرب "الهجينة" في أوكرانيا، وكوارث التغير المناخي جاءت لتبطئ هذا التعافي. وبدلاً من وقف هذه الحرب المدمرة من خلال الطرق الدبلوماسية، قامت الدول الغربية بتغذية هذه الحرب وإطالة أمدها بفتح أنابيب الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا، وفرض عقوبات اقتصادية على روسيا وصلت إلى حد "الاستيلاء" على أصول البنك المركزي الروسي "لتعويض أوكرانيا" لتمويل شراء الأسلحة الغربية؛ فهذه الدول التي تبدو كريمة في مساعداتها لأوكرانيا سوف تُطالبها لاحقًا بدفع الفاتورة إذا لم تنتصر في هذه الحرب بالوكالة، وهذا انتصار مستبعد. وربما لن تطلق الدول الغربية "مشروع مارشال" لإعادة إعمار ما دمرته الحرب مثلما فعل الحلفاء لإعادة إعمار أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وعلى أوكرانيا أن تنتظر طويلًا كما تنتظر سوريا المدمرة.

وإذا ما استمر التضخم في الارتفاع، وإذا ما واصلت الولايات المتحدة رفع نسبة الفائدة؛ فإن هذا سيؤدي إلى تقوية الدولار ومن ثم زيادة أسعار واردات الدول الفقيرة المتضرر الأكبر من سياسات الدول الاستعمارية السابقة التي تقف وراء كل الحروب والكوارث في العالم لتهيئة الظروف لاستعمار جديد أكثر قسوة وضراوة من الاستعمار القديم.

ونتيجة لهذه السياسات التي تغذي الحمائية والتنافسية غير الشريفة وعسكرة الاقتصاد والتجارة التي تقودها مجموعة السبع الكبار G7؛ فإن العالم مقبل على مستقبل أكثر قتامة وهي الصورة التي رسمها رئيس وزراء بريطانيا الجديد ريشي سوناك، ذي الأصول الهندية والانتماء الهندوسي، والأغنى من العائلة المالكة البريطانية، الذي وعد "ببذل قصارى جهده لخدمة البريطانيين" ومنع طوفان قوارب الموت التي تحمل فقراء إفريقيا وبعض الدول العربية الهاربين من غول الجوع وفساد الحكومات.

وفي مؤتمره الصحفي في أعقاب قمة مجموعة العشرين، قال سوناك إن التضخم أصاب ثلث الاقتصاد العالمي الذي سيعاني من الركود وعدم اليقين والصدمات في عقود قادمة.

فإذا كان هذا حال اقتصاديات الدول الرأسمالية؛ فكيف سيكون حال الدول الفقيرة المثقلة بالديون في عالم تسود فيه سياسة "أنا رابح وأنت خاسر" و"بلدي أولاً"؟.

ما العمل؟

لقد كشفت الحرب في أوكرانيا عن أخبث السياسات الغربية في استخدام المدافع للتغطية لتنفيذ المخططات الاقتصادية، مثال ذلك اللجوء إلى تجميد استثمارات الدول التي تعتبرها الدول الغربية دولاً معادية، والحد من حرية الوصول إلى أنظمة الدفع العالمية والحصول على التكنولوجيا. ويمكن لهذه الدول أن تلجأ إلى هذه الإجراءات، التي تفتقر إلى المسوغات القانونية أو الأخلاقية، حتى في حال الاختلاف في الرؤى والمواقف السياسية.

في خضم هذه الأحداث والتوترات والصراعات العسكرية والاقتصادية المتسارعة، يبدو أن قيادة المملكة قد قرأت هذه الصورة تمامًا، وتدرك أن وعود الدول الغربية لمساعدة الدول الفقيرة لن تتحقق. لهذا جاء هذا التحرك المدروس بعناية، الذي لا يكاد يتوقف والذي يقوم به سمو ولي العهد محمد بن سلمان، بدءًا من قمة المناخ في شرم الشيخ وإعلان مبادرة الشرق الأوسط الأخضر، مرورًا بقمة مجموعة العشرين، ووصولاً -وليس انتهاءً- بزيارة كوريا الجنوبية، واستعدادًا لزيارة الرئيس الصيني.

من الواضح أن سمو ولي العهد، الذي تمنى أن تنفّذ قرارات قمة العشرين، يتسامى على تصرفات بعض قادة الدول الغربية ويتركهم وراءه، مصمم على تنفيذ رؤية المملكة 2030 على أرض الواقع من خلال استراتيجية استشرافية بعيدة المدى، يستعين فيها بكل الأذرع المالية الضخمة، ومنها صندوق الاستثمارات العامة، وترسانة الخبرات والأدمغة الاقتصادية السعودية لتنويع سلة التعاون مع دول العالم والاهتمام أكثر بسوق "النمور الآسيوية" لاستغلال قدرات البلاد لصالح شعبها وشعوب العالم الفقيرة، ويبعث برسالة إلى رأس المال الأجنبي بأن المملكة ملاذ آمن وموثوق به للاستثمار، وبأنها كما قال سفيرنا لدى كوريا الجنوبية سامي السدحان في مقابلة تلفزيونية؛ تهدف إلى تحويل الاقتصاد السعودي من اقتصاد مستهلك للتقنية والصناعات، إلى اقتصاد منتِجٍ لها يستحوذ على حصته في الاقتصاد العالمي الذي بات في مهب الريح بسبب سياسات الاحتكار التي باتت معروفة للجميع.

أخبار قد تعجبك

No stories found.
صحيفة سبق الالكترونية
sabq.org