الفكرة المسمومة أخطر من الرصاصة

تم النشر في

لم يعد الاستهداف في هذا العصر محصورًا في المواجهات المباشرة أو التهديدات التقليدية، بل بات أكثر تعقيدًا وهدوءًا، يتسلل إلى العقول قبل أن يطرق الأبواب. وفي هذا السياق جاءت تصريحات العقيد تركي من مقبل الحربي ، المتحدث الرسمي لأمن الدولة، لتؤكد أن الخطر الحقيقي اليوم قد لا يكون ظاهرًا، بل متخفيًا في صورة أفكار ومشروعات فكرية خارجية تُقدَّم بواجهة جذابة وأهداف غير معلنة.

هذه المشروعات لا تأتي غالبًا بلغة العداء أو الصدام، بل تتدثر بشعارات براقة مثل الوعي، والحرية، والتغيير، والإصلاح. غير أنها تعمل في العمق على إعادة تشكيل القناعات، وزعزعة الثقة، وبث الشك في الثوابت، وإضعاف الرابط بين الفرد ووطنه ومؤسساته. وخطورتها أنها لا تُفرض بالقوة، بل تُسوَّق كخيار شخصي ورأي مستقل، ما يجعل تأثيرها أعمق وأطول مدى.

إن استهداف المملكة فكريًا ليس حدثًا عابرًا، بل نتيجة طبيعية لما حققته من استقرار، ونمو، وحضور إقليمي ودولي مؤثر. وحين تعجز بعض الأطراف عن إيقاف مسيرة الدول الناجحة عبر الوسائل التقليدية، تلجأ إلى أدوات أكثر خفاءً، هدفها التشويش على الداخل، وبث الإحباط، وتقليل الثقة بالمنجزات الوطنية، وإرباك المسار التنموي.

تحذير المتحدث الرسمي لأمن الدولة لا يدعو إلى الخوف أو الانغلاق، بل يضع المجتمع ،وخاصة فئة الشباب أمام مسؤولية الوعي والانتباه.

فالمطلوب ليس رفض كل فكر، بل القدرة على التمييز بين الحوار المسؤول والطرح الصحي، وبين الأفكار الموجّهة والممولة التي تُدار بأجندات خارجية لا تتقاطع مع مصلحة الوطن ولا مع استقراره.

الشباب اليوم في قلب هذه المعركة الفكرية، ليس لأنهم نقطة ضعف، بل لأنهم مصدر التأثير والقوة. وحمايتهم لا تكون بالمنع أو التضييق، بل ببناء وعي نقدي يسأل قبل أن يصدق، ويفكر قبل أن ينساق، ويقرأ ما وراء الرسائل لا ظاهرها فقط.

إن حماية الأوطان لم تعد تقتصر على حماية الحدود، بل تمتد إلى حماية العقول، وصيانة الهوية، وتعزيز الانتماء الواعي. فالفكرة المسمومة قد تُحدث أثرًا لا تُحدثه رصاصة، بينما الوعي الصادق يبقى خط الدفاع الأول.

وعندما يكون الوعي حاضرًا،

يصبح الوطن أكثر أمنًا.

صحيفة سبق الالكترونية
sabq.org