البئر العميقة..!

تم النشر في

حُفرة سحيقة في ذات كل منا، تبدأ منذ أن يُخلق الإنسان، ويبدأ في التشكُّل، تزداد طولاً وعمقًا مع الأيام والسنين، ومن خصائصها أنها لا يمكن أن تبقى فارغة؛ فهي بئر عميقة، يسهل الوصول لقاعها في سنوات العمر الأولى، ولكن كلما تراكمت السنون صار الوصول للقاع أصعب.

أما نوعية ما يملأ هذه الحفرة وجودته فهو ما يحدد سواء الشخص النفسي من عدمه! فعندما تمتلئ الحفرة يشبع صاحبها، ولكن نوع الإشباع هو مربط الفرس وبيت القصيد. قد يتم إشباع الإنسان بشكل آمن وصحي من خلال والديه بالحب والتقدير والإحساس بالقبول؛ فلا يصبح بحاجة للبحث عما يردم تلك الحفرة؛ ويغدو فردًا سويًّا. وقد يشبع الإنسان فراغًا بداخله عندما يكبر من خلال إدمان عادات سيئة تضره، كالطعام والتسوق والتعلق المَرضي بالطرف الآخر، أو قد يدمن ما هو أخطر كالدخان والكحول!

والآن لنعُد لأصل الحكاية، ما هي الحفرة وكيف تُملأ؟ الحفرة هي الحاجات الإنسانية الفطرية، وهي تتنوع بين حاجات فسيولوجية ملموسة، كالنوم والغذاء، وحاجات معنوية؛ لا تُرى ولا تُقاس، ولكن أثرها ذو تأثير صارخ في حياة الفرد، مثل الحاجة للاعتبار، والتقدير، والتفهم، والحب، والأمان.

عزيزي القارئ، قد تمرُّ على تلك السطور وتعتقد أنك ختمت منهج العطاء، وأشبعت أطفالك بما فيه الكفاية، ولكن الفكرة أن مرحلة الإشباع لا يصل لها الكثير، ووجود أي مشكلة سلوكية مزعجة في الطفل والمراهق والبالغ، على حد سواء، إنما هي دليل قاطع على حاجة نفسية لم تشبع!

وحل المشكلة مهما اختلف عمر الإنسان هو بالوصول لقاع البئر، وتنظيفه، ثم إعادة تعبئتها بشكل صحيح. والمفارقة أن الوصول لقاع البئر في الطفولة يُعد أمرًا سهلاً عندما يتسلح المرء بالمعرفة والإرادة لحلها. بينما قاع البئر أصعب وصولاً في عمر المراهقة، ولكنه ليس مستحيلاً، ويحتاج لصبر وجهد أكثر. أما في عمر الرشد فسيكون تحديًا على الشخص نفسه؛ إذ سيكون عندئذ الشخص الوحيد المسؤول عن إنقاذ نفسه ومساعدتها على النهوض، وتجاوز العثرات النفسية والمشكلات الحياتية.

لتوضيح القصة أكثر، لنتخيل طفلاً في الثانية عندما لا تشبع حاجة الأمان لديه -على سبيل المثال- سيصبح عدوانيًّا؛ يرمي بالأشياء، كثير البكاء، ويواجه مشكلات متعددة عند النوم. أما طفل السادسة فستختلف استجابته؛ فقد يعاني التبول اللاإرادي، أو قضم الأظافر، أو التمرد على السلطة.

أما المراهق عندما يهز كتفيه مشرئبًا وهو يمسك بالسيجارة فهي علامة واضحة على تردي منسوب الإشباع في الحاجات النفسية في طفولته وحاضره. ربما يتلقى توبيخًا أكثر من اللازم، وينظر لسلبياته بالمجهر بينما يتم تجاهُل إيجابياته.

يختلف نوع الاستجابة وحدّة المشكلة، وتتعاظم كلما كَبُر الفرد. وهنا يكون لزامًا أن نفهم كيف نحتوي ونُشبع أطفالنا بالحب بشتى الطرق، وأن نشعرهم بالأهمية والتقدير مهما كثر عددهم، أو كثرت انشغالاتنا.. أن نتلمس مشاعرهم، ونفهم ردات فعلهم، ونستمع لمشكلاتهم البسيطة، ونتعاطف مع مشاعرهم الثقيلة، ونحضر في لحظاتهم المهمة، نشاركهم، نمسح على رؤوسهم، ونربت على أكتافهم مهما بلغوا من العمر؛ فرصيدهم الممتلئ هو صمام الأمان لحاضرهم ومستقبلهم بإذن الله.

ومع المحاولة والتعلم سنكون مع الوقت أكثر انتباهًا وملاحظة؛ لنربط بين السلوكيات المزعجة والحاجات التي نكون قد غفلنا عنها؛ فنتراجع ونصحح مسارنا؛ لنملأهم قوة وصلابة نفسية، تقودهم نحو النجاح والفلاح، بدلاً من أن نورثهم عُقدًا نفسية تقيدهم؛ فنكون عونًا لهم على الحياة، لا أن نكون بجهلنا أو عنادنا أو كبريائنا سبب تعثرهم من البداية!!

وختامًا أقول: تأكد أن محاولاتك ستكون مرئية لهم، وتشفع لك حين تخور قواك، وتضعف، وتخفق في العطاء ابتعادًا، أو قسوة عارضة، أو غيابًا مؤقتًا؛ لأنها طبيعة الحياة؛ فلا وجود لكمال مطلق إلا في الحكايات الخيالية حيث لا ننتمي.

صحيفة سبق الالكترونية
sabq.org