وزارة الثقافة تُبقي التاريخ متوهجًا

فعاليات موسم رمضان التي تنظمها وزارة الثقافة في مدينتيْ جدة والرياض ومدن أخرى، أحيت في وجدان المشاركين فيها والمتابعين لها ذكريات مرتبطة بالعادات الوطنية الأصيلة، التي توشك على الاندثار أمام هجمة العولمة الطاغية التي أخذت تجتاح كل مناحي الحياة؛ ليس في المملكة فحسب؛ بل وفي كل دول العالم.

تقول أدبيات وزارة الثقافة، التي يقودها الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، إنها تهدف من خلال موسم رمضان إلى تأصيل ثقافة وعادات المجتمع السعودي الأصيلة المرتبطة بهذا الشهر الفضيل؛ وذلك ضمن مساعي الوزارة "إلى إبراز الموروث الثقافي وإحيائه، والتعريف عبر أنشطة الموسم وفعالياته المتنوعة بالثقافات المحلية المتنوعة، إلى جانب تعزيز العادات الرمضانية المرتبطة بذاكرة السعوديين ووجدانهم".

إن ما تقوم به الوزارة لتعزيز الهوية الوطنية داخليًّا أولًا، وتقديمها إلى العالم الخارجي تاليًا؛ يأتي ضمن مسيرة التحول التي رسمتها رؤية المملكة 2030، التي أرست قواعد أساسية لتغيير الصور النمطية عن المملكة.

مما لا شك فيه أن تغيير الصورة النمطية لأي بلد أو مجتمع ليست مهمة سهلة، كما أن ترسيخ الهوية الوطنية لا يقل صعوبة عن ذلك.

وعلينا أن نعترف أننا في فترات معينة من تاريخنا لم ننتبه إلى أهمية الثقافة والموروث الثقافي والقيمي والتاريخي في حياتنا؛ بل إن بعض التيارات الفكرية وحتى سلوكيات بعض الأفراد؛ قد أساءت لهذا الموروث عن جهل أو قصد.

لكننا مع رؤية المملكة 2030 تخطينا مرحلة العشوائية إلى مرحلة التخطيط طويل الأمد؛ وذلك لأن النمو الاقتصادي يجب أن يترافق مع عملية صقل للتفكير الجمعي، والانتباه إلى أن الحداثة بكل تكاليفها، لا تعني التغريب والتقليد الأعمى؛ فنحن شعب متنوع يعيش على أرض متجذرة في التاريخ شهدت كثيرًا من الحضارات التي سادت ثم بادت، ثم جاءت الرسالة المحمدية التي انتشر نورها إلى مختلف أرجاء الكون.

ومع ذلك، فإن تقديم صورة المملكة الحضارية للعالم مَهمة لا تتكفل بها وزارة الثقافة وحدها، بل تشارك فيها أدوات الدبلوماسية الناعمة والأفرادُ المبدعون؛ لكن المهم أن ننتبه إلى مقولة "ماذا ينفع الإنسان إذا ربح العالم وخسر نفسه"؛ بمعنى أن علينا أن ننشر الوعي بين الأجيال الشابة فيما يتعلق بثراء تاريخ بلادهم وعادات أجدادهم، في الوقت الذي يتعرض فيه الشباب لمحاولات طمس هويتهم وتغييب وعيهم بطرق ووسائل شتى؛ ومنها حروب المخدرات التي لا تتوقف والتي تحاول سلطاتنا الأمنية التصدي لها بكل جدارة.

ولا تقتصر عملية إحياء الموروث الأصيل على نشر العادات النبيلة المرتبطة بشهر رمضان؛ بل يستدعي ذلك الحفاظ على الموروث الثقافي العام وهوية الشعب السعودي، مع علمنا بأن التراث الثقافي في العالم يتعرض للنهب والتدمير بسبب الفوضى والحروب، وهذا ما يستدعي رقمنة وأرشفة هذا التراث. وقد قامت وزارة الثقافة في عام 2020 بجهد رائع في هذا المجال، من خلال إعادة ترجمة وطباعة كتابات المستشرقين والرحالة ومنها سلسلة "لمحات من العربية السعودية العمارة وزخارف الجدران في منطقة عسير"، و"بدو المملكة العربية السعودية" و"رجال خلف الفرشاة" وغيرها.

لهذا؛ فإن الثقافة والحفاظ على التراث الثقافي المادي وغير المادي مفهوم واسع، فالثقافة تشمل مُثُل المجتمع وقِيَمه وتقاليده وأنماط سلوك الناس؛ أما الحفاظ على التراث الثقافي فيعني الأنشطة التي تحمي تاريخ البلاد القديم وتحافظ عليه من الاندثار. ويقول الخبراء إن قيمة التراث الثقافي ليست في المظهر الثقافي نفسه، ولكن في تلك الثروة من الخبرات والمهارات المتوارثة من جيل إلى جيل. وهذا ما حاولت وزارة الثقافة التأكيد عليه من خلال فعاليات شهر رمضان من أجل تعميق هذه القيمة عند الشباب وجعلهم يشعرون بمسؤولية الحفاظ على الثقافة الوطنية للأجيال القادمة، وإبقاء تاريخنا حيًّا، واحترام هوية الأجيال التي سبقتنا وأوصلتنا بخيط الحياة.

لذلك، أدركت وزارة الثقافة أن مشاركة التراث الثقافي هي أفضل طريقة للحفاظ عليه، كما أنه يعزز الشعور بالوحدة والانتماء بين أفراد المجتمع، إضافة إلى التنمية السياحية المستدامة وخلق عالم متنوع يجعل العيش فيه أكثر إثارة.

تحية لوزارة الثقافة لإبقائها على جذوة الأصالة مشتعلة في قلوبنا!

صحيفة سبق الالكترونية
sabq.org