المملكة.. البقعة المضيئة في العالم

تم النشر في

في تقريرها الأخير يوم الجمعة الماضي، رفعت وكالة موديز تقييمها الائتماني للمملكة عند A1؛ مما يعكس النظرة المستقبلية الإيجابية لنمو الاقتصاد الوطني ضمن مسار رؤية المملكة 2030، وقالت إن المملكة تحرز تقدمًا في تنفيذ أجندتها الهيكلية واسعة النطاق التي ستدعم استدامة جهود التنويع الاقتصادي والمالي على المدى المتوسط والطويل. بالإضافة إلى ذلك يتجمع الزخم وراء مجموعة واسعة من مشاريع ومبادرات التنويع التي ترعاها الحكومة، التي جرى تنفيذها بنجاح وفقًا لبرنامج تطوير القطاع المالي.

وأكدت الوكالة أن هذه الإجراءات سوف تسهم في تحسين القدرة التنافسية للمملكة وتعزيز جاذبيتها كوجهة للاستثمار الخاص والأجنبي؛ وبالتالي زيادة إمكانات نموها ومرونتها الاقتصادية، كما ستدعم، من خلال سياسة الاقتصاد الأخضر، صمود البلاد أمام صدمات تذبذب أسعار النفط والمخاطر الجيو- سياسية الدائرة في العالم.

صدر هذا التقرير بعد يوم واحد من اختتام النسخة الثانية من مؤتمر القطاع المالي الذي عقد في مدينة الرياض من 15- 16 مارس الحالي وشارك فيه نخبة من رجال المال والأعمال في العالم، ودارت نقاشاته وورش العمل فيه حول أربعة محاور هي: الاقتصاد العالمي- التحديات والفرص، المؤسسات المالية في الواقع المالي الجديد- المرونة والمواكبة، استثمار لغد آمن، مستقبل القطاع المالي في ظل الرقمنة.

وتزامن انعقاد هذا المؤتمر مع الاضطراب في أسواق المال بعد انهيار مصرف سيليكون فالي واقتراض بنك كريدي سويس 54 بليون دولار لتخفيف خسائره المتلاحقة، وزيادة معدلات التضخم في العالم وتذبذب أسعار الفائدة وانتشار المظاهرات في عدد من الدول الأوروبية، واستمرار الحرب في أوكرانيا والعقوبات على روسيا وسباق التسلح في جنوب شرق آسيا.

وجاء تنظيم هذا المؤتمر استشعارًا من المسؤولين في المملكة بخطورة الفوضى الاقتصادية والمالية العالمية؛ فقد خسرت أكبر أربعة مصارف أمريكية 52 مليار دولار في البورصات في يوم واحد وأعقبتها المصارف الآسيوية ثم الأوروبية. أما في المملكة، فقد أكد محافظ البنك المركزي أيمن السياري عدم وجود تعاملات للبنوك السعودية مع البنوك الأمريكية المتعثرة.

يقول المحللون الماليون إن الأزمة المالية الحالية ليست سوى قمة جبل الجليد، وإنها قد تتدحرج إلى أسوأ مما كان عليه الحال في الأزمة المالية في عام 2008- 2009 لتعصف باقتصاديات كثير من الدول المرتبطة بالاقتصاد الأمريكي، أو أزمة "النمور الآسيوية" في أواخر عام 1997.

ولأن المملكة من بين أكبر 20 اقتصادا في العالم، ولأنها جزء من هذا العالم المتغير والمضطرب؛ فلا يمكنها أن تعيش بمعزل عنه، فهي تؤثر وتتأثر بما يجري فيه سلبًا أو إيجابًا؛ ولهذا فإن قيادة المملكة -ممثلة في خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله- تحرص على مد جسور التعاون مع دول العالم وخلق بيئة من الاستقرار والتوازن في العلاقات السياسية والاقتصادية. ولأنها تعرف أن "رأس المال جبان"، كما هي المقولة الشائعة؛ فقد حاولت -ولا تزال- جذب الاستثمارات الخارجية إلى المملكة والاستفادة من الاستقرار السياسي والمالي فيها والفرص المتاحة، ولهذا جاء تنظيم مؤتمر القطاع المالي من شركاء تطوير هذا القطاع ممثلين في وزارة المالية والبنك المركزي وهيئة السوق المالية.

وهي تدرك في الوقت ذاته انعكاسات تضارب المصالح ومحاولات الاستقطاب والتلميحات بتحديد أسعار النفط؛ ولهذا كان ردها واضحًا وحاسمًا على لسان وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان الذي حذر من أن المملكة ستوقف صادرات النفط حال فرض سقف سعري على إمداداتها للأسواق العالمية؛ لما لذلك من انعكاسات سلبية خطيرة ليس على اقتصادنا ووضعنا المالي فحسب؛ بل وعلى الاقتصاد العالمي عمومًا.

وقال ردًّا على سؤال لشركة "إنرجي إنتليجنس" (Energy Intelligence) الأمريكية المتخصصة بشؤون الطاقة: "إذا فُرِضَ سقف للأسعار على صادرات النفط السعودي؛ فلن نبيع النفط إلى أي دولة تفرض سقف أسعار على إمدادات المملكة، وسنخفض إنتاج النفط، ولن أستغرب إذا قامت الدول الأخرى بالإجراء نفسه". وبالتأكيد فمن يفكرون في ذلك يعرفون أن قيادة المملكة تفعل ما تقول، فحظر النفط الذي قادته المملكة في عام 1973 أكبر شاهد على ذلك.

هنا تبدو المفارقة واضحة بين المسؤولية الأخلاقية للمملكة تجاه السلام العالمي وتحسين جودة الحياة لمن يعيشون على هذا الكوكب، وبين السياسات المغامرة لبعض الدول التي تصر على إغراق العالم في النزاعات والاضطرابات، وما تقوم به المملكة لخلق غد آمن، ومن ذلك الاتفاق الأخير مع إيران، وكما قالت المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورفييفا في منتدى دافوس الاقتصادي في يناير الماضي: "إن المملكة العربية السعودية هي البقعة الوحيدة المضيئة في الاقتصاد العالمي"، ونتمنى أن تظل كذلك.

صحيفة سبق الالكترونية
sabq.org