من يملك الحكاية.. يملك العقول
في عالمٍ يموج بالضجيج، مكسب أن يكون متزناً و هادئا و ليعرف كيف يحكي. فالكلمة التي تخرج من القلب لا تحتاج إلى صدى لتعود، إنها تعرف طريقها إلى القلب الآخر بلا إذن. ومن يملك الحكاية، يملك الاتجاه، يوجّه العقول دون أن يأمرها، ويُمسك بالمشاعر دون أن يلمسها.
الحكاية ليست ترفًا لغويًا، بل فن التواصل الأصدق. هي الجسر الذي يعبر عليه الوجدان قبل المنطق، لأن هناك من لا يتفاعل مع الفكرة، بل مع الشعور الذي تثيره تلك الفكرة فيه. ولهذا، حين يُتقن أحدهم السرد، يصبح أقوى ولو أضاف لها لغة الأرقام و التأثير لن تُقنع فقط، بل تُغير بإذن الله.
من يتقن الحكاية، لا يقنعك بعقله فقط، بل يجعلك ترى بعينيه، وتتنفس بوجعه، وتفرح بفرحه. القصة الصادقة أحيانا تُعيد ترتيب الفوضى في داخلنا، تشرح لنا ما عجز المنطق عن تفسيره، وتُرمم الجزء المهشّم فينا. فليس غريبًا أن يكون جزءً من القرآن الكريم قصصًا. إنه علمُ التواصل الإلهي في أنقى صوره؛ أن تُغرس القيم في القلوب عبر القصة لا عبر الخطاب المباشر.
قصة يوسف ليست مجرد سرد، إنها رحلة في أعماق النفس: في الغيرة، والصبر، والمغفرة. وقصة نوح ليست عن الطوفان، بل عن الإيمان في وجه المستحيل. الله – جل جلاله – يحدّث عباده بالحكاية لأنها لغة الشعور التي يفهمها الجميع.
في علم التواصل، يُقال إن الرسائل لا تبقى بما قيل، بل بما شعر به الناس حين قيلت. ولهذا تبقى القصص، لأننا لا ننسى ما جعلنا نبكي، أو نبتسم، أو نتأمل. الحكاية هي «الذاكرة العاطفية» للإنسان، وهي أقوى من أي منطق مكتوب.
في المؤسسات، و في المجتمعات، وحتى بين الأصدقاء، من يملك الحكاية يملك التأثير. يمكن لخطاب واحد صادق أن يُغيّر صورة، وأن يعيد بناء ثقة هُدمت. التواصل ليس فن الكلام، بل فن الإحساس بالآخر. أن تعرف متى تصمت، ومتى تحكي، وماذا تروي. و كيف تستشعر و ماهي لغة الجسد حين تنطق . بل أن تُدرك أن الحكاية ليست لإقناع الناس فقط، بل لملامسة ما نسوه في داخلهم.
القصة سلاح ناعم، لكنها حادة في عمقها. تغيّر الاتجاهات بصوت خافت، وتعيد تشكيل القناعات من غير ضجيج. كم من فكرة عظيمة ماتت لأنها لم تُروَ كما يجب، وكم من حكاية بسيطة غيّرت العالم لأنها قيلت بصدق.
لذا إن أجمل القصص ليست تلك التي تُقال، بل التي تُعاش. فحين تصنع تجربة صادقة في عملك، في قيمك، في علاقتك بالناس، فإنك تكتب فصولا تُروى دون أن تتحدث. فالتواصل ليس ما نقوله فقط، بل ما نعيشه كل يوم. ومن لا يصنع قصته، سيعيش ربما داخل قصة كتبها غيره.
همست لأحكي حكايتي كما تستحق : فلا تسمح لأحد أن يرويها عنك، لأن من لا يملك روايته سيعيش داخل سرد غيره. احكِها كما شعرت بها، بصدق، بتفاصيلها الصغيرة، بلحظات ضعفك قبل قوتك.
من يملك الحكاية لا يملك العقول فقط، بل يملك الأرواح. ولعلّ أجمل ما في الحكاية أنها لا تموت، حتى لو رحل صاحبها. تبقى تهمس بصوته، تُذكّرنا أن الكلمة الصادقة لا تنتهي… وأن من يملك الحكاية، يملك الذاكرة، والمستقبل، والإنسان.
