لا تزال التقنية ناقصة

تُعدُّ البرامج التي تتيح الكثير من الميزات للمكفوفين كثيرة مقارنة بمدى انتشارها بالسنين العشر الماضية. لقد سهلت البرامج الناطقة خاصة، والتقنية عامة، الحياة على الكثير من المكفوفين، إضافة إلى أنها فتحت أمامهم مجالاً واسعًا للتعلم، وفتحت أمامهم مجالاً واسعًا للعمل بشتى التخصصات.. ولم تترك التقنية أحدًا من المكفوفين إلا وقدمت إليه خدمة يُشهد لها بها.

اليوم يُعد انتشار التطبيقات الناطقة والبرامج التعليمية المسموعة انتشارًا إيجابيًّا ثريًّا وعملاقًا، يتضح فيه انفجار الثورة المعلوماتية، التي طالت الجميع من ذوي الإعاقات، منهم: المكفوفون.

حتى على مستوى الخدمات الشخصية ما تركت التقنية أحدًا؛ فاليوم إذا أراد الكفيف أن يطلب أي شيء من الإنترنت فهو يستطيع، من أصغر الأشياء إلى أكبرها، من أدوات العناية الشخصية، إلى أثاث المنزل، إلى الطعام والحاجيات اليومية التي لا يستغني إنسان عنها.. الكفيف يستطيع اليوم التعامل مع العالم الخارجي، ومع التقنية بشكل سلس وبسيط جدًّا، إلا أن الأمر لا يخلو من بعض النقص الذي لأجله نكتب اليوم هذا المقال؛ لتعزيز القدرات الخدمية الخاصة بالمكفوفين في المملكة العربية السعودية.

على حافة التطور..

بينما نحن اليوم نُعدُّ على حافة التطور، والتوجه بالقدرات كافة الموجودة في السعودية إلى التفعيل، نجد أن الأمر لا يخلو من بعض الثغرات في هذه الشبكة العملاقة الموجودة. أحاول أن أوجه هذه الجزئية من المقال بشكل رئيسي إلى المبرمجين. نعم.. لا تزال الكثير من التطبيقات اليوم لم تفعِّل بعد "إمكانية الوصول". هذا يخل بفاعلية وصولها إلى فئة مهمة، وشريحة فاعلة من المجتمع السعودي، هي فئة المكفوفين. التطبيق الذي لا تُفعَّل فيه خاصية "إمكانية الوصول" لن يستطيع الكفيف الاستفادة من خدماته، ولن يكون التطبيق قد حاز أعلى معايير الخدمة الممكنة المستطاع تقديمها. ولربما يخفى بالفعل على الكثير ممن يعدون قائمين على تنسيق خدمات البرامج والبرمجة أن الكثير من المكفوفين يسكنون وحدهم، ولربما لا يوجد من يقوم بخدمتهم، وهذه التطبيقات بطبيعة الحال توفر خدمة عملاقة للكفيف، بشروط، أهمها: أن تدعم "إمكانية الوصول"؛ ليستطيع الكفيف التعامل معها ببساطة.

ومما يجب أن نشير إليه هو أنه يجب أن تكون إمكانية الوصول تدعم الوصول الشامل لجميع خدمات التطبيق ومميزاته، لا أن تكون محدودة لميزة أو خدمة واحدة في التطبيق.. لا، إنما تكون إمكانية الوصول ممكنة للمستخدم من الوصول الشامل لكل ما يقدمه التطبيق من خدمات وخصائص.

هذا الأمر إن تم، وكان التطبيق بالفعل موفرًا هذه الخاصية فيه، فإنه سيكون تطبيقًا مميزًا، وسيكون من الرائع جدًّا والمفيد أن تُذكر هذه الميزة في التقديم للتطبيق على هامش المميزات الأخرى. ستكون هذه المميزة لافتة للكثيرين، خاصة ممن لهم عناية كبيرة بموضوع المكفوفين.

إن فكرة تفعيل "إمكانية الوصول" في جميع التطبيقات ليست فكرة مستحدثة أبدًا، بل هي فكرة معقولة، وموجودة، وتقوم الكثير من الشركات الكبرى على تطويرها وتحسينها يومًا بعد يوم، وإصدارًا بعد إصدار. ومن أهم هذه الشركات الشركتان العملاقتان: جوجل، وأبل؛ فكلتا الشركتين تدعم "إمكانية الوصول" بشكل ممتاز؛ لذا تجد أن أكثر المكفوفين إنما يميلون لاستعمال هاتين الشركتين، ويفضلونهما على غيرهما؛ لأنهما توفران الخدمة بالشكل المطلوب. فعلى جميع الشركات أن تنافس في هذا المجال؛ فالتقنية لا تزال تحتاج للتطوير.

أيضًا من التطبيقات التي تميزت بهذا المجال: تطبيق تويتر؛ فتويتر يعد من التطبيقات القليلة التي توفر خاصية وخدمة "وصف الصور"، إضافة للخدمة الأساسية التي يوفرها "إمكانية الوصول"؛ لذا أقول إنه على جمهور المبرمجين في المملكة العربية السعودية أن يراعوا هذه الفكرة، وعليهم أن يعملوا جديًّا على تطبيقها بشكل منسق وعملي؛ فالسعودية داعم قوي لكل المبرمجين.

****

تتواصل معي الكثير من الجهات طالبة مني الإشراف على بعض المواقع؛ لجعلها موافقة لإمكانية الوصول، لكن أرى بشكل واضح أن المبرمجين، ومصممي الصفحات والمواقع، أخطاؤهم جسيمة في عموم الموقع.. فهو فعليًّا لا يوفر إمكانية الوصول، علاوة على أنه لا يحسب حسابًا للمكفوفين؛ فلا يراعون إمكانيات قارئ الشاشة التي يجب أن تكون متوافقة مع الموقع بطبيعة الحال، وكثير منهم من يكتفي بالصور وحسب، مع العلم أن قارئ الشاشة لن يقرأ الصور! هذا الخلل لحظته كثيرًا، والمصممون والمبرمجون لا يراعونه. وعلى سبيل التوضيح: المبرمج إن أراد أن يضيف خيارًا للانتقال للصفحة التالية فإنه يضع صورة لسهم، لكنه لا يضع كلمة "التالي"؛ لذا فقارئ الشاشة لا يقرأ السهم، أو أي نوع من أنواع الصور.. فلو جُعل لكل صورة كلمات ليقرأها قارئ الشاشة سنكون قد انتهينا من مشكلة كبيرة!

ولمن يتساءل: هل أمر المكفوفين يحتاج إلى أن نفتح موقعًا آخر مغايرًا للموقع الأساسي؟ فإن الجواب سيكون بالنفي بطبيعة الحال؛ إذ إن الموقع سيكون مناسبًا جدًّا لو طوره المطور ليكون مناسبًا ومواكبًا للمزيد من الميزات التي من الممكن أن تتاح في الموقع الواحد، ولن تكون هناك حاجة ملحة لإنشاء موقع آخر؛ فموقع واحد مطور أفضل بكثير.

أقترح على المصممين أن يراعوا توافُر "إمكانية الوصول" في مواقعهم؛ لأن الكثير من المواقع تفتقد هذه الخاصية؛ إذ إني لو أردت توجيه أي كفيف لمواقع للتعلم أو العمل لن يكون أمامي الكثير من الخيارات، أبل وجوجل بوصفهما خيارَين رئيسيَّين سيمكننا من خلالهما التوجيه أولاً وبشكل مباشر للمراجع الموجودة عند شركتَي جوجل وأبل؛ فالشركتان توفران "إمكانية الوصول" بشكل ممتاز وخدمة عالية، بل أقول: إن أبل وجوجل أغرقتا الموضوع كلامًا وبحثًا وعملاً، وغيرهما في تقصير شديد. على جمهور المصممين والمبرمجين التنبه لهذا الأمر، وليحاول المبرمجون أن يغتنموا هذه الفرصة التي قد تتيح لهم أن يحصلوا على سبق في عالم البرمجة.

أخبار قد تعجبك

No stories found.
صحيفة سبق الالكترونية
sabq.org