إنسانيتنا ووحشيتهم

عام مضى والعالم يعيش على أصوات المدافع الهادرة على أرض المعارك في أوكرانيا التي دخلت عامها الثاني، وهي المعارك التي استُخْدِمت فيها جميع أنواع أسلحة القتل والدمار، وبلغت في بشاعتها ما حدث في الحربين العالميتين اللتين ألحقتا بالقارة الأوروبية دمارًا لا يوصف وخسائر بشرية بلغت أكثر من خمسين مليون إنسان.

وعلى الرغم من امتناع الكثيرين عن وصف هذه الحرب بالحرب العالمية الثالثة إلا أنها كذلك بكل المقاييس؛ نظرًا لحجم الجيوش والأطراف المشاركة فيها، والمآسي التي خلّفت آلاف القتلى وشردت الملايين من الشعب الأوكراني، هذه الحرب كان يمكن تلافيها لو أن الأطراف التي تغذيها كانت حسنة النية منذ بداية الأزمة التي اتخذت ذرائع شتى؛ ومنها ما تدّعي روسيا بأنها حرب على النازية الجديدة في أوكرانيا، وإصرار قيادتها على الانضمام إلى حلف الناتو الذي تقوده الولايات المتحدة وتتحكم به.

المتضرر الوحيد من هذه الحرب الوحشية هو الشعب الأوكراني بالمقام الأول، بينما يعيش الأمريكيون والأوروبيون في أوطانهم مطمئنين، مع أنهم أخذوا يلمسون أن تبعات هذه الحرب أصبحت ضاغطة عليهم ومهددة لرفاههم الاجتماعي.

منذ بداية هذه الحرب، التي تسمِّيها موسكو بالعملية الخاصة، أدركت قيادة المملكة أنه ستكون لهذه الحرب انعكاسات خطيرة على الأمن والاستقرار في العالم، ولهذا دعت قيادة المملكة إلى حل النزاع سلميًا، وإلى عدم توظيفه لغايات سياسية وتجارية، وضمن هذه الرؤية، التي تشاركها فيها دول كثيرة، اتخذت المملكة موقفًا متميزًا وشجاعًا من خلال الدعوة إلى الانسحاب الروسي، وأعربت عن استعدادها للتوسط في إنهاء هذا الصراع، لكنها في الوقت ذاته رفضت أي محاولات للضغط عليها ومساندة الموقف الغربي بحسب شعار "إما معنا وإما ضدّنا" الذي رفعته إدارة الرئيس السابق جورج بوش في غزو العراق، وما ترتب على هذا الغزو من تدمير لقدرات العراق وفتح المجال أمام النظام الإيراني للتوسع والتمدد في المنطقة العربية، إلى حد تهديد أمن المملكة من خلال عصابات الحوثيين الطائفية.

ولهذا فقد أغضب القرار السعودي المستقل الإدارة الأمريكية، لكن قيادة المملكة ممثلةً بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- دافعت عن هذا القرار مع تأكيدها على حرصها للإبقاء على علاقات الصداقة مع الولايات المتحدة، على الرغم من تحفظات المملكة على مواقف سياسية وعسكرية كثيرة للإدارة الأمريكية منذ رئاسة باراك أوباما وإلى رئاسة جو بايدن.

ولهذا فإن قيادة المملكة حافظت على سياسة متوازنة في هذا الصراع، وقد نشطت الدبلوماسية السعودية لدفع المساعي الرامية إلى حل هذا الصراع سلميًا من خلال طاولة المفاوضات والقانون الدولي، وهو ما عبّر عنه رئيس الدبلوماسية السعودية وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان في كثير من المحافل الدولية، كما نجحت الدبلوماسية السعودية في أواخر العام الماضي في التوسط لتبادل الأسرى بين الطرفين المتحاربين.

في زيارته الأخيرة لأوكرانيا في 26 فبراير الماضي، وهي الزيارة الأرفع لمسؤول خليجي، وقّعت المملكة معها اتفاقية لتقديم مساعدات تشمل مواد إيوائية، ومولدات كهربائية، ومستلزمات طبية، بمبلغ 410 ملايين دولار أمريكي.

طائرات الإغاثة برعاية مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية بدأت رحلة العون؛ للتخفيف من معاناة الشعب الأوكراني، والدبلوماسية السعودية تعمل جاهدة لوقف هذه الحرب وتحكيم صوت العقل، وهذا هو الفرق بين إنسانية المملكة التي تمد أوكرانيا بشريان الحياة، بينما يمدها الغرب بالسلاح ويدفعها إلى الموت!

صحيفة سبق الالكترونية
sabq.org