التدريب وحاسة البصر

نعلم أن الكفيف هو الشخص الذي فَقَدَ بصره بشكل جزئي أو كلي، أي إنه فَقَدَ حاسة من الحواس الخمس التي جعلها الله سبحانه وتعالى للإنسان ليستعين بها على أيامه، ويتوصل بها إلى القيام بمهامه؛ لذا يعتمد المكفوفون على حواسهم الأخرى للتعلُّم، بل إن كثيرًا ما تكون حواسهم الأخرى أكثر فاعلية منها عند غيرهم؛ فإن الله سبحانه يُعوِّض الإنسان، ويساعده عوضًا عن كل ما حُرم الإنسان منه.

أنا، بصفتي مدربًا من ذوي الإعاقة البصرية، لاحظتُ الكثير والكثير من المخالفات، وقلة الذوق، التي كثيرًا ما تكون غير مقصودة، يقوم بها المدربون صحيحو النظر، فيزعجون بها راحة الضرير، ويحرجونه، ويمنعونه في أحيان كثيرة من التعبير بشكل واضح عما يجول في نفسه بسبب قلة خبرة المدربين في التعامل مع المكفوفين. لأجل هذا الشيء قررتُ أن أكتب اليوم عن هذه الظاهرة؛ علَّنا نزيد الوعي من ناحية التعامل مع المكفوفين في الدورات التدريبية.

الكثير من الناس ربما يجد بعض الصعوبات في التعامل مع المكفوفين. وأنا أقول إن هذا ليس لنقص في المكفوفين من ناحية الفَهْم أو ما شابه، لا، إنما هذا يكون أصلاً قصورًا من ناحية الناس الذين لا يستطيعون التعامل بشكل جيد أو متوازن مع الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية؛ فنجد مثلاً أن الكثير ممن يحادث الكفيف يقوم برفع صوته! وبعضهم الآخر يستعمل الإشارات في حديثه! وآخرين يستعملون بعض الكلمات، مثل: انظر، أو بعض الصفات، مثل: هذا لونه أحمر، هذا ذو الشكل الدائري!! فأنت حتى ولو شرحت الشكل الدائري، أو ساعدت الضرير فعلاً في التعرف عليه، قد يجد الضرير شيئًا من الصعوبة في التعرف عليه، خاصة في تطبيقات الحاسب الآلي على سبيل المثال، وغير ذلك.. إلى آخر هذه الأخطاء التي تبقى دليلاً على أن المجتمع ليس بالوعي الكافي للتعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية.

أحاولُ الآن أن أذكر بعض النقاط التي يجب أن يتنبه إليها أي شخص؛ لأنه في أي وقت، وتحت أي ظرف، قد يتحدث مع إنسان كفيف، أو قد يُعلِّمه، أو يتعلَّم منه..

-تحدَّث مع الكفيف بنبرة صوت طبيعية، ولا ترفع صوتك أو تخفضه، ولا تتكلم بطريقة كأنك أنت الواعي الوحيد بين أطراف الحديث.

-بشكل عام، لا أحد سيحب أن يقف عاجزًا عن تخيل شيء تصفه أنت؛ لذا حاول دائمًا أن تعين شرحك بالأمور الملموسة المعروفة التي يعرفها الضرير.

-يمكنك لمس الكفيف بطريقة عادية كتلميح له أنك تتكلم إليه، في حال أنك لا تعرف اسمه.

-تجنَّب استخدام كلمة "انظر" أو مرادفاتها ومعانيها في الحديث مع الكفيف؛ فليس هذا من اللائق.

-الأشياء غير الملموسة على المرء أن يشرحها للضرير شرحًا كافيًا، مثل الأشكال في تطبيقات الحاسب الآلي، أو بعض البرامج، أو حتى بعض الأشياء في الفلك، أو ما يتعسر الوصول إليه عادة.

-الأشياء الملموسة يكون من الأفضل أن نُقرِّبها أو نُقرِّب مُجسَّمًا منها، بما يساعد الضرير في التعرف عليها بشكل وافٍ من خلال اللمس.

-عند الجلوس مع كفيف من الضروري ذكر صفات المكان والناس الذين من حوله بطريقة يمكنه هو فهمها.

-لا تتعامل مع الكفيف، أو مع غيره من أصحاب الإعاقات بمعاملة الشفقة أو الرحمة المبالَغ فيها؛ فهذا لا يترك أثرًا جيدًا في نفسه.

هذه آداب عامة للتعامل مع الكفيف، وأكاد أقول إنه يجب على كل امرئ أن يتعلم هذه الآداب في التعامل مع المكفوفين.

وهنا يجب أن نكون على يقين بأن التعامل مع المكفوفين أمر في غاية البساطة، لا يحتاج إلى تدريب أو دراسة أو ما شابه البتة، فقط على المرء أن يتذكر أنه أثناء تعامله مع المكفوفين لا يجب عليه أن يتطرق لشيء يُستعمل النظر فيه عادة.. فليعتمد على الحواس الأربع الباقية، ولينسَ حاسة البصر، وليثبت في فهمه أن التعامل مع المكفوفين تعامل لا يحتاج إلا أن يكون تعاملاً عاديًّا فحسب.

أما عن الآداب العامة التي يجب على المدرب أن يتحلى بها مع طلابه من ذوي الإعاقة البصرية فهي أمور كثيرة، نذكر بعضها على سبيل المثال:

-على المدرب ألا يُعامِل المتدربين من أصحاب الإعاقة البصرية بتعامل غير التعامل العام لبقية الطلبة.

-متى ما أراد المدرب تقديم المساعدة لأحد الضريرين فيفضَّل أن يأخذ رأيه أولاً في ذلك كيلا يُشعره ذلك بالحرج.

-على المدرب أن يشرح نقاط المحاضرة أو التدريب شرحًا يساعد الحواس الخمس على فهمه، لا النظر وحسب، والتركيز على استعمال الحواس الخمس يكون للعموم لا المكفوفين وحسب.. فلينتبه المدربون لهذا.

-على المدرب ألا يعامل المكفوفين على أنهم حالة خاصة، ولا ينتهج تلك المعاملة كيفما كان الدرس، حضوريًّا أو على الإنترنت.

-حتى وإن لم يكن المدرب على علم بوجود المكفوفين من عدمه في المحاضرة فعليه أن يعتمد الحواس الخمس في الشرح.

-إن طلب الكفيف المساعدة فيُفضَّل أن يترك الكفيف هو من يمسك يد المساعد، لا العكس.

-نادِ الكفيف باسمه، وأَعْلمه بأنك تتحدث إليه، ولا تهمل ذكر اسمه أبدًا؛ لأنه لا يرى عينيك. لا تنسَ ذلك.

-إن أنهيت حديثك، ومن ثم أردت الخروج، فأَعْلم الكفيف بذلك، أو أَشْعره بخروجك؛ كيلا يُحدِّث نفسه.

أخبار قد تعجبك

No stories found.
صحيفة سبق الالكترونية
sabq.org