رفقا بالموظفين فإنهم بشر وليسوا آلات صماء!!

تم النشر في

لم تعد العناية بالصحة النفسية للموظفين مجرد ترف أو رفاهية، بل أصبحت حاجة أساسية وضرورة، لا سيما في هذا العصر الذي من أبرز سماته تزايد الاكتئاب وارتفاع معدلات التوتر والقلق والإرهاق التي يعاني منها معظم الموظفين على مستوى العالم نتيجة لتزايد المتطلبات الأسرية وتعدّد أوجه الإنفاق المالي الذي أوجد فارقا بين الدخل والمنصرف وما ترتب على ذلك من زيادة للأعباء المعيشية، إضافة إلى ما يتردد عن تنامي دور الذكاء الاصطناعي التي يقال إنه سوف يتسبب في إلغاء أو تهميش العديد من الوظائف، وهو ما خلق حالة من عدم اليقين.

ومما يؤسف له أن بعض أصحاب العمل من ذوي العقليات الجامدة غير القابلة للتطور لا زالت تنظر لموظفيها على أنهم آلات صماء وتتعامل معهم بنظريات "التأديب"، وتستخف بمعاناتهم ولا تكترث للمشكلات التي تواجههم، وتتمسك بإيقاع الجزاءات والخصومات عند أقل تقصير، وهي بذلك تحولهم إلى كائنات نمطية وتقتل في دواخلهم الرغبة في الإبداع والابتكار.

أما الموظف الذي يتمتع بصحة نفسية متوازنة فإنه يكون أقدر من غيره على أداء الأعمال الموكلة إليه، وتزداد عنده القابلية للتجديد، ويكون العمل بالنسبة له ممزوجا بالشغف والرغبة في التفرد وليس مجرد واجبات روتينية يقوم بها كنوع من أداء الواجب.

كما أن إحساس الموظف بأن المؤسسة التي يعمل بها تهتم بصحته النفسية لا يعزّز لديه التفاعل فحسب، بل يمثل له دافعا لزيادة الإنتاجية ويرفع معدلات الولاء لمكان العمل وهو ما يمكن الشركات من الحفاظ على كوادرها.

ومؤخرا بدأت الكثير من مؤسسات القطاع الخاص السعودي تهتم بالصحة النفسية لمنسوبيها وتطبقها على أرض الواقع وأصبحت تولي اهتماما متعاظما لابتكار برامج متخصصة لزرع الثقة في الموظفين وتحفيزهم عبر العديد من المفاهيم الجديدة مثل ساعات العمل المرنة، والتوسّع في خيار العمل عن بعد لإيجاد بيئة عمل أكثر استدامة، وإدارة الإجهاد. وقد شهدنا توقيع العديد من المبادرات التي تصب في هذا الاتجاه خلال فعاليات ملتقى الصحة العالمي 2025 الذي عقد أواخر أكتوبر الماضي.

لكن، من الضرورة تحرير مفهوم "الصحة النفسية" الذي لا ينبغي النظر إليه على أنه مجرد برامج ترفيهية أو تسهيلات تُمنح للموظفين، بل يتسع ليشمل زرع الإحساس بالثقة والراحة والاطمئنان لدى الموظفين عبر خطوات عملية لترقية الكوادر البشرية وتمليكها كافة عناصر الإبداع والابتكار، وتوفير شروط مهنية موائمة تعزّز المقدرة على الإنجاز، ورفع مستويات الأداء، وسيادة روح العدالة والشفافية والمساواة في التعامل.

كذلك فإن الاهتمام بالجانب المؤسسي يظل في غاية الأهمية بحيث لا تكون هذه الخطوات الإيجابية في شكل مبادرات فردية أو تعتمد على مزاجية المسؤول، بل يجب تضمينها داخل منظومة اللوائح التي تحكم عمل إدارات الموارد البشرية، ووضع موجّهات عامة وواضحة لإيجاد توازن بين مسؤوليات الموظف الاجتماعية وواجباته الوظيفية بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر.

ولأن الإنسان بطبعه كائن اجتماعي يتأثر بما حوله سلبا أو إيجابا، فإن النتيجة الطبيعية لاستقرار الحالة النفسية للموظف ستقوده للوصول إلى حالة "الشغف بالعمل" التي قال عنها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله – إنها أهم ما يجب توفره عند المسؤولين.

صحيفة سبق الالكترونية
sabq.org