ألمُك ليس سلعة..!

شاهدتُ مقطعًا متداولاً مترجمًا لشخص، يطلق على نفسه "مدرب حياة"، تحظى مقاطعه بملايين المشاهدات، تخبره سيدة بأنها تعاني ذكرى قديمة بخصوص حادث سيارة، أودى بحياة طفلها، وأنه رغم مرور سنوات طويلة لا تزال غير قادرة على عيش حياتها بشكل طبيعي وتخطي تلك الذكرى. وكان تحليله أن هذا نموذج للتعلق بالماضي، وأن شخصيتها "حساسة"! ثم استرسل بحديث عن أهمية ألا نتعلق بالماضي.

والحقيقة إن السيدة ذكرت أعراض اضطراب درسناه في كلية الطب، هو "اضطراب ما بعد الصدمة" -PTSD ، وهو يشخَّص ويعالَج من قِبل أطباء متخصصين.

ولقد لاحظتُ أن من يسمون أنفسهم "مدرب حياة" أو "مدربة أنوثة"، وغيرهما من الأسماء، لا يتحدثون فقط عن مواضيع طبية بمفاهيم مغلوطة، بل أيضًا يتحدثون عن مواضيع تربوية وزوجية وأسرية. ولأن هذه الأمور تمس عددًا كبيرًا من الناس فإنهم يحظون بجمهور هائل، يروجون لدوراتهم وكتبهم التجارية، وكتبهم تزاحم كتب الأطباء والمختصين بسبب شهرتهم، ويغطون ثغرة عدم تخصصهم وعدم امتلاكهم مؤهلات، أو امتلاك مؤهلات رديئة غير معترف بها، بطريقة العرض الجميلة والاحترافية، والكلمات المنمقة، وتقديم المحتوى بثقة.

انتشار هذه الفئة هو أمر عالمي، ووطننا العربي ليس بمعزل عن ذلك.. لكن التجارب الشخصية ليست دليلاً على صحة الكلام، والعلوم الزائفة لا يوجد دليل يثبت صحتها.

كما أنهم يلجؤون إلى قصص شخصية، أو علوم زائفة، مثل الجذب والطاقات؛ ليضيفوا إلى كلامهم مصداقية.

إن حديثهم في هذه المواضيع خطير؛ ليس فقط لأنهم ينشرون مفاهيم خاطئة؛ بل لأن كلامهم "يبنّج" الجرح بدلاً من معالجته. عندما يتابعهم الناس الذين انخدعوا بهم يظنون أن كلماتهم ستحل مشاكلهم بمجرد اتباعها، بينما الحقيقة أنها "بنَّجتهم"، وأوهمتهم.. وحل أي مشكلة يكون بالاعتراف بها أولاً، ثم حلها جذريًّا لدى مختص، لا بتخديرها وتركها تكبر.

لقد أصبح أمرًا صعبًا في هذا الزمن أن نطالب بتقنين كل شيء، ومحاسبة المتجاوزين؛ فالإنترنت والتقنيات الحديثة جعلت المعرفة تصل إلى الفرد من مختلف أنحاء العالم؛ لذلك هي مسؤولية الفرد نفسه أن ينتقي مَن يستمع إليه، ويستشيره، ومَن يعطيه من وقته وماله، ويتجاهل تجار الكلمات ذوي المؤهلات المجهولة.. فألم الإنسان ومشاكله المختلفة ليست سلعة.

يقول الكاتب النيوزيلندي صموئيل بتلر: "واحدة من المهارات الرئيسية في الحياة: أن تعرف ما يجب تجاهله".

أفنان آل زايد
اعلان
ألمُك ليس سلعة..!
سبق

شاهدتُ مقطعًا متداولاً مترجمًا لشخص، يطلق على نفسه "مدرب حياة"، تحظى مقاطعه بملايين المشاهدات، تخبره سيدة بأنها تعاني ذكرى قديمة بخصوص حادث سيارة، أودى بحياة طفلها، وأنه رغم مرور سنوات طويلة لا تزال غير قادرة على عيش حياتها بشكل طبيعي وتخطي تلك الذكرى. وكان تحليله أن هذا نموذج للتعلق بالماضي، وأن شخصيتها "حساسة"! ثم استرسل بحديث عن أهمية ألا نتعلق بالماضي.

والحقيقة إن السيدة ذكرت أعراض اضطراب درسناه في كلية الطب، هو "اضطراب ما بعد الصدمة" -PTSD ، وهو يشخَّص ويعالَج من قِبل أطباء متخصصين.

ولقد لاحظتُ أن من يسمون أنفسهم "مدرب حياة" أو "مدربة أنوثة"، وغيرهما من الأسماء، لا يتحدثون فقط عن مواضيع طبية بمفاهيم مغلوطة، بل أيضًا يتحدثون عن مواضيع تربوية وزوجية وأسرية. ولأن هذه الأمور تمس عددًا كبيرًا من الناس فإنهم يحظون بجمهور هائل، يروجون لدوراتهم وكتبهم التجارية، وكتبهم تزاحم كتب الأطباء والمختصين بسبب شهرتهم، ويغطون ثغرة عدم تخصصهم وعدم امتلاكهم مؤهلات، أو امتلاك مؤهلات رديئة غير معترف بها، بطريقة العرض الجميلة والاحترافية، والكلمات المنمقة، وتقديم المحتوى بثقة.

انتشار هذه الفئة هو أمر عالمي، ووطننا العربي ليس بمعزل عن ذلك.. لكن التجارب الشخصية ليست دليلاً على صحة الكلام، والعلوم الزائفة لا يوجد دليل يثبت صحتها.

كما أنهم يلجؤون إلى قصص شخصية، أو علوم زائفة، مثل الجذب والطاقات؛ ليضيفوا إلى كلامهم مصداقية.

إن حديثهم في هذه المواضيع خطير؛ ليس فقط لأنهم ينشرون مفاهيم خاطئة؛ بل لأن كلامهم "يبنّج" الجرح بدلاً من معالجته. عندما يتابعهم الناس الذين انخدعوا بهم يظنون أن كلماتهم ستحل مشاكلهم بمجرد اتباعها، بينما الحقيقة أنها "بنَّجتهم"، وأوهمتهم.. وحل أي مشكلة يكون بالاعتراف بها أولاً، ثم حلها جذريًّا لدى مختص، لا بتخديرها وتركها تكبر.

لقد أصبح أمرًا صعبًا في هذا الزمن أن نطالب بتقنين كل شيء، ومحاسبة المتجاوزين؛ فالإنترنت والتقنيات الحديثة جعلت المعرفة تصل إلى الفرد من مختلف أنحاء العالم؛ لذلك هي مسؤولية الفرد نفسه أن ينتقي مَن يستمع إليه، ويستشيره، ومَن يعطيه من وقته وماله، ويتجاهل تجار الكلمات ذوي المؤهلات المجهولة.. فألم الإنسان ومشاكله المختلفة ليست سلعة.

يقول الكاتب النيوزيلندي صموئيل بتلر: "واحدة من المهارات الرئيسية في الحياة: أن تعرف ما يجب تجاهله".

25 سبتمبر 2020 - 8 صفر 1442
08:34 PM

ألمُك ليس سلعة..!

أفنان آل زايد - الرياض
A A A
1
2,192

شاهدتُ مقطعًا متداولاً مترجمًا لشخص، يطلق على نفسه "مدرب حياة"، تحظى مقاطعه بملايين المشاهدات، تخبره سيدة بأنها تعاني ذكرى قديمة بخصوص حادث سيارة، أودى بحياة طفلها، وأنه رغم مرور سنوات طويلة لا تزال غير قادرة على عيش حياتها بشكل طبيعي وتخطي تلك الذكرى. وكان تحليله أن هذا نموذج للتعلق بالماضي، وأن شخصيتها "حساسة"! ثم استرسل بحديث عن أهمية ألا نتعلق بالماضي.

والحقيقة إن السيدة ذكرت أعراض اضطراب درسناه في كلية الطب، هو "اضطراب ما بعد الصدمة" -PTSD ، وهو يشخَّص ويعالَج من قِبل أطباء متخصصين.

ولقد لاحظتُ أن من يسمون أنفسهم "مدرب حياة" أو "مدربة أنوثة"، وغيرهما من الأسماء، لا يتحدثون فقط عن مواضيع طبية بمفاهيم مغلوطة، بل أيضًا يتحدثون عن مواضيع تربوية وزوجية وأسرية. ولأن هذه الأمور تمس عددًا كبيرًا من الناس فإنهم يحظون بجمهور هائل، يروجون لدوراتهم وكتبهم التجارية، وكتبهم تزاحم كتب الأطباء والمختصين بسبب شهرتهم، ويغطون ثغرة عدم تخصصهم وعدم امتلاكهم مؤهلات، أو امتلاك مؤهلات رديئة غير معترف بها، بطريقة العرض الجميلة والاحترافية، والكلمات المنمقة، وتقديم المحتوى بثقة.

انتشار هذه الفئة هو أمر عالمي، ووطننا العربي ليس بمعزل عن ذلك.. لكن التجارب الشخصية ليست دليلاً على صحة الكلام، والعلوم الزائفة لا يوجد دليل يثبت صحتها.

كما أنهم يلجؤون إلى قصص شخصية، أو علوم زائفة، مثل الجذب والطاقات؛ ليضيفوا إلى كلامهم مصداقية.

إن حديثهم في هذه المواضيع خطير؛ ليس فقط لأنهم ينشرون مفاهيم خاطئة؛ بل لأن كلامهم "يبنّج" الجرح بدلاً من معالجته. عندما يتابعهم الناس الذين انخدعوا بهم يظنون أن كلماتهم ستحل مشاكلهم بمجرد اتباعها، بينما الحقيقة أنها "بنَّجتهم"، وأوهمتهم.. وحل أي مشكلة يكون بالاعتراف بها أولاً، ثم حلها جذريًّا لدى مختص، لا بتخديرها وتركها تكبر.

لقد أصبح أمرًا صعبًا في هذا الزمن أن نطالب بتقنين كل شيء، ومحاسبة المتجاوزين؛ فالإنترنت والتقنيات الحديثة جعلت المعرفة تصل إلى الفرد من مختلف أنحاء العالم؛ لذلك هي مسؤولية الفرد نفسه أن ينتقي مَن يستمع إليه، ويستشيره، ومَن يعطيه من وقته وماله، ويتجاهل تجار الكلمات ذوي المؤهلات المجهولة.. فألم الإنسان ومشاكله المختلفة ليست سلعة.

يقول الكاتب النيوزيلندي صموئيل بتلر: "واحدة من المهارات الرئيسية في الحياة: أن تعرف ما يجب تجاهله".