ماذا فعل "فرناندو" للاستيلاء على أشبيلية؟.. ليلة حزينة في التاريخ الإسلامي منذ 770 عامًا

حوّل الجامع الكبير إلى كنيسة وسقطت حاضرة الأندلس بعد أن حكمها المسلمون 540 سنة

في الحلقة الثانية من المعارك الفاصلة التي تنشرها "سبق" في أيام رمضان الفضيل وفي مثل هذا اليوم الخامس من رمضان وليلة السادس منه توجّه ملك نصارى إسبانيا في هذه الفترة وهو فرناندو الثالث والذي يعد من أعظم ملوك إسبانيا وأكثرهم حربًا ضد المسلمين وأيضًا على يديه سقطت معظم أراضي الأندلس.

ومنذ استولى "فرناندو" على قرطبة أخذ في التفكير والإعداد لغزو أشبيلية باعتبارها درة الأندلس وقاعدة ملكه وأعظم حواضره وأشدها غنى وتحصينًا ومناعةً وأكثرها جنودًا وسكانًا وكانت مسألة الاستيلاء عليها تحتاج إلى إعداد خاص وكبير ليس بالجيوش البرية فقط بل بالأساطيل أيضًا ذلك لأن أشبيلية تقع على نهر الوادي الكبير المتصل بالبحر ومن ثم تأتيها الإمدادات من المغرب بسهولة.

وتبدأ القصة في أوائل سنة 644هـ ـ 1246م خرج فرناندو الثالث بحملة صليبية كبيرة اشترك فيها الأسبان والبرتغاليون والفرنسيون والإيطاليون وفرسان الجماعات الدينية إضافة إلى أسطول كبير أرسله بابا روما من أجل مساعدة الأسبان في الهجوم على أشبيلية.

وضع فرناندو الثالث خطة محكمة تقوم على سياسة الإرهاق والمطاولة بالحصار المحكم من كل الجهات مع الاستيلاء على سلسلة الحصون الأمامية لأشبيلية والتي تمثل خط الدفاع الأول والقوي للمدينة، وقد شن الأسبان هجمات عنيفة على هذه الحصون الواحد تلو الآخر استمرت عدة شهور، استطاعوا خلاها الاستيلاء عليها كلها.

بعد أن أصبحت أشبيلية بلا دفاعات أمامية استعد أهلها لمعركة طويلة الأجل فلم يكن ينوون التسليم مهما كانت الضغوط وبرز اسم القائد شقّاف ويحيى بن خلدون وابن شعيب وغيرهم من أبطال المسلمين هناك، وبدأ الحصار المباشر لأشبيلية في جمادى الأولى سنة 645هـ، وتقاسمت الكتائب الصليبية باختلاف مواطنها مناطق الحصار بحيث تكون المدينة مطوقة من كل اتجاه.

وفي هذا الوقت جاءت نجدة بحرية مغربية لفك الحصار البحري واشتبكت مع الأسطول الأوروبي وأوقعت به خسائر كبيرة، في حين كان المسلمون يخرجون من وقتٍ لآخر ويشتبكون في قتال عنيف مع الصليبيين حتى إنهم ذات مرة هاجموا معسكر فرناندو نفسه وهذه البسالة والجسارة جعلت فرناندو يطلب الكثير من الإمدادات من البرتغال وفرنسا وجاءت مجموعة كبيرة من الرهبان والقساوسة وتم تشديد الحصار على المدينة.

وعلى الرغم من الحصار الطويل والشديد إلا أن الإمدادات كانت ما زالت تصل إلى سكان المدينة المحاصرين عن طريق جسر كبير كان على نهر الوادي الكبير وعند الجسر قلعة ضخمة في ناحية الجنوب الغربي للمدينة، لذلك لم يشغل المسلمون بالهم بمسألة المؤن وتفرغوا لقتال الصليبيين مما جعل أمد الحصار يطول، لذلك جعل فرناندو جل همه وكامل قوته لتحطيم هذا الجسر والاستيلاء على هذه القلعة وهو ما نجح في الشطر الأول منه؛ إذ حطم الجسر وقطع طريق الإمدادات عن المدينة والقلعة وأخذ في تشديد الحصار بكل قوة حتى فنيت الأقوات وتساقط الناس صرعى من الجوع وخارت قوة المدافعين عن القلعة ودخلوا في شروط التسليم بعد أن انقطعت عنهم كل سبل النجاة والمساعدة من الأندلس أو المغرب فعرض قادة القلعة بعض شروط التسليم على فرناندو، فرفضها كلها إذ أصر على تسليم المدينة والقلعة كاملة سليمة وبلا شرط.

لم ير زعماء أشبيلية وأهلها بدًا من قبول مصيرهم المحتوم واتفقوا على تسليم المدينة كلها نظير الخروج بالمال والولد والسلاح مع إعطائهم مهلة مدة شهر لتسوية شؤونهم وإخلاء دورهم، وبعد انقضاء المهلة وفي يوم 5 رمضان 646هـ وليلة السادس منه دخل فرناندو الثالث مدينة أشبيلية في موكب ضخم وفي الحال تم تحويل الجامع الكبير إلى كنيسة، وهكذا سقطت أشبيلية حاضرة الأندلس العظمى بعد أن حكمها المسلمون 554 سنة وسطعت بها عبقريات فذة في تاريخ البشرية في شتى العلوم والفنون.

ملك نصارى إسبانيا فرناندو الثالث الأندلس قرطبة إشبيلية
اعلان
ماذا فعل "فرناندو" للاستيلاء على أشبيلية؟.. ليلة حزينة في التاريخ الإسلامي منذ 770 عامًا
سبق

في الحلقة الثانية من المعارك الفاصلة التي تنشرها "سبق" في أيام رمضان الفضيل وفي مثل هذا اليوم الخامس من رمضان وليلة السادس منه توجّه ملك نصارى إسبانيا في هذه الفترة وهو فرناندو الثالث والذي يعد من أعظم ملوك إسبانيا وأكثرهم حربًا ضد المسلمين وأيضًا على يديه سقطت معظم أراضي الأندلس.

ومنذ استولى "فرناندو" على قرطبة أخذ في التفكير والإعداد لغزو أشبيلية باعتبارها درة الأندلس وقاعدة ملكه وأعظم حواضره وأشدها غنى وتحصينًا ومناعةً وأكثرها جنودًا وسكانًا وكانت مسألة الاستيلاء عليها تحتاج إلى إعداد خاص وكبير ليس بالجيوش البرية فقط بل بالأساطيل أيضًا ذلك لأن أشبيلية تقع على نهر الوادي الكبير المتصل بالبحر ومن ثم تأتيها الإمدادات من المغرب بسهولة.

وتبدأ القصة في أوائل سنة 644هـ ـ 1246م خرج فرناندو الثالث بحملة صليبية كبيرة اشترك فيها الأسبان والبرتغاليون والفرنسيون والإيطاليون وفرسان الجماعات الدينية إضافة إلى أسطول كبير أرسله بابا روما من أجل مساعدة الأسبان في الهجوم على أشبيلية.

وضع فرناندو الثالث خطة محكمة تقوم على سياسة الإرهاق والمطاولة بالحصار المحكم من كل الجهات مع الاستيلاء على سلسلة الحصون الأمامية لأشبيلية والتي تمثل خط الدفاع الأول والقوي للمدينة، وقد شن الأسبان هجمات عنيفة على هذه الحصون الواحد تلو الآخر استمرت عدة شهور، استطاعوا خلاها الاستيلاء عليها كلها.

بعد أن أصبحت أشبيلية بلا دفاعات أمامية استعد أهلها لمعركة طويلة الأجل فلم يكن ينوون التسليم مهما كانت الضغوط وبرز اسم القائد شقّاف ويحيى بن خلدون وابن شعيب وغيرهم من أبطال المسلمين هناك، وبدأ الحصار المباشر لأشبيلية في جمادى الأولى سنة 645هـ، وتقاسمت الكتائب الصليبية باختلاف مواطنها مناطق الحصار بحيث تكون المدينة مطوقة من كل اتجاه.

وفي هذا الوقت جاءت نجدة بحرية مغربية لفك الحصار البحري واشتبكت مع الأسطول الأوروبي وأوقعت به خسائر كبيرة، في حين كان المسلمون يخرجون من وقتٍ لآخر ويشتبكون في قتال عنيف مع الصليبيين حتى إنهم ذات مرة هاجموا معسكر فرناندو نفسه وهذه البسالة والجسارة جعلت فرناندو يطلب الكثير من الإمدادات من البرتغال وفرنسا وجاءت مجموعة كبيرة من الرهبان والقساوسة وتم تشديد الحصار على المدينة.

وعلى الرغم من الحصار الطويل والشديد إلا أن الإمدادات كانت ما زالت تصل إلى سكان المدينة المحاصرين عن طريق جسر كبير كان على نهر الوادي الكبير وعند الجسر قلعة ضخمة في ناحية الجنوب الغربي للمدينة، لذلك لم يشغل المسلمون بالهم بمسألة المؤن وتفرغوا لقتال الصليبيين مما جعل أمد الحصار يطول، لذلك جعل فرناندو جل همه وكامل قوته لتحطيم هذا الجسر والاستيلاء على هذه القلعة وهو ما نجح في الشطر الأول منه؛ إذ حطم الجسر وقطع طريق الإمدادات عن المدينة والقلعة وأخذ في تشديد الحصار بكل قوة حتى فنيت الأقوات وتساقط الناس صرعى من الجوع وخارت قوة المدافعين عن القلعة ودخلوا في شروط التسليم بعد أن انقطعت عنهم كل سبل النجاة والمساعدة من الأندلس أو المغرب فعرض قادة القلعة بعض شروط التسليم على فرناندو، فرفضها كلها إذ أصر على تسليم المدينة والقلعة كاملة سليمة وبلا شرط.

لم ير زعماء أشبيلية وأهلها بدًا من قبول مصيرهم المحتوم واتفقوا على تسليم المدينة كلها نظير الخروج بالمال والولد والسلاح مع إعطائهم مهلة مدة شهر لتسوية شؤونهم وإخلاء دورهم، وبعد انقضاء المهلة وفي يوم 5 رمضان 646هـ وليلة السادس منه دخل فرناندو الثالث مدينة أشبيلية في موكب ضخم وفي الحال تم تحويل الجامع الكبير إلى كنيسة، وهكذا سقطت أشبيلية حاضرة الأندلس العظمى بعد أن حكمها المسلمون 554 سنة وسطعت بها عبقريات فذة في تاريخ البشرية في شتى العلوم والفنون.

29 إبريل 2020 - 6 رمضان 1441
12:20 AM

ماذا فعل "فرناندو" للاستيلاء على أشبيلية؟.. ليلة حزينة في التاريخ الإسلامي منذ 770 عامًا

حوّل الجامع الكبير إلى كنيسة وسقطت حاضرة الأندلس بعد أن حكمها المسلمون 540 سنة

A A A
2
6,922

في الحلقة الثانية من المعارك الفاصلة التي تنشرها "سبق" في أيام رمضان الفضيل وفي مثل هذا اليوم الخامس من رمضان وليلة السادس منه توجّه ملك نصارى إسبانيا في هذه الفترة وهو فرناندو الثالث والذي يعد من أعظم ملوك إسبانيا وأكثرهم حربًا ضد المسلمين وأيضًا على يديه سقطت معظم أراضي الأندلس.

ومنذ استولى "فرناندو" على قرطبة أخذ في التفكير والإعداد لغزو أشبيلية باعتبارها درة الأندلس وقاعدة ملكه وأعظم حواضره وأشدها غنى وتحصينًا ومناعةً وأكثرها جنودًا وسكانًا وكانت مسألة الاستيلاء عليها تحتاج إلى إعداد خاص وكبير ليس بالجيوش البرية فقط بل بالأساطيل أيضًا ذلك لأن أشبيلية تقع على نهر الوادي الكبير المتصل بالبحر ومن ثم تأتيها الإمدادات من المغرب بسهولة.

وتبدأ القصة في أوائل سنة 644هـ ـ 1246م خرج فرناندو الثالث بحملة صليبية كبيرة اشترك فيها الأسبان والبرتغاليون والفرنسيون والإيطاليون وفرسان الجماعات الدينية إضافة إلى أسطول كبير أرسله بابا روما من أجل مساعدة الأسبان في الهجوم على أشبيلية.

وضع فرناندو الثالث خطة محكمة تقوم على سياسة الإرهاق والمطاولة بالحصار المحكم من كل الجهات مع الاستيلاء على سلسلة الحصون الأمامية لأشبيلية والتي تمثل خط الدفاع الأول والقوي للمدينة، وقد شن الأسبان هجمات عنيفة على هذه الحصون الواحد تلو الآخر استمرت عدة شهور، استطاعوا خلاها الاستيلاء عليها كلها.

بعد أن أصبحت أشبيلية بلا دفاعات أمامية استعد أهلها لمعركة طويلة الأجل فلم يكن ينوون التسليم مهما كانت الضغوط وبرز اسم القائد شقّاف ويحيى بن خلدون وابن شعيب وغيرهم من أبطال المسلمين هناك، وبدأ الحصار المباشر لأشبيلية في جمادى الأولى سنة 645هـ، وتقاسمت الكتائب الصليبية باختلاف مواطنها مناطق الحصار بحيث تكون المدينة مطوقة من كل اتجاه.

وفي هذا الوقت جاءت نجدة بحرية مغربية لفك الحصار البحري واشتبكت مع الأسطول الأوروبي وأوقعت به خسائر كبيرة، في حين كان المسلمون يخرجون من وقتٍ لآخر ويشتبكون في قتال عنيف مع الصليبيين حتى إنهم ذات مرة هاجموا معسكر فرناندو نفسه وهذه البسالة والجسارة جعلت فرناندو يطلب الكثير من الإمدادات من البرتغال وفرنسا وجاءت مجموعة كبيرة من الرهبان والقساوسة وتم تشديد الحصار على المدينة.

وعلى الرغم من الحصار الطويل والشديد إلا أن الإمدادات كانت ما زالت تصل إلى سكان المدينة المحاصرين عن طريق جسر كبير كان على نهر الوادي الكبير وعند الجسر قلعة ضخمة في ناحية الجنوب الغربي للمدينة، لذلك لم يشغل المسلمون بالهم بمسألة المؤن وتفرغوا لقتال الصليبيين مما جعل أمد الحصار يطول، لذلك جعل فرناندو جل همه وكامل قوته لتحطيم هذا الجسر والاستيلاء على هذه القلعة وهو ما نجح في الشطر الأول منه؛ إذ حطم الجسر وقطع طريق الإمدادات عن المدينة والقلعة وأخذ في تشديد الحصار بكل قوة حتى فنيت الأقوات وتساقط الناس صرعى من الجوع وخارت قوة المدافعين عن القلعة ودخلوا في شروط التسليم بعد أن انقطعت عنهم كل سبل النجاة والمساعدة من الأندلس أو المغرب فعرض قادة القلعة بعض شروط التسليم على فرناندو، فرفضها كلها إذ أصر على تسليم المدينة والقلعة كاملة سليمة وبلا شرط.

لم ير زعماء أشبيلية وأهلها بدًا من قبول مصيرهم المحتوم واتفقوا على تسليم المدينة كلها نظير الخروج بالمال والولد والسلاح مع إعطائهم مهلة مدة شهر لتسوية شؤونهم وإخلاء دورهم، وبعد انقضاء المهلة وفي يوم 5 رمضان 646هـ وليلة السادس منه دخل فرناندو الثالث مدينة أشبيلية في موكب ضخم وفي الحال تم تحويل الجامع الكبير إلى كنيسة، وهكذا سقطت أشبيلية حاضرة الأندلس العظمى بعد أن حكمها المسلمون 554 سنة وسطعت بها عبقريات فذة في تاريخ البشرية في شتى العلوم والفنون.