يا هلا بالأميرة...!

عندما كنت صغيرة أتذكر شيئاً واحداً وهو أني كنت "أميرة".. فهذا ما كان يناديني به أبي حتى اعتقدت حقاً أني كذلك.

وسعادة تلك الكلمة وأثرها الإيجابي في نفسي رافقني في طفولتي المبكرة، ومراهقتي، وحتى أصبحت أماً اليوم.

كان يناديني أمام الآخرين "هلا بالأميرة"، وفي البيت "هلا بالأميرة".. في كل مكان رافقني ذلك اللقب حتى تملكني شعور فخر والدي بي منذ نعومة أظافري.. تقاسيم وجهه، ولغة جسده، وإيمانه بها كان جلياً في كل مرة يقولها.

فخره بأفعالي الصغيرة جعلني أكبر على هذا النمط، حتى جاء اليوم الذي جعلته يفخر بأفعالي الكبيرة؛ لأنه هو مَن وضع لي ذاك الطموح، هو من رسم لي ذاك الأفق الواسع؛ لأنه كان يرددها دائماً وبكل فخر "هلا بالأميرة" فكنت له كذلك.

لا أذكر أنه انتقدني يوماً؛ ولكنه كان يشجعني دوماً.. لغته المشجعة لم تجعل للأخطاء مساحة لتنمو؛ بل قتلتها في المهد.. حواراته الدافئة كانت تنمي فيّ جوانب كثيرة لم أعِ بعضها سوى اليوم.. أسلوبه المحفز دائماً كان يجعلني في أي ظرف أتجه مباشرة للتفكير في الحل؛ بدل الانغماس في المشكلة.. احترامه لي ولكياني واهتماماتي جعلني بكل شجاعة وإصرار أختار التخصص الذي حقّره المجتمع -مع الأسف- وأحببته أنا!

كان أول مشجّع ومحفز عندما قررت التحويل من تخصص الطب في الجامعة لتخصص رياض الأطفال! في وقت كنت أسمع كثيراً ممن حولي يرددون: "يا خسارة، يا حسافتك، من طب لرياض أطفال؟!"؛ وكأنني ارتكبت عاراً؛ إلا هو فقد رآها نقطة تحول إيجابية؛ لأني اخترت ما أريد. وكان متأكداً أنني سأبدع في ذلك المجال؛ فكنت له كذلك ولله الفضل والحمد.

كل ما اعتقده أبي حققته بفضل الله، وربما أكثر؛ لأنه اعتقد لي الأشياء الجميلة، وفخره بي كان يومياً بكل صغيرة أفعلها.

لم ينتظر أبي حتى أتخرج بمرتبة الشرف أو حتى أظهر في التلفاز ليفخر بي؛ بل كان فخره قبل كل ذلك؛ فقادني فخره وتشجيعه الدائم -بعد فضل الله- لكل ذلك!

إنها بيئة "التشجيع"، "التعزيز"، "الحب غير المشروط"، "الاحترام"، "الإيحاء الإيجابي"، "التقبل".

لم أعرف هذه المصطلحات إلا عندما كبرت ودرست وتخصصت في مجالي التربوي؛ ولكنها جميعها اختصرت بكلمته التي ما زال يرددها أطال الله في عمره وحفظه من كل مكروه: "هلا.. بالأميرة".

كلمته التي أعتبرها درساً رائعاً في التربية الإيجابية، يقولها بوجه باسم ونبرة في طياتها فخر ورضىً وحب..

لم ينتقد، لم يحقر، لم يصرخ، لم يعبس، لم يضرب، لم يغضب..

بل كان يقدّر ويشكر أي مجهود بسيط أبذله ولو كان صُنْع كوب قهوته المفضلة، أو حتى رسمتي التي يعلقها بكل فخر في مكتبه منذ سنوات!

تقبلني في كل حالاتي، في غضبي وانفعالاتي، في نجاحي وفي إخفاقاتي. فكيف لي ألا أكون أميرته بعد كل ذلك؟

لقد بذر أبي بذوراً أنبتت اليوم شخصية قادرةً على العطاء في مجتمعها؛ لأنه سقاها بالتشجيع والحب والاحترام.. فلك كل التقدير والاحترام يا أبي، كم أنت عظيم!

أتساءل.. ماذا لو لم أسمع في حياتي تلك الكلمة؟! ماذا لو نشأت على "هالغبية"، "هالعنيدة"، "هالملسونة"، "الله يرحم حالها هالضعيفة"، "هالنزغة"، "هالمزعجة"، "هالحوسانية"، "هالكذابة"، "هالـ......."، وأترك لكم تخمين بقية المفردات المحبطة..

يا ترى.. كيف كنت سأكون اليوم؟ وكيف هو حال كل طفل يمسي ويصبح على جمل كتلك؟

فلكل أب وأم أقول واسمعوها جيداً:

ابذروا بذوركم اليوم واسقوها بالتشجيع وتقدير كل صغيرة إيجابية؛ لتَسعدوا غداً بثمار يانعة بهية.

"لا تحقرن صغيرةً؛ فإن الجبال من الحصى"؛ فما تعتقده من ابنك سيكون عليه بعد مشيئة الله؛ فإن رأيته "بثر" سيصبح كذلك، وإن رأيته "غبياً" سيصبح كذلك، وإن رأيته "ما يفهم" سيكون كذلك، وإن رأيته "فاهي" سيتمكن منها قريباً، وإن أحسست أنه "ثقيل دم على خواله ولا عمانه" سيتجاوزهم بمراحل، وإن اعتقدت أنه أقل حظاً أو عقلاً من غيره سيبهرك بقوة حدسك وسيكون كذلك.

فإنما الطبع بالتطبع؛ وإنما التفاءل بالشيء يجعله يكون.. "تفاءلوا بالخير تجدوه"؛ فبالتكرار سيتبرمج عقل طفلك اللاواعي على ما تكرر على مسامعه، وسيعتقد حقاً أنه كذلك؛ لأن عقله كان خاوياً فملأته أنت بأفكارك وتوقعاتك، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

والأهم من ذلك كله أن تلك الألقاب ليست فقط تجرح كرامة الطفل وتؤذيه؛ بل إنها محرمة شرعاً، قال تعالى: {ولا تنابزوا بالألقاب}؛ فتحريمها في القرآن إنما يدل على قوة تأثيرها السلبي على الإنسان صغيراً كان أم كبيراً، والذي قد يؤدي لعرقلة حياته أيما عرقلة؛ فضلاً عن مشاعر الكره والإحباط التي سيشعر بها الطفل في كل مرة يسمع لقباً ينتقص من قدراته وكرامته؛ فما بالك لو كان أمام الآخرين؟! تلك إذن جريمة أفظع.

الخلاصة:

أحسنوا الظن بأبنائكم، ضعوا المكبر على إيجابياتهم البسيطة، وافخروا بها لتكبر وتكبر ثم تبهر.

لا تعتقدوا أن الفخر بهم محكوم بالإنجازات الكبيرة؛ فارتداء الطفل للحذاء إنجاز، وحل الواجب بمفرده إنجاز، وإعادة القلم للدرج إنجاز، وتركيب لعبته إنجاز؛ فإن أنت رأيتها وانتبهت لها وشجعتها ستنمو وتتضاعف، وإن أنت همّشتها وتركت الجمال في طفلك لتوبخه على خطه غير المرتب أو درجته الناقصة في الاختبار؛ سينسى الجمال ويكبر وهو يعتقد أنه صاحب الخط البشع والفاشل دراسياً.

فهّمش ما لا تريد؛ ليخبـو.. وافخــر بمـا تريد؛ لينمــو.

@maha.hagabani

اعلان
يا هلا بالأميرة...!
سبق

عندما كنت صغيرة أتذكر شيئاً واحداً وهو أني كنت "أميرة".. فهذا ما كان يناديني به أبي حتى اعتقدت حقاً أني كذلك.

وسعادة تلك الكلمة وأثرها الإيجابي في نفسي رافقني في طفولتي المبكرة، ومراهقتي، وحتى أصبحت أماً اليوم.

كان يناديني أمام الآخرين "هلا بالأميرة"، وفي البيت "هلا بالأميرة".. في كل مكان رافقني ذلك اللقب حتى تملكني شعور فخر والدي بي منذ نعومة أظافري.. تقاسيم وجهه، ولغة جسده، وإيمانه بها كان جلياً في كل مرة يقولها.

فخره بأفعالي الصغيرة جعلني أكبر على هذا النمط، حتى جاء اليوم الذي جعلته يفخر بأفعالي الكبيرة؛ لأنه هو مَن وضع لي ذاك الطموح، هو من رسم لي ذاك الأفق الواسع؛ لأنه كان يرددها دائماً وبكل فخر "هلا بالأميرة" فكنت له كذلك.

لا أذكر أنه انتقدني يوماً؛ ولكنه كان يشجعني دوماً.. لغته المشجعة لم تجعل للأخطاء مساحة لتنمو؛ بل قتلتها في المهد.. حواراته الدافئة كانت تنمي فيّ جوانب كثيرة لم أعِ بعضها سوى اليوم.. أسلوبه المحفز دائماً كان يجعلني في أي ظرف أتجه مباشرة للتفكير في الحل؛ بدل الانغماس في المشكلة.. احترامه لي ولكياني واهتماماتي جعلني بكل شجاعة وإصرار أختار التخصص الذي حقّره المجتمع -مع الأسف- وأحببته أنا!

كان أول مشجّع ومحفز عندما قررت التحويل من تخصص الطب في الجامعة لتخصص رياض الأطفال! في وقت كنت أسمع كثيراً ممن حولي يرددون: "يا خسارة، يا حسافتك، من طب لرياض أطفال؟!"؛ وكأنني ارتكبت عاراً؛ إلا هو فقد رآها نقطة تحول إيجابية؛ لأني اخترت ما أريد. وكان متأكداً أنني سأبدع في ذلك المجال؛ فكنت له كذلك ولله الفضل والحمد.

كل ما اعتقده أبي حققته بفضل الله، وربما أكثر؛ لأنه اعتقد لي الأشياء الجميلة، وفخره بي كان يومياً بكل صغيرة أفعلها.

لم ينتظر أبي حتى أتخرج بمرتبة الشرف أو حتى أظهر في التلفاز ليفخر بي؛ بل كان فخره قبل كل ذلك؛ فقادني فخره وتشجيعه الدائم -بعد فضل الله- لكل ذلك!

إنها بيئة "التشجيع"، "التعزيز"، "الحب غير المشروط"، "الاحترام"، "الإيحاء الإيجابي"، "التقبل".

لم أعرف هذه المصطلحات إلا عندما كبرت ودرست وتخصصت في مجالي التربوي؛ ولكنها جميعها اختصرت بكلمته التي ما زال يرددها أطال الله في عمره وحفظه من كل مكروه: "هلا.. بالأميرة".

كلمته التي أعتبرها درساً رائعاً في التربية الإيجابية، يقولها بوجه باسم ونبرة في طياتها فخر ورضىً وحب..

لم ينتقد، لم يحقر، لم يصرخ، لم يعبس، لم يضرب، لم يغضب..

بل كان يقدّر ويشكر أي مجهود بسيط أبذله ولو كان صُنْع كوب قهوته المفضلة، أو حتى رسمتي التي يعلقها بكل فخر في مكتبه منذ سنوات!

تقبلني في كل حالاتي، في غضبي وانفعالاتي، في نجاحي وفي إخفاقاتي. فكيف لي ألا أكون أميرته بعد كل ذلك؟

لقد بذر أبي بذوراً أنبتت اليوم شخصية قادرةً على العطاء في مجتمعها؛ لأنه سقاها بالتشجيع والحب والاحترام.. فلك كل التقدير والاحترام يا أبي، كم أنت عظيم!

أتساءل.. ماذا لو لم أسمع في حياتي تلك الكلمة؟! ماذا لو نشأت على "هالغبية"، "هالعنيدة"، "هالملسونة"، "الله يرحم حالها هالضعيفة"، "هالنزغة"، "هالمزعجة"، "هالحوسانية"، "هالكذابة"، "هالـ......."، وأترك لكم تخمين بقية المفردات المحبطة..

يا ترى.. كيف كنت سأكون اليوم؟ وكيف هو حال كل طفل يمسي ويصبح على جمل كتلك؟

فلكل أب وأم أقول واسمعوها جيداً:

ابذروا بذوركم اليوم واسقوها بالتشجيع وتقدير كل صغيرة إيجابية؛ لتَسعدوا غداً بثمار يانعة بهية.

"لا تحقرن صغيرةً؛ فإن الجبال من الحصى"؛ فما تعتقده من ابنك سيكون عليه بعد مشيئة الله؛ فإن رأيته "بثر" سيصبح كذلك، وإن رأيته "غبياً" سيصبح كذلك، وإن رأيته "ما يفهم" سيكون كذلك، وإن رأيته "فاهي" سيتمكن منها قريباً، وإن أحسست أنه "ثقيل دم على خواله ولا عمانه" سيتجاوزهم بمراحل، وإن اعتقدت أنه أقل حظاً أو عقلاً من غيره سيبهرك بقوة حدسك وسيكون كذلك.

فإنما الطبع بالتطبع؛ وإنما التفاءل بالشيء يجعله يكون.. "تفاءلوا بالخير تجدوه"؛ فبالتكرار سيتبرمج عقل طفلك اللاواعي على ما تكرر على مسامعه، وسيعتقد حقاً أنه كذلك؛ لأن عقله كان خاوياً فملأته أنت بأفكارك وتوقعاتك، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

والأهم من ذلك كله أن تلك الألقاب ليست فقط تجرح كرامة الطفل وتؤذيه؛ بل إنها محرمة شرعاً، قال تعالى: {ولا تنابزوا بالألقاب}؛ فتحريمها في القرآن إنما يدل على قوة تأثيرها السلبي على الإنسان صغيراً كان أم كبيراً، والذي قد يؤدي لعرقلة حياته أيما عرقلة؛ فضلاً عن مشاعر الكره والإحباط التي سيشعر بها الطفل في كل مرة يسمع لقباً ينتقص من قدراته وكرامته؛ فما بالك لو كان أمام الآخرين؟! تلك إذن جريمة أفظع.

الخلاصة:

أحسنوا الظن بأبنائكم، ضعوا المكبر على إيجابياتهم البسيطة، وافخروا بها لتكبر وتكبر ثم تبهر.

لا تعتقدوا أن الفخر بهم محكوم بالإنجازات الكبيرة؛ فارتداء الطفل للحذاء إنجاز، وحل الواجب بمفرده إنجاز، وإعادة القلم للدرج إنجاز، وتركيب لعبته إنجاز؛ فإن أنت رأيتها وانتبهت لها وشجعتها ستنمو وتتضاعف، وإن أنت همّشتها وتركت الجمال في طفلك لتوبخه على خطه غير المرتب أو درجته الناقصة في الاختبار؛ سينسى الجمال ويكبر وهو يعتقد أنه صاحب الخط البشع والفاشل دراسياً.

فهّمش ما لا تريد؛ ليخبـو.. وافخــر بمـا تريد؛ لينمــو.

@maha.hagabani

04 يوليو 2018 - 20 شوّال 1439
11:43 AM

يا هلا بالأميرة...!

مها عبدالله الحقباني - الرياض
A A A
4
4,449

عندما كنت صغيرة أتذكر شيئاً واحداً وهو أني كنت "أميرة".. فهذا ما كان يناديني به أبي حتى اعتقدت حقاً أني كذلك.

وسعادة تلك الكلمة وأثرها الإيجابي في نفسي رافقني في طفولتي المبكرة، ومراهقتي، وحتى أصبحت أماً اليوم.

كان يناديني أمام الآخرين "هلا بالأميرة"، وفي البيت "هلا بالأميرة".. في كل مكان رافقني ذلك اللقب حتى تملكني شعور فخر والدي بي منذ نعومة أظافري.. تقاسيم وجهه، ولغة جسده، وإيمانه بها كان جلياً في كل مرة يقولها.

فخره بأفعالي الصغيرة جعلني أكبر على هذا النمط، حتى جاء اليوم الذي جعلته يفخر بأفعالي الكبيرة؛ لأنه هو مَن وضع لي ذاك الطموح، هو من رسم لي ذاك الأفق الواسع؛ لأنه كان يرددها دائماً وبكل فخر "هلا بالأميرة" فكنت له كذلك.

لا أذكر أنه انتقدني يوماً؛ ولكنه كان يشجعني دوماً.. لغته المشجعة لم تجعل للأخطاء مساحة لتنمو؛ بل قتلتها في المهد.. حواراته الدافئة كانت تنمي فيّ جوانب كثيرة لم أعِ بعضها سوى اليوم.. أسلوبه المحفز دائماً كان يجعلني في أي ظرف أتجه مباشرة للتفكير في الحل؛ بدل الانغماس في المشكلة.. احترامه لي ولكياني واهتماماتي جعلني بكل شجاعة وإصرار أختار التخصص الذي حقّره المجتمع -مع الأسف- وأحببته أنا!

كان أول مشجّع ومحفز عندما قررت التحويل من تخصص الطب في الجامعة لتخصص رياض الأطفال! في وقت كنت أسمع كثيراً ممن حولي يرددون: "يا خسارة، يا حسافتك، من طب لرياض أطفال؟!"؛ وكأنني ارتكبت عاراً؛ إلا هو فقد رآها نقطة تحول إيجابية؛ لأني اخترت ما أريد. وكان متأكداً أنني سأبدع في ذلك المجال؛ فكنت له كذلك ولله الفضل والحمد.

كل ما اعتقده أبي حققته بفضل الله، وربما أكثر؛ لأنه اعتقد لي الأشياء الجميلة، وفخره بي كان يومياً بكل صغيرة أفعلها.

لم ينتظر أبي حتى أتخرج بمرتبة الشرف أو حتى أظهر في التلفاز ليفخر بي؛ بل كان فخره قبل كل ذلك؛ فقادني فخره وتشجيعه الدائم -بعد فضل الله- لكل ذلك!

إنها بيئة "التشجيع"، "التعزيز"، "الحب غير المشروط"، "الاحترام"، "الإيحاء الإيجابي"، "التقبل".

لم أعرف هذه المصطلحات إلا عندما كبرت ودرست وتخصصت في مجالي التربوي؛ ولكنها جميعها اختصرت بكلمته التي ما زال يرددها أطال الله في عمره وحفظه من كل مكروه: "هلا.. بالأميرة".

كلمته التي أعتبرها درساً رائعاً في التربية الإيجابية، يقولها بوجه باسم ونبرة في طياتها فخر ورضىً وحب..

لم ينتقد، لم يحقر، لم يصرخ، لم يعبس، لم يضرب، لم يغضب..

بل كان يقدّر ويشكر أي مجهود بسيط أبذله ولو كان صُنْع كوب قهوته المفضلة، أو حتى رسمتي التي يعلقها بكل فخر في مكتبه منذ سنوات!

تقبلني في كل حالاتي، في غضبي وانفعالاتي، في نجاحي وفي إخفاقاتي. فكيف لي ألا أكون أميرته بعد كل ذلك؟

لقد بذر أبي بذوراً أنبتت اليوم شخصية قادرةً على العطاء في مجتمعها؛ لأنه سقاها بالتشجيع والحب والاحترام.. فلك كل التقدير والاحترام يا أبي، كم أنت عظيم!

أتساءل.. ماذا لو لم أسمع في حياتي تلك الكلمة؟! ماذا لو نشأت على "هالغبية"، "هالعنيدة"، "هالملسونة"، "الله يرحم حالها هالضعيفة"، "هالنزغة"، "هالمزعجة"، "هالحوسانية"، "هالكذابة"، "هالـ......."، وأترك لكم تخمين بقية المفردات المحبطة..

يا ترى.. كيف كنت سأكون اليوم؟ وكيف هو حال كل طفل يمسي ويصبح على جمل كتلك؟

فلكل أب وأم أقول واسمعوها جيداً:

ابذروا بذوركم اليوم واسقوها بالتشجيع وتقدير كل صغيرة إيجابية؛ لتَسعدوا غداً بثمار يانعة بهية.

"لا تحقرن صغيرةً؛ فإن الجبال من الحصى"؛ فما تعتقده من ابنك سيكون عليه بعد مشيئة الله؛ فإن رأيته "بثر" سيصبح كذلك، وإن رأيته "غبياً" سيصبح كذلك، وإن رأيته "ما يفهم" سيكون كذلك، وإن رأيته "فاهي" سيتمكن منها قريباً، وإن أحسست أنه "ثقيل دم على خواله ولا عمانه" سيتجاوزهم بمراحل، وإن اعتقدت أنه أقل حظاً أو عقلاً من غيره سيبهرك بقوة حدسك وسيكون كذلك.

فإنما الطبع بالتطبع؛ وإنما التفاءل بالشيء يجعله يكون.. "تفاءلوا بالخير تجدوه"؛ فبالتكرار سيتبرمج عقل طفلك اللاواعي على ما تكرر على مسامعه، وسيعتقد حقاً أنه كذلك؛ لأن عقله كان خاوياً فملأته أنت بأفكارك وتوقعاتك، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

والأهم من ذلك كله أن تلك الألقاب ليست فقط تجرح كرامة الطفل وتؤذيه؛ بل إنها محرمة شرعاً، قال تعالى: {ولا تنابزوا بالألقاب}؛ فتحريمها في القرآن إنما يدل على قوة تأثيرها السلبي على الإنسان صغيراً كان أم كبيراً، والذي قد يؤدي لعرقلة حياته أيما عرقلة؛ فضلاً عن مشاعر الكره والإحباط التي سيشعر بها الطفل في كل مرة يسمع لقباً ينتقص من قدراته وكرامته؛ فما بالك لو كان أمام الآخرين؟! تلك إذن جريمة أفظع.

الخلاصة:

أحسنوا الظن بأبنائكم، ضعوا المكبر على إيجابياتهم البسيطة، وافخروا بها لتكبر وتكبر ثم تبهر.

لا تعتقدوا أن الفخر بهم محكوم بالإنجازات الكبيرة؛ فارتداء الطفل للحذاء إنجاز، وحل الواجب بمفرده إنجاز، وإعادة القلم للدرج إنجاز، وتركيب لعبته إنجاز؛ فإن أنت رأيتها وانتبهت لها وشجعتها ستنمو وتتضاعف، وإن أنت همّشتها وتركت الجمال في طفلك لتوبخه على خطه غير المرتب أو درجته الناقصة في الاختبار؛ سينسى الجمال ويكبر وهو يعتقد أنه صاحب الخط البشع والفاشل دراسياً.

فهّمش ما لا تريد؛ ليخبـو.. وافخــر بمـا تريد؛ لينمــو.

@maha.hagabani