الربع الخالي يروي عطش الأهالي

أحد عشر عامًا مرَّت على بدء تدفق مياه الشرب من الربع الخالي إلى نجران؛ لتضع حلاً لأزمة العطش التي عاشتها المنطقة، وتعلن بداية عهد جديد من التنمية، ما زلنا نعيشه حتى اليوم.

ذلك المشروع الذي كان حلمًا يراود مواطني نجران والمقيمين على أرضها تحوَّل إلى واقع جميل، نتفيأ ظلاله، وننعم بمزاياه العديدة؛ بسبب قوة الإرادة التي تتحلى بها القيادة الرشيدة، ورغبتها الأكيدة في تحويل الأحلام إلى حقائق على الأرض لإسعاد شعبها، وتقديم ما يؤدي إلى رفاهيته.

لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أن صحراء الربع الخالي التي اشتُهرت على مدار التاريخ بقسوة طبيعتها يمكن أن تمنح مقومات الحياة لمنطقة نجران، لكن بعد اكتشاف ما تتمتع به من مخزون ضخم للمياه الجوفية انتصرت عزيمة الإنسان بعد أن شمّر السعوديون عن سواعد الجد، وقهروا الصعاب، وأثبتوا أنه لا وجود لكلمة مستحيل في قاموسهم.

لكن لأن البعض اعتاد الاستهتار، وعدم التقدير الكافي لعناصر التنمية ومقومات النهضة، فقد بدأت مشكلة المياه تطل برأسها من جديد بسبب عوامل عدة، تتمثل في استمرار الهدر، وعدم التجاوب مع الدعوات المطالِبة بالترشيد، رغم الحملات التوعوية المكثفة التي دشنتها الجهات المسؤولة.

ومع أن المنطقة عُرفت منذ قديم الزمان باعتماد أهلها على الزراعة إلا أن كثيرًا من العاملين في هذا المجال ما زالوا يتمسكون بممارسة طرق الزراعة التقليدية التي تتسبب في استنزاف المياه؛ لأنها تتطلب توافُر كميات كبيرة من المياه؛ لذلك فإن تكلفة تلك المياه تفوق العائد من زراعة تلك المحاصيل عند حساب قيمة المياه بصورة اقتصادية.

ومما يضاعف من الحاجة إلى المياه اتساع الرقعة السكنية والمناطق العمرانية، وتزايُد عدد السكان في المنطقة نتيجة لما تشهده من تطور ونهضة في جميع أرجائها -ولله الحمد-.

وكنتيجة طبيعية لازدياد الطلب، وثبات العرض، فإن الكثير من أحياء نجران تشهد شحًّا في المياه خلال بعض الأوقات؛ وهو ما يؤدي إلى ارتفاع في أسعار الوايتات بصورة تزعج السكان، وتشكل ضغطًا على ميزانياتهم.

وحتى نصل إلى صيغة تضمن استمرار إمدادات المياه بدون تناقص، وفي الوقت نفسه تتيح الفرصة للمزارعين لممارسة أعمالهم، فإن المصلحة تتطلب البحث عن أفضل الطرق الحديثة لممارسة الزراعة، واستخدام أساليب الري الحديثة التي تتلافى هدر المياه وإضاعتها، مثل الري بطريقة التنقيط وخلافه، إضافة إلى استخدام مياه الصرف الصحي المعالَجة التي لا تسبب خطرًا على حياه الإنسان. وهذه طرق علمية مستخدَمة في كثير من الدول.

ولا أعتقد أن هناك من يجهل أهمية ترشيد استخدام المياه، فإضافة إلى أهمية الماء لاستمرار الحياة البشرية، ووضع الأولوية لاستخدامات الشرب، فإن الترشيد يؤدي إلى تحقيق مبادئ التنمية المستدامة عبر توفير الموارد، وعدم استنزافها، وإتاحة الفرصة للأجيال المقبلة للاستفادة منها، إضافة إلى تقليل المخصصات الحكومية التي توجَّه لتوفير المياه، والاستفادة منها في المشاريع الإنتاجية التي تعود بالنفع على المنطقة والوطن عمومًا، والتغلب على مشكلة التغير المناخي.

ومما يبعث على الاطمئنان البدء في المرحلة الثانية من مشروع الربع الخالي لمضاعفة كميات المياه بالاستفادة من التقنيات العلمية الحديثة التي ظهرت خلال الفترة الماضية؛ وهو ما يؤكد إصرار الدولة على وضع حلول نهائية لأزمة المياه في نجران. وهذه الجهود تتطلب منا مقابلتها بالتقدير اللائق، بالأفعال وعدم الاكتفاء بالأقوال، واستشعار المسؤولية، والالتزام الحقيقي بالترشيد؛ لأن قطرة المياه التي تُهدَر اليوم قد تنقذ حياة أحدهم غدًا.

علي آل شرمة
اعلان
الربع الخالي يروي عطش الأهالي
سبق

أحد عشر عامًا مرَّت على بدء تدفق مياه الشرب من الربع الخالي إلى نجران؛ لتضع حلاً لأزمة العطش التي عاشتها المنطقة، وتعلن بداية عهد جديد من التنمية، ما زلنا نعيشه حتى اليوم.

ذلك المشروع الذي كان حلمًا يراود مواطني نجران والمقيمين على أرضها تحوَّل إلى واقع جميل، نتفيأ ظلاله، وننعم بمزاياه العديدة؛ بسبب قوة الإرادة التي تتحلى بها القيادة الرشيدة، ورغبتها الأكيدة في تحويل الأحلام إلى حقائق على الأرض لإسعاد شعبها، وتقديم ما يؤدي إلى رفاهيته.

لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أن صحراء الربع الخالي التي اشتُهرت على مدار التاريخ بقسوة طبيعتها يمكن أن تمنح مقومات الحياة لمنطقة نجران، لكن بعد اكتشاف ما تتمتع به من مخزون ضخم للمياه الجوفية انتصرت عزيمة الإنسان بعد أن شمّر السعوديون عن سواعد الجد، وقهروا الصعاب، وأثبتوا أنه لا وجود لكلمة مستحيل في قاموسهم.

لكن لأن البعض اعتاد الاستهتار، وعدم التقدير الكافي لعناصر التنمية ومقومات النهضة، فقد بدأت مشكلة المياه تطل برأسها من جديد بسبب عوامل عدة، تتمثل في استمرار الهدر، وعدم التجاوب مع الدعوات المطالِبة بالترشيد، رغم الحملات التوعوية المكثفة التي دشنتها الجهات المسؤولة.

ومع أن المنطقة عُرفت منذ قديم الزمان باعتماد أهلها على الزراعة إلا أن كثيرًا من العاملين في هذا المجال ما زالوا يتمسكون بممارسة طرق الزراعة التقليدية التي تتسبب في استنزاف المياه؛ لأنها تتطلب توافُر كميات كبيرة من المياه؛ لذلك فإن تكلفة تلك المياه تفوق العائد من زراعة تلك المحاصيل عند حساب قيمة المياه بصورة اقتصادية.

ومما يضاعف من الحاجة إلى المياه اتساع الرقعة السكنية والمناطق العمرانية، وتزايُد عدد السكان في المنطقة نتيجة لما تشهده من تطور ونهضة في جميع أرجائها -ولله الحمد-.

وكنتيجة طبيعية لازدياد الطلب، وثبات العرض، فإن الكثير من أحياء نجران تشهد شحًّا في المياه خلال بعض الأوقات؛ وهو ما يؤدي إلى ارتفاع في أسعار الوايتات بصورة تزعج السكان، وتشكل ضغطًا على ميزانياتهم.

وحتى نصل إلى صيغة تضمن استمرار إمدادات المياه بدون تناقص، وفي الوقت نفسه تتيح الفرصة للمزارعين لممارسة أعمالهم، فإن المصلحة تتطلب البحث عن أفضل الطرق الحديثة لممارسة الزراعة، واستخدام أساليب الري الحديثة التي تتلافى هدر المياه وإضاعتها، مثل الري بطريقة التنقيط وخلافه، إضافة إلى استخدام مياه الصرف الصحي المعالَجة التي لا تسبب خطرًا على حياه الإنسان. وهذه طرق علمية مستخدَمة في كثير من الدول.

ولا أعتقد أن هناك من يجهل أهمية ترشيد استخدام المياه، فإضافة إلى أهمية الماء لاستمرار الحياة البشرية، ووضع الأولوية لاستخدامات الشرب، فإن الترشيد يؤدي إلى تحقيق مبادئ التنمية المستدامة عبر توفير الموارد، وعدم استنزافها، وإتاحة الفرصة للأجيال المقبلة للاستفادة منها، إضافة إلى تقليل المخصصات الحكومية التي توجَّه لتوفير المياه، والاستفادة منها في المشاريع الإنتاجية التي تعود بالنفع على المنطقة والوطن عمومًا، والتغلب على مشكلة التغير المناخي.

ومما يبعث على الاطمئنان البدء في المرحلة الثانية من مشروع الربع الخالي لمضاعفة كميات المياه بالاستفادة من التقنيات العلمية الحديثة التي ظهرت خلال الفترة الماضية؛ وهو ما يؤكد إصرار الدولة على وضع حلول نهائية لأزمة المياه في نجران. وهذه الجهود تتطلب منا مقابلتها بالتقدير اللائق، بالأفعال وعدم الاكتفاء بالأقوال، واستشعار المسؤولية، والالتزام الحقيقي بالترشيد؛ لأن قطرة المياه التي تُهدَر اليوم قد تنقذ حياة أحدهم غدًا.

17 إبريل 2021 - 5 رمضان 1442
10:49 PM
اخر تعديل
11 يونيو 2021 - 1 ذو القعدة 1442
11:28 PM

الربع الخالي يروي عطش الأهالي

علي آل شرمة - الرياض
A A A
0
927

أحد عشر عامًا مرَّت على بدء تدفق مياه الشرب من الربع الخالي إلى نجران؛ لتضع حلاً لأزمة العطش التي عاشتها المنطقة، وتعلن بداية عهد جديد من التنمية، ما زلنا نعيشه حتى اليوم.

ذلك المشروع الذي كان حلمًا يراود مواطني نجران والمقيمين على أرضها تحوَّل إلى واقع جميل، نتفيأ ظلاله، وننعم بمزاياه العديدة؛ بسبب قوة الإرادة التي تتحلى بها القيادة الرشيدة، ورغبتها الأكيدة في تحويل الأحلام إلى حقائق على الأرض لإسعاد شعبها، وتقديم ما يؤدي إلى رفاهيته.

لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أن صحراء الربع الخالي التي اشتُهرت على مدار التاريخ بقسوة طبيعتها يمكن أن تمنح مقومات الحياة لمنطقة نجران، لكن بعد اكتشاف ما تتمتع به من مخزون ضخم للمياه الجوفية انتصرت عزيمة الإنسان بعد أن شمّر السعوديون عن سواعد الجد، وقهروا الصعاب، وأثبتوا أنه لا وجود لكلمة مستحيل في قاموسهم.

لكن لأن البعض اعتاد الاستهتار، وعدم التقدير الكافي لعناصر التنمية ومقومات النهضة، فقد بدأت مشكلة المياه تطل برأسها من جديد بسبب عوامل عدة، تتمثل في استمرار الهدر، وعدم التجاوب مع الدعوات المطالِبة بالترشيد، رغم الحملات التوعوية المكثفة التي دشنتها الجهات المسؤولة.

ومع أن المنطقة عُرفت منذ قديم الزمان باعتماد أهلها على الزراعة إلا أن كثيرًا من العاملين في هذا المجال ما زالوا يتمسكون بممارسة طرق الزراعة التقليدية التي تتسبب في استنزاف المياه؛ لأنها تتطلب توافُر كميات كبيرة من المياه؛ لذلك فإن تكلفة تلك المياه تفوق العائد من زراعة تلك المحاصيل عند حساب قيمة المياه بصورة اقتصادية.

ومما يضاعف من الحاجة إلى المياه اتساع الرقعة السكنية والمناطق العمرانية، وتزايُد عدد السكان في المنطقة نتيجة لما تشهده من تطور ونهضة في جميع أرجائها -ولله الحمد-.

وكنتيجة طبيعية لازدياد الطلب، وثبات العرض، فإن الكثير من أحياء نجران تشهد شحًّا في المياه خلال بعض الأوقات؛ وهو ما يؤدي إلى ارتفاع في أسعار الوايتات بصورة تزعج السكان، وتشكل ضغطًا على ميزانياتهم.

وحتى نصل إلى صيغة تضمن استمرار إمدادات المياه بدون تناقص، وفي الوقت نفسه تتيح الفرصة للمزارعين لممارسة أعمالهم، فإن المصلحة تتطلب البحث عن أفضل الطرق الحديثة لممارسة الزراعة، واستخدام أساليب الري الحديثة التي تتلافى هدر المياه وإضاعتها، مثل الري بطريقة التنقيط وخلافه، إضافة إلى استخدام مياه الصرف الصحي المعالَجة التي لا تسبب خطرًا على حياه الإنسان. وهذه طرق علمية مستخدَمة في كثير من الدول.

ولا أعتقد أن هناك من يجهل أهمية ترشيد استخدام المياه، فإضافة إلى أهمية الماء لاستمرار الحياة البشرية، ووضع الأولوية لاستخدامات الشرب، فإن الترشيد يؤدي إلى تحقيق مبادئ التنمية المستدامة عبر توفير الموارد، وعدم استنزافها، وإتاحة الفرصة للأجيال المقبلة للاستفادة منها، إضافة إلى تقليل المخصصات الحكومية التي توجَّه لتوفير المياه، والاستفادة منها في المشاريع الإنتاجية التي تعود بالنفع على المنطقة والوطن عمومًا، والتغلب على مشكلة التغير المناخي.

ومما يبعث على الاطمئنان البدء في المرحلة الثانية من مشروع الربع الخالي لمضاعفة كميات المياه بالاستفادة من التقنيات العلمية الحديثة التي ظهرت خلال الفترة الماضية؛ وهو ما يؤكد إصرار الدولة على وضع حلول نهائية لأزمة المياه في نجران. وهذه الجهود تتطلب منا مقابلتها بالتقدير اللائق، بالأفعال وعدم الاكتفاء بالأقوال، واستشعار المسؤولية، والالتزام الحقيقي بالترشيد؛ لأن قطرة المياه التي تُهدَر اليوم قد تنقذ حياة أحدهم غدًا.