تتويج "العيسى" بجائزة "الاعتدال".. قصة طموح حاز إعجاب العالم

منجزات محورية في "القضاء" وعالمية الحضور لـ"الرابطة" و"الحرب الفكرية" إنصافاً لصورة الإسلام

نذَر نفسه للعلم والقراءة، طموحاته كبيرة وعظيمة؛ أولها إزالة الصورة السلبية لدى البعض والغرب عن الإسلام، وأن يؤدي الأمانة التي أُسندت إليه، وأخيراً أن "أغادر هذه الدنيا وأنا مرتاح".

خلال العام المنصرم تحديداً، قطعت هذه الشخصية آلاف الأميال بين كافة بقاع الأرض مستشعرة ثِقَل المسؤولية، ومستنيرة برؤية قيادة الوطن، واستشعاراً لخدمة الإسلام العظيم في زمن مضطرب غاب عن فهم الكثير من المسلمين فيه وغيرهم، حقيقة الإسلام كدين التعايش الأول والتسامح والاعتدال.

إنه الشيخ الدكتور محمد بن عبالكريم العيسى الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي عضو هيئة كبار العلماء والمستشار بالديوان الملكي المشرف على مركز الحرب الفكرية بوزارة الدفاع، والذي أعلن قبل أيام (الأربعاء 3 أكتوبر 2018م) مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل، عن فوزه بجائزة "الاعتدال" في دورتها الثانية.

الانطلاقة:

من "شقراء" المحافظة السعودية شمال غرب العاصمة السعودية الرياض، تلك المترفة بالتاريخ والتي تُعد أكبر مدن الوشم من أرض اليمامة والمشهورة بالآثار والتي أنجبت أسماء لامعة في مجالات عدة، هناك وُلد الشيخ محمد بن عبدالكريم العيسى عام 1385هـ، وعبر مراحل التعليم الأساسية قبل أن يحط رحاله في إحدى أعرق الجامعات السعودية جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية؛ ليحصد البكالوريوس في الفقه المقارن بتميز من المعهد العالي للقضاء بالجامعة، ثم الماجستير والدكتوراه في نفس التخصص.

البداية فحسب

غير أن "العيسى" لم يكن من النوع الذي يتوقف، فقد كانت مجرد محطة ضمن طموح عظيم من الغايات. لم يتوقف عن الدورات العلمية والتواصل الفاعل مع أعرق المؤسسات العلمية والبحثية خصوصاً في مجالات القانون الإداري والقانوني والدستوري.

عن بعض جوانب النشأة والتحصيل في البدايات يكشف العيسى واحداً من أسراره بقوله: "لا شك أن المرحلة الجامعية كانت مهمة جداً في تكويني العلمي؛ لكن أستطيع أن أقول إن التكوين الفكري أخذته من الأسرة أكثر، مع احترامي للسياق الجامعي أيضاً، لكن تأسيس القاعدة الفكرية التي تؤمن بالانفتاح في إطاره المحافظ على الهوية أخذته من الأسرة".

ملازمته للعلماء

"العيسى" كان من الملازمين للعلماء الذين تأثر بهم. يقول: "بعد الوالدين، تأثرت ببعض مشايخي، وفي طليعتهم الشيخ بكر بن عبدالله بو زيد رحمه الله، أستطيع أن أقول إنني لازمته سبع عشرة سنة، وكان له تأثير كبير فيّ، والقدر الإلهي جعلني أعمل تحت رئاسته الإدارية العلمية، نحو ثلاث سنوات في الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، قبل أن أكون عضواً فيها".

محطات لافتة

هذا النهم الواعي لم يتوقف حتى تبوأ صاحبه مناصب لامعة مثل عضوية رئاسة المجلس الأعلى للقضاء، وعضوية المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ثم عضواً في هيئة كبار العلماء. كما عمل رئيساً فخرياً لمجلس وزراء العدل العرب وغيرها من العضويات والمناصب.

وفي مسار تطبيقي أكثر، عمل في السلك القضائي قاضياً وباحثاً علمياً في الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء قبل تعيينه فيها؛ ليصبح قاضي تمييز، وصولاً لتعيينه وزيراً للعدل في 14 فبراير 2009م. ومع إعادة تشكيل مجلس الوزراء في 1436هـ عُيّن مستشاراً بمرتبة وزير، ثم أخيراً أميناً عاماً لرابطة العالم الإسلامي في شعبان 1436هـ، وعضواً في هيئة كبار العلماء، ومشرفاً عاماً على مركز الحرب الفكرية.

هذه المسيرة الفاخرة لم يتوقف خلالها العيسى لحظة عن العمل المستمر على التطوير في كل ما أسند إليه، فتبنى مشروع تقنين الأحكام القضائية، واستطاع تقديم نقلات واضحة في المجال القضائي؛ وخصوصاً في المجال التقني، وحفلت فترة وزارته للعدل بقفزات متميزة ومن ذلك إصدار أول رخصة محاماة للمرأة السعودية.

الرابطة.. تحول مختلف

غير أن من أبرز التحولات المحورية في مسيرة الشيخ الدكتور محمد العيسى؛ تعيينه أميناً لرابطة العالم الإسلامي؛ حيث شرع في تأسيس منهجية تتفق وطبيعة المرحلة، فكانت رؤية جديدة استمدت ملامحها من الإطار العام لرؤية السعودية 2030م. نذرت على نفسها إنصاف صورة الإسلام في العالم الغربي تحديداً.

هذا الاختيار لم يأت من فراغ. يقول "العيسى": لديّ دراسات ذات صلة بمهام الرابطة؛ سواء أكانت فكرية أم علمية أم اجتماعية؛ وذلك قبل أن أكون وزير عدل، وحتى قبل أن أكون قاضياً. وكان عندي اهتمام علمي وفكري وكنت أقضي أغلب وقتي في المكتبة أقرأ، فدخلت في تحليل الكتابات العلمية والفكرية، بخلفيتي المتجردة من القيود في التفكير، إلا من الإطار العام الذي نحترمه جميعاً وهو إطار الهوية الإسلامية التي نعتز ونفتخر بها".

صوت الاعتدال

لقد استطاع "العيسى" بتبحره في علوم شرعية متعددة وحتى الفلسفية، أن يتعامل تعاملاً فاعلاً مع مختلف الثقافات والعقليات المتجاوبة والمنفتحة والمتشددة وغيرها بسلاسة كبيرة؛ بل واستطاع أن يُجلسهم على طاولة النقاش وتصحيح الكثير من المفاهيم لديهم.

استطاع أن يقدم صوت الاعتدال مع أعتى المؤسسات الدينية في العالم؛ مصححاً أخطاء الكثير من المحسوبين على الإسلام؛ فكانت جولاته وصولاته في البرلمان الأوروبي والفاتيكان وغيرها.

حضور عالمي

الأمين الجديد لفت أنظار العالم في وقت قياسي. من أوائل الشهادات على ذلك ما وصفه به الباحث في جامعة هارفارد "مجيد رفيع زاده" بأنه "نجم صاعد ذو شخصية ملهمة"؛ حيث كتب في مقال نشره موقع "هافنغتون بوست": أمين عام رابطة العالم الإسلامي الجديد "يبذل جهوداً جبارة في تأكيد القيم الحقيقية للإسلام"؛ هذا فيما تناولت الصحف الغربية والعالمية هذه الرؤية مؤكدة أنها جزء من سياسة رائدة للمملكة العربية السعودية لتفعيل قيام التعايش والسلام بين الشعوب وتعزيز الوسطية والاعتدال وأنه تم اختيار الرجل المناسب للقيام بالمهمة.

الغاية النبيلة

يلخص العيسى المهمة في سطور قليلة بقوله: "طموحي أن نزيل الصورة السلبية لدى البعض -وخاصة الغرب- عن الإسلام، وأن يفهم المسلمون حقيقة دينهم المتعايش المحب المتسامح مع الجميع، وأن يعلم الجميع أن الإسلام دين إنساني، دين وسعت رحمته الجميع؛ لأن منزله وسعت رحمته كل شيء وهو الله جل وعلا".

متمنياً أن "يستوعب المسلمون كلهم قول الله جل وعلا {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}، وقوله تعالى {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}، وقوله جل وعلا {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}. أتمنى أن يكون استيعاباً كاملاً لهذه المعطيات، وأن يستوعب المسلمون جميعاً سنة الخالق في الاختلاف والتنوع والتعددية؛ وعندما أقول جميعاً لأني أعلم أن هناك كثيراً من المسلمين يستوعب ذلك".

العالم يرحّب برؤية جديدة

النتائج على جهود هذا الرجل لم تتأخر فقد حصدت رابطة العالم الإسلامي -خلال فترة وجيزة- تقديراً عالمياً، وفي أقرب مثال تم اختيار أمينها العام الشيخ الدكتور محمد العيسى متحدثاً عن الشعوب والحضارة الإسلامية؛ وذلك في لقاء "بناء الجسور بين الحضارات والشعوب"، الذي انطلق بمدينة "رميني" الإيطالية في الـ(28) من أغسطس المنصرم؛ وذلك بحضور أكثر من خمسة آلاف من النخب العالمية دينياً وفكرياً وسياسياً وتاريخياً، وقبلها تم منحه (جائزة رائد عصر النهضة الأوربية جالليلو)؛ وذلك لـ"تجسيده الروح الدينية في التناغم بين الشعوب وتمهيده الطريق للتفاهم بين الثقافات والبشر". كما أصبحت الرابطة ممثلة ومتحدثة الشعوب الإسلامية في كل المحافل العالمية.

كما منحته الحكومة الماليزية في عام 2017 أعلى أوسمتها وأعلى ألقابها وهو وسام فارس الدولة بلقب داتو سري؛ لجهوده في نشر الوسطية حول العالم، وتم تكريمه في العديد من الدول التي زارها في إطار العمل.

مركز الحرب الفكرية.. عالمية في وقت قياسي:

وعلى مسار آخر يعمل الشيخ العيسى بمنتهى الدقة، وهو مركز الحرب الفكرية التابع لوزارة الدفاع في المملكة العربية السعودية والذي يرأس مجلس أمنائه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد والذي أصبح في فترة وجيزة مركزاً عالمياً حيث نجح في نسج خط جديد وعميق من خلال التخصص في ضرب جذور أيديولوجيا التطرف والإرهاب.

منهجية متفردة

وقد حَظِيَ المركز بشهادات عالمية منذ أطلق في مايو 2017م؛ حيث يتابعه الملايين عبر حساباته بثلاث لغات (العربية، الإنجليزية، الفرنسية) على مواقع التواصل الاجتماعي؛ مستخدماً لغة عالية، وقوة علمية وفكرية غير مسبوقة، ومدهشاً الجميع بقوة الخلفية العلمية والفكرية وعمق الرصد والتحليل للمواد التي تحاور وتساجل بها الأفكار المتطرفة.

وعن المركز يقول "العيسى" ملخصاً رؤيته ومنجز المركز: "لَقِيَ هذا المركز تثميناً عالمياً عالياً، وكان السبب الأهم في ذلك هو دخوله في مناقشة تفاصيل الأيديولوجية المتطرفة، هناك مسائل مهمة كانت تشكل شبهات قوية لدى البعض انتهت إلى حد كبير، بعدما ناقشها المركز بكل قوة ووضوح. نسمع التنويه به من مسلمين وغير مسلمين، وأستطيع أن أقول إنه أحدث أثراً، مع أنه لا يزال في بداياته.

المشروع المقبل

يرى الشيخ العيسى أنه ما زال هناك الكثير لإنجازه، ما بين طموحه إلى مشروعه المقبل يكشف عنه بتفاؤل كبير: "مشروعي المقبل أن نتعاون مع الجميع ونحصل على مستوى عال من تعاون الجميع مسلمين وغير مسلمين لتحقيق الأهداف المشتركة وأيضاً إيضاح حقيقة الإسلام ومكافحة التطرف والكراهية وتعزيز التعايش المتناغم مع مفاهيم الأديان".

ويرى "العيسى" أن الطموح لن يتحقق إلا عندما "نحصل على تعايش عالٍ إيجابي خالٍ من السلبيات ومن المعترضات ونتعاون على ذلك؛ عندئذ أعتقد أنني حققت الطموح الأعلى في ما يتعلق بمشروعي القادم ضمن الطموح الأعلى في أن يفهم الجميع حقيقة الدين الإسلامي".

العيسى.. صور من الداخل

الجانب الآخر للشيخ العيسى لافت، ولعله يجيب فقط على بعض الأسئلة حول الجهود الكبيرة له وكيف يمكن له التوفيق بينها.

في حوار له مع مجلة "الرجل" يجيب على مجموعة من الأسئلة تتعلق بحياته الشخصية بقوله: "أنا رجل ما عدا الواجبات الاجتماعية، أعد نفسي منقطعاً للعلم والقراءة، ومتخفف بشكل كبير في حضور المناسبات العامة. الوقت ضيق والالتزامات أكثر وهوايتي في القراءة والتحليل والمناقشة والحوار الفلسفي والفكري والأطروحات العلمية لم تتأثر كثيراً، عبر عملي الإداري".

وعن جوانب أعمق صرّح: "لم آخذ إجازة منذ ثلاثين سنة؛ حتى يوم نهاية الأسبوع أقضيه في العمل، والعائلة تقدر هذا، وأعطيها الحرية الكاملة في الذهاب مع الأقرباء؛ لكنني أقضي معهم ساعات داخل المنزل، وأحياناً أذهب مع العائلة إلى بعض المطاعم كل أسبوع للخروج عن رتابة البقاء في المنزل. أبنائي أنا أشبه بالمستشار لهم، وأتجنب أن يكون عندهم إحساس بأني رقيب ثقيل عليهم".

ختاماً عرف الشيخ الدكتور العيسى برفضه الظهور الإعلامي إلا فيما يقتضيه الأمر خدمة للمنهجية العملية، والذين حوله ومن يرافقونه عادة يعرفون ذلك جيداً، غير أنه لو سنحت لك الفرصة لمرافقته في إحدى رحلاته لملتقى ما؛ فهناك تواضع جم وربما أمكنك خوض نقاش مطول معه بكل أريحية؛ بل ربما تفاجأت به يتجول بين فريق العمل متحدثاً عن أبرز المواضيع ومرحّباً بأي نقد يكون مدعاة للتطوير.

اعلان
تتويج "العيسى" بجائزة "الاعتدال".. قصة طموح حاز إعجاب العالم
سبق

نذَر نفسه للعلم والقراءة، طموحاته كبيرة وعظيمة؛ أولها إزالة الصورة السلبية لدى البعض والغرب عن الإسلام، وأن يؤدي الأمانة التي أُسندت إليه، وأخيراً أن "أغادر هذه الدنيا وأنا مرتاح".

خلال العام المنصرم تحديداً، قطعت هذه الشخصية آلاف الأميال بين كافة بقاع الأرض مستشعرة ثِقَل المسؤولية، ومستنيرة برؤية قيادة الوطن، واستشعاراً لخدمة الإسلام العظيم في زمن مضطرب غاب عن فهم الكثير من المسلمين فيه وغيرهم، حقيقة الإسلام كدين التعايش الأول والتسامح والاعتدال.

إنه الشيخ الدكتور محمد بن عبالكريم العيسى الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي عضو هيئة كبار العلماء والمستشار بالديوان الملكي المشرف على مركز الحرب الفكرية بوزارة الدفاع، والذي أعلن قبل أيام (الأربعاء 3 أكتوبر 2018م) مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل، عن فوزه بجائزة "الاعتدال" في دورتها الثانية.

الانطلاقة:

من "شقراء" المحافظة السعودية شمال غرب العاصمة السعودية الرياض، تلك المترفة بالتاريخ والتي تُعد أكبر مدن الوشم من أرض اليمامة والمشهورة بالآثار والتي أنجبت أسماء لامعة في مجالات عدة، هناك وُلد الشيخ محمد بن عبدالكريم العيسى عام 1385هـ، وعبر مراحل التعليم الأساسية قبل أن يحط رحاله في إحدى أعرق الجامعات السعودية جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية؛ ليحصد البكالوريوس في الفقه المقارن بتميز من المعهد العالي للقضاء بالجامعة، ثم الماجستير والدكتوراه في نفس التخصص.

البداية فحسب

غير أن "العيسى" لم يكن من النوع الذي يتوقف، فقد كانت مجرد محطة ضمن طموح عظيم من الغايات. لم يتوقف عن الدورات العلمية والتواصل الفاعل مع أعرق المؤسسات العلمية والبحثية خصوصاً في مجالات القانون الإداري والقانوني والدستوري.

عن بعض جوانب النشأة والتحصيل في البدايات يكشف العيسى واحداً من أسراره بقوله: "لا شك أن المرحلة الجامعية كانت مهمة جداً في تكويني العلمي؛ لكن أستطيع أن أقول إن التكوين الفكري أخذته من الأسرة أكثر، مع احترامي للسياق الجامعي أيضاً، لكن تأسيس القاعدة الفكرية التي تؤمن بالانفتاح في إطاره المحافظ على الهوية أخذته من الأسرة".

ملازمته للعلماء

"العيسى" كان من الملازمين للعلماء الذين تأثر بهم. يقول: "بعد الوالدين، تأثرت ببعض مشايخي، وفي طليعتهم الشيخ بكر بن عبدالله بو زيد رحمه الله، أستطيع أن أقول إنني لازمته سبع عشرة سنة، وكان له تأثير كبير فيّ، والقدر الإلهي جعلني أعمل تحت رئاسته الإدارية العلمية، نحو ثلاث سنوات في الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، قبل أن أكون عضواً فيها".

محطات لافتة

هذا النهم الواعي لم يتوقف حتى تبوأ صاحبه مناصب لامعة مثل عضوية رئاسة المجلس الأعلى للقضاء، وعضوية المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ثم عضواً في هيئة كبار العلماء. كما عمل رئيساً فخرياً لمجلس وزراء العدل العرب وغيرها من العضويات والمناصب.

وفي مسار تطبيقي أكثر، عمل في السلك القضائي قاضياً وباحثاً علمياً في الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء قبل تعيينه فيها؛ ليصبح قاضي تمييز، وصولاً لتعيينه وزيراً للعدل في 14 فبراير 2009م. ومع إعادة تشكيل مجلس الوزراء في 1436هـ عُيّن مستشاراً بمرتبة وزير، ثم أخيراً أميناً عاماً لرابطة العالم الإسلامي في شعبان 1436هـ، وعضواً في هيئة كبار العلماء، ومشرفاً عاماً على مركز الحرب الفكرية.

هذه المسيرة الفاخرة لم يتوقف خلالها العيسى لحظة عن العمل المستمر على التطوير في كل ما أسند إليه، فتبنى مشروع تقنين الأحكام القضائية، واستطاع تقديم نقلات واضحة في المجال القضائي؛ وخصوصاً في المجال التقني، وحفلت فترة وزارته للعدل بقفزات متميزة ومن ذلك إصدار أول رخصة محاماة للمرأة السعودية.

الرابطة.. تحول مختلف

غير أن من أبرز التحولات المحورية في مسيرة الشيخ الدكتور محمد العيسى؛ تعيينه أميناً لرابطة العالم الإسلامي؛ حيث شرع في تأسيس منهجية تتفق وطبيعة المرحلة، فكانت رؤية جديدة استمدت ملامحها من الإطار العام لرؤية السعودية 2030م. نذرت على نفسها إنصاف صورة الإسلام في العالم الغربي تحديداً.

هذا الاختيار لم يأت من فراغ. يقول "العيسى": لديّ دراسات ذات صلة بمهام الرابطة؛ سواء أكانت فكرية أم علمية أم اجتماعية؛ وذلك قبل أن أكون وزير عدل، وحتى قبل أن أكون قاضياً. وكان عندي اهتمام علمي وفكري وكنت أقضي أغلب وقتي في المكتبة أقرأ، فدخلت في تحليل الكتابات العلمية والفكرية، بخلفيتي المتجردة من القيود في التفكير، إلا من الإطار العام الذي نحترمه جميعاً وهو إطار الهوية الإسلامية التي نعتز ونفتخر بها".

صوت الاعتدال

لقد استطاع "العيسى" بتبحره في علوم شرعية متعددة وحتى الفلسفية، أن يتعامل تعاملاً فاعلاً مع مختلف الثقافات والعقليات المتجاوبة والمنفتحة والمتشددة وغيرها بسلاسة كبيرة؛ بل واستطاع أن يُجلسهم على طاولة النقاش وتصحيح الكثير من المفاهيم لديهم.

استطاع أن يقدم صوت الاعتدال مع أعتى المؤسسات الدينية في العالم؛ مصححاً أخطاء الكثير من المحسوبين على الإسلام؛ فكانت جولاته وصولاته في البرلمان الأوروبي والفاتيكان وغيرها.

حضور عالمي

الأمين الجديد لفت أنظار العالم في وقت قياسي. من أوائل الشهادات على ذلك ما وصفه به الباحث في جامعة هارفارد "مجيد رفيع زاده" بأنه "نجم صاعد ذو شخصية ملهمة"؛ حيث كتب في مقال نشره موقع "هافنغتون بوست": أمين عام رابطة العالم الإسلامي الجديد "يبذل جهوداً جبارة في تأكيد القيم الحقيقية للإسلام"؛ هذا فيما تناولت الصحف الغربية والعالمية هذه الرؤية مؤكدة أنها جزء من سياسة رائدة للمملكة العربية السعودية لتفعيل قيام التعايش والسلام بين الشعوب وتعزيز الوسطية والاعتدال وأنه تم اختيار الرجل المناسب للقيام بالمهمة.

الغاية النبيلة

يلخص العيسى المهمة في سطور قليلة بقوله: "طموحي أن نزيل الصورة السلبية لدى البعض -وخاصة الغرب- عن الإسلام، وأن يفهم المسلمون حقيقة دينهم المتعايش المحب المتسامح مع الجميع، وأن يعلم الجميع أن الإسلام دين إنساني، دين وسعت رحمته الجميع؛ لأن منزله وسعت رحمته كل شيء وهو الله جل وعلا".

متمنياً أن "يستوعب المسلمون كلهم قول الله جل وعلا {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}، وقوله تعالى {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}، وقوله جل وعلا {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}. أتمنى أن يكون استيعاباً كاملاً لهذه المعطيات، وأن يستوعب المسلمون جميعاً سنة الخالق في الاختلاف والتنوع والتعددية؛ وعندما أقول جميعاً لأني أعلم أن هناك كثيراً من المسلمين يستوعب ذلك".

العالم يرحّب برؤية جديدة

النتائج على جهود هذا الرجل لم تتأخر فقد حصدت رابطة العالم الإسلامي -خلال فترة وجيزة- تقديراً عالمياً، وفي أقرب مثال تم اختيار أمينها العام الشيخ الدكتور محمد العيسى متحدثاً عن الشعوب والحضارة الإسلامية؛ وذلك في لقاء "بناء الجسور بين الحضارات والشعوب"، الذي انطلق بمدينة "رميني" الإيطالية في الـ(28) من أغسطس المنصرم؛ وذلك بحضور أكثر من خمسة آلاف من النخب العالمية دينياً وفكرياً وسياسياً وتاريخياً، وقبلها تم منحه (جائزة رائد عصر النهضة الأوربية جالليلو)؛ وذلك لـ"تجسيده الروح الدينية في التناغم بين الشعوب وتمهيده الطريق للتفاهم بين الثقافات والبشر". كما أصبحت الرابطة ممثلة ومتحدثة الشعوب الإسلامية في كل المحافل العالمية.

كما منحته الحكومة الماليزية في عام 2017 أعلى أوسمتها وأعلى ألقابها وهو وسام فارس الدولة بلقب داتو سري؛ لجهوده في نشر الوسطية حول العالم، وتم تكريمه في العديد من الدول التي زارها في إطار العمل.

مركز الحرب الفكرية.. عالمية في وقت قياسي:

وعلى مسار آخر يعمل الشيخ العيسى بمنتهى الدقة، وهو مركز الحرب الفكرية التابع لوزارة الدفاع في المملكة العربية السعودية والذي يرأس مجلس أمنائه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد والذي أصبح في فترة وجيزة مركزاً عالمياً حيث نجح في نسج خط جديد وعميق من خلال التخصص في ضرب جذور أيديولوجيا التطرف والإرهاب.

منهجية متفردة

وقد حَظِيَ المركز بشهادات عالمية منذ أطلق في مايو 2017م؛ حيث يتابعه الملايين عبر حساباته بثلاث لغات (العربية، الإنجليزية، الفرنسية) على مواقع التواصل الاجتماعي؛ مستخدماً لغة عالية، وقوة علمية وفكرية غير مسبوقة، ومدهشاً الجميع بقوة الخلفية العلمية والفكرية وعمق الرصد والتحليل للمواد التي تحاور وتساجل بها الأفكار المتطرفة.

وعن المركز يقول "العيسى" ملخصاً رؤيته ومنجز المركز: "لَقِيَ هذا المركز تثميناً عالمياً عالياً، وكان السبب الأهم في ذلك هو دخوله في مناقشة تفاصيل الأيديولوجية المتطرفة، هناك مسائل مهمة كانت تشكل شبهات قوية لدى البعض انتهت إلى حد كبير، بعدما ناقشها المركز بكل قوة ووضوح. نسمع التنويه به من مسلمين وغير مسلمين، وأستطيع أن أقول إنه أحدث أثراً، مع أنه لا يزال في بداياته.

المشروع المقبل

يرى الشيخ العيسى أنه ما زال هناك الكثير لإنجازه، ما بين طموحه إلى مشروعه المقبل يكشف عنه بتفاؤل كبير: "مشروعي المقبل أن نتعاون مع الجميع ونحصل على مستوى عال من تعاون الجميع مسلمين وغير مسلمين لتحقيق الأهداف المشتركة وأيضاً إيضاح حقيقة الإسلام ومكافحة التطرف والكراهية وتعزيز التعايش المتناغم مع مفاهيم الأديان".

ويرى "العيسى" أن الطموح لن يتحقق إلا عندما "نحصل على تعايش عالٍ إيجابي خالٍ من السلبيات ومن المعترضات ونتعاون على ذلك؛ عندئذ أعتقد أنني حققت الطموح الأعلى في ما يتعلق بمشروعي القادم ضمن الطموح الأعلى في أن يفهم الجميع حقيقة الدين الإسلامي".

العيسى.. صور من الداخل

الجانب الآخر للشيخ العيسى لافت، ولعله يجيب فقط على بعض الأسئلة حول الجهود الكبيرة له وكيف يمكن له التوفيق بينها.

في حوار له مع مجلة "الرجل" يجيب على مجموعة من الأسئلة تتعلق بحياته الشخصية بقوله: "أنا رجل ما عدا الواجبات الاجتماعية، أعد نفسي منقطعاً للعلم والقراءة، ومتخفف بشكل كبير في حضور المناسبات العامة. الوقت ضيق والالتزامات أكثر وهوايتي في القراءة والتحليل والمناقشة والحوار الفلسفي والفكري والأطروحات العلمية لم تتأثر كثيراً، عبر عملي الإداري".

وعن جوانب أعمق صرّح: "لم آخذ إجازة منذ ثلاثين سنة؛ حتى يوم نهاية الأسبوع أقضيه في العمل، والعائلة تقدر هذا، وأعطيها الحرية الكاملة في الذهاب مع الأقرباء؛ لكنني أقضي معهم ساعات داخل المنزل، وأحياناً أذهب مع العائلة إلى بعض المطاعم كل أسبوع للخروج عن رتابة البقاء في المنزل. أبنائي أنا أشبه بالمستشار لهم، وأتجنب أن يكون عندهم إحساس بأني رقيب ثقيل عليهم".

ختاماً عرف الشيخ الدكتور العيسى برفضه الظهور الإعلامي إلا فيما يقتضيه الأمر خدمة للمنهجية العملية، والذين حوله ومن يرافقونه عادة يعرفون ذلك جيداً، غير أنه لو سنحت لك الفرصة لمرافقته في إحدى رحلاته لملتقى ما؛ فهناك تواضع جم وربما أمكنك خوض نقاش مطول معه بكل أريحية؛ بل ربما تفاجأت به يتجول بين فريق العمل متحدثاً عن أبرز المواضيع ومرحّباً بأي نقد يكون مدعاة للتطوير.

07 أكتوبر 2018 - 27 محرّم 1440
12:50 PM

تتويج "العيسى" بجائزة "الاعتدال".. قصة طموح حاز إعجاب العالم

منجزات محورية في "القضاء" وعالمية الحضور لـ"الرابطة" و"الحرب الفكرية" إنصافاً لصورة الإسلام

A A A
7
18,615

نذَر نفسه للعلم والقراءة، طموحاته كبيرة وعظيمة؛ أولها إزالة الصورة السلبية لدى البعض والغرب عن الإسلام، وأن يؤدي الأمانة التي أُسندت إليه، وأخيراً أن "أغادر هذه الدنيا وأنا مرتاح".

خلال العام المنصرم تحديداً، قطعت هذه الشخصية آلاف الأميال بين كافة بقاع الأرض مستشعرة ثِقَل المسؤولية، ومستنيرة برؤية قيادة الوطن، واستشعاراً لخدمة الإسلام العظيم في زمن مضطرب غاب عن فهم الكثير من المسلمين فيه وغيرهم، حقيقة الإسلام كدين التعايش الأول والتسامح والاعتدال.

إنه الشيخ الدكتور محمد بن عبالكريم العيسى الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي عضو هيئة كبار العلماء والمستشار بالديوان الملكي المشرف على مركز الحرب الفكرية بوزارة الدفاع، والذي أعلن قبل أيام (الأربعاء 3 أكتوبر 2018م) مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل، عن فوزه بجائزة "الاعتدال" في دورتها الثانية.

الانطلاقة:

من "شقراء" المحافظة السعودية شمال غرب العاصمة السعودية الرياض، تلك المترفة بالتاريخ والتي تُعد أكبر مدن الوشم من أرض اليمامة والمشهورة بالآثار والتي أنجبت أسماء لامعة في مجالات عدة، هناك وُلد الشيخ محمد بن عبدالكريم العيسى عام 1385هـ، وعبر مراحل التعليم الأساسية قبل أن يحط رحاله في إحدى أعرق الجامعات السعودية جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية؛ ليحصد البكالوريوس في الفقه المقارن بتميز من المعهد العالي للقضاء بالجامعة، ثم الماجستير والدكتوراه في نفس التخصص.

البداية فحسب

غير أن "العيسى" لم يكن من النوع الذي يتوقف، فقد كانت مجرد محطة ضمن طموح عظيم من الغايات. لم يتوقف عن الدورات العلمية والتواصل الفاعل مع أعرق المؤسسات العلمية والبحثية خصوصاً في مجالات القانون الإداري والقانوني والدستوري.

عن بعض جوانب النشأة والتحصيل في البدايات يكشف العيسى واحداً من أسراره بقوله: "لا شك أن المرحلة الجامعية كانت مهمة جداً في تكويني العلمي؛ لكن أستطيع أن أقول إن التكوين الفكري أخذته من الأسرة أكثر، مع احترامي للسياق الجامعي أيضاً، لكن تأسيس القاعدة الفكرية التي تؤمن بالانفتاح في إطاره المحافظ على الهوية أخذته من الأسرة".

ملازمته للعلماء

"العيسى" كان من الملازمين للعلماء الذين تأثر بهم. يقول: "بعد الوالدين، تأثرت ببعض مشايخي، وفي طليعتهم الشيخ بكر بن عبدالله بو زيد رحمه الله، أستطيع أن أقول إنني لازمته سبع عشرة سنة، وكان له تأثير كبير فيّ، والقدر الإلهي جعلني أعمل تحت رئاسته الإدارية العلمية، نحو ثلاث سنوات في الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، قبل أن أكون عضواً فيها".

محطات لافتة

هذا النهم الواعي لم يتوقف حتى تبوأ صاحبه مناصب لامعة مثل عضوية رئاسة المجلس الأعلى للقضاء، وعضوية المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ثم عضواً في هيئة كبار العلماء. كما عمل رئيساً فخرياً لمجلس وزراء العدل العرب وغيرها من العضويات والمناصب.

وفي مسار تطبيقي أكثر، عمل في السلك القضائي قاضياً وباحثاً علمياً في الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء قبل تعيينه فيها؛ ليصبح قاضي تمييز، وصولاً لتعيينه وزيراً للعدل في 14 فبراير 2009م. ومع إعادة تشكيل مجلس الوزراء في 1436هـ عُيّن مستشاراً بمرتبة وزير، ثم أخيراً أميناً عاماً لرابطة العالم الإسلامي في شعبان 1436هـ، وعضواً في هيئة كبار العلماء، ومشرفاً عاماً على مركز الحرب الفكرية.

هذه المسيرة الفاخرة لم يتوقف خلالها العيسى لحظة عن العمل المستمر على التطوير في كل ما أسند إليه، فتبنى مشروع تقنين الأحكام القضائية، واستطاع تقديم نقلات واضحة في المجال القضائي؛ وخصوصاً في المجال التقني، وحفلت فترة وزارته للعدل بقفزات متميزة ومن ذلك إصدار أول رخصة محاماة للمرأة السعودية.

الرابطة.. تحول مختلف

غير أن من أبرز التحولات المحورية في مسيرة الشيخ الدكتور محمد العيسى؛ تعيينه أميناً لرابطة العالم الإسلامي؛ حيث شرع في تأسيس منهجية تتفق وطبيعة المرحلة، فكانت رؤية جديدة استمدت ملامحها من الإطار العام لرؤية السعودية 2030م. نذرت على نفسها إنصاف صورة الإسلام في العالم الغربي تحديداً.

هذا الاختيار لم يأت من فراغ. يقول "العيسى": لديّ دراسات ذات صلة بمهام الرابطة؛ سواء أكانت فكرية أم علمية أم اجتماعية؛ وذلك قبل أن أكون وزير عدل، وحتى قبل أن أكون قاضياً. وكان عندي اهتمام علمي وفكري وكنت أقضي أغلب وقتي في المكتبة أقرأ، فدخلت في تحليل الكتابات العلمية والفكرية، بخلفيتي المتجردة من القيود في التفكير، إلا من الإطار العام الذي نحترمه جميعاً وهو إطار الهوية الإسلامية التي نعتز ونفتخر بها".

صوت الاعتدال

لقد استطاع "العيسى" بتبحره في علوم شرعية متعددة وحتى الفلسفية، أن يتعامل تعاملاً فاعلاً مع مختلف الثقافات والعقليات المتجاوبة والمنفتحة والمتشددة وغيرها بسلاسة كبيرة؛ بل واستطاع أن يُجلسهم على طاولة النقاش وتصحيح الكثير من المفاهيم لديهم.

استطاع أن يقدم صوت الاعتدال مع أعتى المؤسسات الدينية في العالم؛ مصححاً أخطاء الكثير من المحسوبين على الإسلام؛ فكانت جولاته وصولاته في البرلمان الأوروبي والفاتيكان وغيرها.

حضور عالمي

الأمين الجديد لفت أنظار العالم في وقت قياسي. من أوائل الشهادات على ذلك ما وصفه به الباحث في جامعة هارفارد "مجيد رفيع زاده" بأنه "نجم صاعد ذو شخصية ملهمة"؛ حيث كتب في مقال نشره موقع "هافنغتون بوست": أمين عام رابطة العالم الإسلامي الجديد "يبذل جهوداً جبارة في تأكيد القيم الحقيقية للإسلام"؛ هذا فيما تناولت الصحف الغربية والعالمية هذه الرؤية مؤكدة أنها جزء من سياسة رائدة للمملكة العربية السعودية لتفعيل قيام التعايش والسلام بين الشعوب وتعزيز الوسطية والاعتدال وأنه تم اختيار الرجل المناسب للقيام بالمهمة.

الغاية النبيلة

يلخص العيسى المهمة في سطور قليلة بقوله: "طموحي أن نزيل الصورة السلبية لدى البعض -وخاصة الغرب- عن الإسلام، وأن يفهم المسلمون حقيقة دينهم المتعايش المحب المتسامح مع الجميع، وأن يعلم الجميع أن الإسلام دين إنساني، دين وسعت رحمته الجميع؛ لأن منزله وسعت رحمته كل شيء وهو الله جل وعلا".

متمنياً أن "يستوعب المسلمون كلهم قول الله جل وعلا {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}، وقوله تعالى {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}، وقوله جل وعلا {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}. أتمنى أن يكون استيعاباً كاملاً لهذه المعطيات، وأن يستوعب المسلمون جميعاً سنة الخالق في الاختلاف والتنوع والتعددية؛ وعندما أقول جميعاً لأني أعلم أن هناك كثيراً من المسلمين يستوعب ذلك".

العالم يرحّب برؤية جديدة

النتائج على جهود هذا الرجل لم تتأخر فقد حصدت رابطة العالم الإسلامي -خلال فترة وجيزة- تقديراً عالمياً، وفي أقرب مثال تم اختيار أمينها العام الشيخ الدكتور محمد العيسى متحدثاً عن الشعوب والحضارة الإسلامية؛ وذلك في لقاء "بناء الجسور بين الحضارات والشعوب"، الذي انطلق بمدينة "رميني" الإيطالية في الـ(28) من أغسطس المنصرم؛ وذلك بحضور أكثر من خمسة آلاف من النخب العالمية دينياً وفكرياً وسياسياً وتاريخياً، وقبلها تم منحه (جائزة رائد عصر النهضة الأوربية جالليلو)؛ وذلك لـ"تجسيده الروح الدينية في التناغم بين الشعوب وتمهيده الطريق للتفاهم بين الثقافات والبشر". كما أصبحت الرابطة ممثلة ومتحدثة الشعوب الإسلامية في كل المحافل العالمية.

كما منحته الحكومة الماليزية في عام 2017 أعلى أوسمتها وأعلى ألقابها وهو وسام فارس الدولة بلقب داتو سري؛ لجهوده في نشر الوسطية حول العالم، وتم تكريمه في العديد من الدول التي زارها في إطار العمل.

مركز الحرب الفكرية.. عالمية في وقت قياسي:

وعلى مسار آخر يعمل الشيخ العيسى بمنتهى الدقة، وهو مركز الحرب الفكرية التابع لوزارة الدفاع في المملكة العربية السعودية والذي يرأس مجلس أمنائه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد والذي أصبح في فترة وجيزة مركزاً عالمياً حيث نجح في نسج خط جديد وعميق من خلال التخصص في ضرب جذور أيديولوجيا التطرف والإرهاب.

منهجية متفردة

وقد حَظِيَ المركز بشهادات عالمية منذ أطلق في مايو 2017م؛ حيث يتابعه الملايين عبر حساباته بثلاث لغات (العربية، الإنجليزية، الفرنسية) على مواقع التواصل الاجتماعي؛ مستخدماً لغة عالية، وقوة علمية وفكرية غير مسبوقة، ومدهشاً الجميع بقوة الخلفية العلمية والفكرية وعمق الرصد والتحليل للمواد التي تحاور وتساجل بها الأفكار المتطرفة.

وعن المركز يقول "العيسى" ملخصاً رؤيته ومنجز المركز: "لَقِيَ هذا المركز تثميناً عالمياً عالياً، وكان السبب الأهم في ذلك هو دخوله في مناقشة تفاصيل الأيديولوجية المتطرفة، هناك مسائل مهمة كانت تشكل شبهات قوية لدى البعض انتهت إلى حد كبير، بعدما ناقشها المركز بكل قوة ووضوح. نسمع التنويه به من مسلمين وغير مسلمين، وأستطيع أن أقول إنه أحدث أثراً، مع أنه لا يزال في بداياته.

المشروع المقبل

يرى الشيخ العيسى أنه ما زال هناك الكثير لإنجازه، ما بين طموحه إلى مشروعه المقبل يكشف عنه بتفاؤل كبير: "مشروعي المقبل أن نتعاون مع الجميع ونحصل على مستوى عال من تعاون الجميع مسلمين وغير مسلمين لتحقيق الأهداف المشتركة وأيضاً إيضاح حقيقة الإسلام ومكافحة التطرف والكراهية وتعزيز التعايش المتناغم مع مفاهيم الأديان".

ويرى "العيسى" أن الطموح لن يتحقق إلا عندما "نحصل على تعايش عالٍ إيجابي خالٍ من السلبيات ومن المعترضات ونتعاون على ذلك؛ عندئذ أعتقد أنني حققت الطموح الأعلى في ما يتعلق بمشروعي القادم ضمن الطموح الأعلى في أن يفهم الجميع حقيقة الدين الإسلامي".

العيسى.. صور من الداخل

الجانب الآخر للشيخ العيسى لافت، ولعله يجيب فقط على بعض الأسئلة حول الجهود الكبيرة له وكيف يمكن له التوفيق بينها.

في حوار له مع مجلة "الرجل" يجيب على مجموعة من الأسئلة تتعلق بحياته الشخصية بقوله: "أنا رجل ما عدا الواجبات الاجتماعية، أعد نفسي منقطعاً للعلم والقراءة، ومتخفف بشكل كبير في حضور المناسبات العامة. الوقت ضيق والالتزامات أكثر وهوايتي في القراءة والتحليل والمناقشة والحوار الفلسفي والفكري والأطروحات العلمية لم تتأثر كثيراً، عبر عملي الإداري".

وعن جوانب أعمق صرّح: "لم آخذ إجازة منذ ثلاثين سنة؛ حتى يوم نهاية الأسبوع أقضيه في العمل، والعائلة تقدر هذا، وأعطيها الحرية الكاملة في الذهاب مع الأقرباء؛ لكنني أقضي معهم ساعات داخل المنزل، وأحياناً أذهب مع العائلة إلى بعض المطاعم كل أسبوع للخروج عن رتابة البقاء في المنزل. أبنائي أنا أشبه بالمستشار لهم، وأتجنب أن يكون عندهم إحساس بأني رقيب ثقيل عليهم".

ختاماً عرف الشيخ الدكتور العيسى برفضه الظهور الإعلامي إلا فيما يقتضيه الأمر خدمة للمنهجية العملية، والذين حوله ومن يرافقونه عادة يعرفون ذلك جيداً، غير أنه لو سنحت لك الفرصة لمرافقته في إحدى رحلاته لملتقى ما؛ فهناك تواضع جم وربما أمكنك خوض نقاش مطول معه بكل أريحية؛ بل ربما تفاجأت به يتجول بين فريق العمل متحدثاً عن أبرز المواضيع ومرحّباً بأي نقد يكون مدعاة للتطوير.