كنوزٌ دفينة تُسمّى العُصاريّات

الغالبية من المواطنين لا يملكون أية دراية باحتمالية وجودها برياً على أرضنا الحبيبة من عدمه.
كنوزٌ دفينة تُسمّى العُصاريّات

تشغل المملكة العربية السعودية مساحة 1.969.000 كيلومتراً مربعاً بما يعتبر ثلثي مساحة شبه الجزيرة العربية كما أن جغرافيتها تقع ضمن إقليمين بيئيين من أصل ثمانية أقاليم وهما: الإقليم اليورو آسيوي والإقليم الإفريقي الاستوائي مما يجعلها تملك تنوع نباتي فريد يُقدّر بحوالي 2253 نوعاً من 132 فصيلة، وبالرغم من وقوع المملكة ضمن نطاق البيئات الجافة وشبه الجافة  والتي  تكون من أكثر البيئات إجهاداً على النباتات إلا أن غطاؤها النباتي يعتبر ساحراً لاحتوائه على نباتات جفافية   Xerophytes   تكيّفت عبر الزمن وتحتوي تنوعاً كبيراً ومعقّداَ من صور الحياة والتراكيب المظهرية والتشريحية والتي تساعد على المعيشة والتكاثر في الظروف البيئية الحرجة من رطوبة منخفضة ومعدل فقد عالٍ للماء.

تحوز الأشجار الخشبية والشجيرات المعمرة على اهتمام بالغ في المملكة العربية السعودية لما يُلمس منها من فوائد جمّة لا حصر لها، وعلى الرغم من جهود الجهات المعنية ومحبّي الزراعة وهُواتها في المحافظة على النباتات وإكثارها في المملكة العربية السعودية، إلا أن النباتات العصارية على مختلف أنواعها ومدى نطاق توزيعها لم تحض بالقدر الكافي من الاهتمام الذي يضمن لها بقاؤها وتكاثرها في بيئاتها الطبيعية، والذي بدوره أدى إلى إدراج العديد منها كأنواع مهددة بالانقراض بل يُعتقَد بانقراض مجموعة منها. غرابة مظاهرها وقيود بيئاتها وعدم معرفة سُبُل الاستفادة منها حالت دون أدنى شك من تمكين الناس من التعامل معها، بل إن الغالبية من المواطنين – وأراهن على ذلك – لا يملكون أية دراية باحتمالية وجودها برياً على أرضنا الحبيبة من عدمه.

العصاريات كما أُطلق عليها بالعربية هي اسم غرضي لمجموعة من النباتات القادرة على تخزين المياه في مختلف أجزائها كالسوق والأوراق والجذور. هذه التسمية ليست إلا ترجمة من الإنجليزية لكلمة Succulent وهذه المفردة تكمن جذورها في اللغة اللاتينية في كلمة Succos والتي تعني عصير. يتوقف تحديد مسميات العصاريات في المملكة العربية السعودية على الأنواع ومكان تواجدها، لا سيّما تلك التي يكون نطاق توزيعها واسع.

على كل حال، العصاريات الصحراوية Succulent xerophytes هي أحد أبرز صور الحياة للنباتات الجفافية في مملكة النبات. ويعرف عنها عامةً امتلاكها لوسائل وتحورّات فعالة في تخزين الماء داخل أنسجة تخزينية تمثّل أغلب تركيبها الداخلي مما يجعلها قادرة على الاحتفاظ بفعاليتها الأيضية في ظروف الجفاف كما تملك مجاميع جذرية ضحلة تمكنها من مِلء أعضائها العصارية بالماء وبالتالي تستطيع البقاء لفترات طويلة دون الحاجة لمصادر مياه خارجية. سُجل بالمملكة ما يقارب 290 نوعاً عصارياً تنتمي إلى 23 فصيلة لعلّ أبرزها تنتمي إلى : الفصيلة الصابية Euphorbiaceae , والفصيلة العشارية Asclepiadaceae, والتي تحتوي على أغرب العصاريات مظهراً , والفصيلة الصبارية Aloaceae  التي تحتوي على 24 نوعاً جميلاً من الصبّار. تختلف مظاهر هذه العصاريات في السعودية باختلاف أجناسها وفصائلها فمنها ما يكون شوكيّاً وأخرى ملساء وبعضها يكوّن أوراق ومنها ما يعيش تحت التربة ولا يظهر على السطح سوى أزهاره فقط كل عام كنباتات فصيلة Hydnoraceae ، كما تتراوح أطوالها من 2 سم إلى ما يفوق الخمسة أمتار. ويمكننا القول بأن العصاريات يتلخص انتشارها بغزارة من مرتفعات جبال السراة والحجاز وتمتد غرباً نحو النطاق الصخري الانتقالي (جبال تهامة) منه إلى السهول المحاذية لساحل البحر الأحمر

.dsc_0772.jpglb-h-mys-n-134.jpg

(صبّار Aloe armatissima  والعمقى الطائفي  Euphorbia taifensis)

 

قد يتساءل القارئ عن أهمية هذه المجموعات النباتية ولعلّي أتطرق لذكر أهم النقاط التي تلخص ما يُوجِب الحفاظ عليها:

  • مما لا شك فيه أن النباتات تعتبر الركيزة الأساسية لسلامة مكونات البيئة من التدهور والاضطراب، فانقراض الأنواع يفضي بدوره إلى مشاكل عديدة منها ما يتعلق بسلامتنا. قال تعالى:﴿ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ﴾ [الحجر: 19]. فبمقدرة المتأمل جيداً أن يلاحظ مدى قوة الروابط بين الكائنات وفق نظامها البيئي، فبعض الحيوانات البرية تتغذى على العصاريات كالوبر وقرود البابون وبعض أنواع الطيور بل حتى الانسان نفسه يستخدم أنواع من العصاريات للأكل كنبات الهَدَم Sarcostemma forskaolianum ونبات الغَلِف Cissus rotundifolius ونبات الكنداث Monolluma quadrangula في جنوب المملكة والذي أُكتُشِفَ مؤخراً بأن له فعالية في علاج قرحة المعدة.

do-ozhr-004.jpgcissus-rotundifolius.jpgsarcostemma-forskaolianum.jpg

(نبات الهَدَم Sarcostemma forskaolianum ونبات الغَلِف Cissus rotundifolius ونبات الكنداث Monolluma quadrangula)

  • لهذه النباتات العجيبة قيمة جمالية لا تقدر بثمن فالعديد من النباتات مثل (العدنة Adenium obesum  والغلثيات كأنواع  Duvalia sp. و  Huernia sp. و   Caralluma sp. والصابيّات من جنس Euphorbia sp. و الصبّاريات من جنس   Aloe sp. ونباتات الفصيلة الدارسينية Sansevieria sp.) تحظى بإقبال عالمي كبير على شرائها كنباتات الزينة وبذلك فإن لها أهمية اقتصادية عالية.

44.jpgsb-ryn-gdyd-187-copy.jpg

( نبات العدنة Adenium obesum و صبّار Aloe pseudorubroviolacea بنمط أزهاره الصفراء والحمراء في جبل شدا)

 

  • بعض العصاريات كالكراث Euphorbia cactus والصاب Euphorbia parciramulosa والقرمل Zygophyllum simplex مهمة لمربي النحل في انتاج العسل وتغذية النحل.

euphorbia-parciramulosa-5-.jpg

(نبات الصاب Euphorbia parciramulosa في وادي العرج)

 

  •  تدخل الكثير من هذه الأجناس البرية بشكل أساسي في الصناعات كصناعة المستحضرات التجميلية من جنس Aloe واستخراج منتجات لإنقاص الوزن من جنس Caralluma. كما تستخدم أشباه العصاريات كجنس Sansevieria في صناعة الألياف.

20160405_025735-copy.jpgcaralluma-subulata.jpg

(نبات Caralluma subulata ونبات السّلَب Sansevieria forskaliana)

 

  • كان الانسان القديم يعتمد كلّ الاعتماد على الثروة النباتية في علاجه من الأمراض وقد يطول السرد إن بدأنا في استحضار تطور علم العقاقير. في أيامنا هذه يوجد هنالك من يتداوى بالنباتات العصارية باستخدامها بصور بدائية مصحوبة بالخطورة، وعلى سبيل المثال يُستخدم نباتي الغلثي Desmidorchis retrospiciens و Caralluma tuberculata رغم السميّة في الجزيرة العربية للتداوي من السكري وقد أظهرت أبحاث علمية أن الأخير له فعالية ضد داء السكري. تُستخدم عصارات الصابيّات Euphorbia السامة - والتي يعرف عنها بأنها حارقة و مهيّجة للأغشية المخاطية - للتداوي من مرض البهاق وفي بعض المناطق كمطهّر لبطون الماشية من الطفيليات. أرى أن هذه الاستخدامات السابقة تعتبر مغرية لباحثي علم العقاقير في السعودية لصبّ الأنظار نحو هذه العصاريات الغنية بالمركبات ذات الفعالية العلاجية.

ghlthy.jpgcaralluma-tuberculata.jpg

(نباتي الغلثي Desmidorchis tuberculata  و Caralluma retrospiciens)

 

ختاماً، استغلال هذه الكنوز الدفينة بالصورة الحسنة والحفاظ عليها لم يرى النور بعد حيث أن الأبحاث والدراسات شحيحة ومحدودة جداً فيما يتعلق بها ولا تتعدى المراجعات التصنيفية. الأمر الذي يعطي أولوية خاصة لدراستها، يزداد إذا ما علمنا أنها تحتوي على فوائد وقيَم مختلفة تقتضي التنقيب عنها من خلال إجراء دراسات بيولوجية وفارماكوجنوسية تفصيلية للاستفادة منها مع الحفاظ عليها وضمان استقرار وضعها البيئي.

 

اعداد: أ. عطيّة الفقيه, أستاذ علم الأحياء بجامعة الباحة, عضو رابطة آفاق خضراء

أخبار قد تعجبك

No stories found.
صحيفة سبق الالكترونية
sabq.org