فهد الأحمدي لـ "سبق": أتحدّى ساحراً أو مشعوذاً يحرّض جنياً لـ "يتلبّسني" وله 100 ألف ريال

يحترم إسرائيل بسبب 1500 دولار .. ويقول:لا أفضّل "النقاب" ولا أعتقد أن وجه المرأة عورة
فهد الأحمدي لـ "سبق": أتحدّى ساحراً أو مشعوذاً يحرّض جنياً لـ "يتلبّسني" وله 100 ألف ريال
- أنا "قرفان" ويائس .. ولا أكتب عن قيادة المرأة السعودية السيارة والسينما والهيئة.
- لا أفضّل "النقاب" ولا أعتقد أن وجه المرأة عورة كما يقول المتشدّدين.
- الحقيقة الصادمة هي أن مجتمعنا يضمّ أكبر النسب العالمية في أمراض الصرع وانفصام الشخصية.
- الوزارات تكره الكُتاب والصحفيين لأنهم يكشفون المستور والشاذ والخاطئ وينشرون الغسيل القذر.
- أخشى أن "نهجو" بعضنا بعضا من أجل فرس أو ناقة "مزيونة".
- هذه حقيقة احتجاج السفير الهولندي واعتذاري عن مقال "سقف الحريات في هولندا".
- في مجتمعاتنا ينتظرون من الحكومة أن تصرف عليهم ولا يطبقون النصيحة النبوية "خذ فأساً واحتطب".
- نعم نعيش زهواً كاذباً وغروراً وصلفاً ثقافياً وإعلامياً واجتماعياً.
- سنعود إلى "العصر الحجري".. لو امتنعت المجتمعات المتقدمة عن التعامل معنا.
- زرت أكثر من 40 دولة لكل منها جمالها وطبيعتها الفريدة.
 
أجرى الحوار / شقران الرشيدي- سبق- الرياض: يؤكّد الكاتب البارز فهد عامر الأحمدي، أن التيار المتشدّد في المجتمع السعودي هو المؤثر؛ رغم أن نسبته قليلة إلا أن صوته عالٍ يطمس بقية الأصوات المعتدلة.
 
ويقول الكاتب الأعلى أجراً بين الكُتاب السعوديين، في حواره مع "سبق": إن الكاتب الناجح هو مَن يضيف شيئاً معرفياً وفكرياً للقارئ، موضحاً أن الوزارات، والدوائر الحكومية تكره الكتاب، والصحفيين، والمحررين، ورسامي الكاريكاتير؛ لأنهم يكشفون المستور، والشاذ، والخاطئ، وينشرون الغسيل القذر.
 
 ولا يرى الكاتب الأحمدي في وجه المرأة عورة، وأن هناك أكثر من عشرة أحاديث، ومواقف مباشرة من الرسول الكريم تثبت هذا الجانب، ويلخص المشكلة الحقيقية بأنها تكمن في تبلور ثقافة عزل، واستثناء للمرأة ليس لها أصل شرعي.
 
ويتناول الحوار عديداً من القضايا الفكرية، والصحافة المحلية، وسقوط الحجر الأسود من السماء، والشخصيات التاريخية، وتجربته الكتابية، وتحديه المشعوذين لتحريض الجن لتلبّسه، وأسرار الكتابة المعرفية، وأسباب احترامه الخاص لإسرائيل، والتعصُّب الرياضي، وقيادة المرأة السيارة، والسينما في السعودية، وغيرها من المحاور المهمة.. فإلى تفاصيل الحوار:
 
** تكتب المقالة اليومية منذ أكثر من 23 عاماً .. فهل تمثل لك رؤية أم قناعة أم تجارب خاصّة؟
 
أشكرك أولاً عزيزي شقران على هذا اللقاء.. ببساطة دخلت مجال الكتابة عن طريق المصادفة.. فشخصي المتواضع كان دائماً بمنزلة ماكينة لتوليد الأفكار. وفي طفولتي كنت أعتقد أنني سأصبح مثل إنشتاين، ونيوتن، وتوماس أديسون.. ولكن بما أننا في مجتمع لا يساعد على ظهور مواهب من هذا النوع اكتشفت في الكتابة فرصة للتعبير عن الأفكار التي تجول بخاطري. فأنا بدوري لم أتصور وجود إنسان قادر على الكتابة بشكل يومي.
 
** هل لهذا السبب اخترت مجال الكتابة المعلوماتية بحيث تبدو معظم مقالاتك وكأنها أبحاث مصغّرة؟
 
من خلال الإجابة السابقة تكتشف أنني لم أختر هذا المجال، بـل هذه طبيعتي لدرجة لا أعرف كيف أجيب عن سؤالٍ يتكرّر عليَّ دائما: "من أين تأتي بهذه الأفكار؟".   
 
** تعد الكاتب الأعلى أجرا على مستوى الكُتاب السعوديين حالياً، وأكثرهم متابعة حسب عدد القراءات.. فإلى أي مدى يشعرك ذلك بالتميُّز؟
 
الفضل - بعد الله - يعود لصحيفة "الرياض"، وواقع كهذا يشعرني بالخوف، ويُحمّلني هَم الاحتفاظ بالمستوى؛ فأنا لديَّ قناعة شخصية بأن كل مَن يعتقد أنه مميّز أو متفوق على الآخرين سينتهي بالتخلُّف والتأخّر عن أقرانه، وأضف إلى هذا قناعتي بأن الإعلام الجديد ألغى دور الأستاذية، والتلقين (الذي يمارسه بعض الكُتاب إلى الآن) كونه قد فتح الباب لآلاف القرّاء لمشاركة الكاتب في الفكرة والارتقاء بها من خلال النقد والتعديل وإضافة المصادر.
** مَن هو الكاتب الناجح في مجال الكتابة؟
 
سأجيبك كقارئ؛ الكاتب الناجح - في نظري -هو الذي (حين أترك الصحيفة أو أغلق الكتاب) أشعر أنه أضاف إلى حصيلتي المعرفة، والفكرية شيئاً جديداً لم أكن أعرفه من قبل.. فالمسألة تتعلق بحجم الإضافة الإيجابية التي يقدمها أي كاتب، ولهذا السبب بالذات أسعد كثيراً حين يخبرني أحد أنه قصّ مقالي ليحتفظ به فوق مكتبه أو على باب ثلاجته؛ كون هذا بحد ذاته يعني أن للمقال قيمة حقيقية تستحق الاحتفاظ به .. مقارنة ببقية الصحيفة.
 
 ** في مقالك "مَن يعرف جنياً يتلبّسني؟" أعلنت  استعدادك لتقديم 100,000 ريال لأي مشعوذٍ أو ساحرٍ يستطيع تحريض "جنّي" ليتلبّسك، ما الهدف من هذا التحدّي؟ وماذا تريد أن تثبت؟
 
انتهت مهلة التحدّي، وما زلت مستقلاً بجسدي.. أما الهدف فهو كسر قوقعة الخرافة، وإثبات عدم إمكانية دخول الجان في جسم الإنسان، وإثبات أن الأقرب للعقل، والمنطق هو أن الحالات التي نراها مجرد اضطرابات نفسية موجودة في جميع المجتمعات، ويمكن علاجها بأدوية وعقاقير معروفة لأطباء النفس، ولكن نحن فقط مَن نصرُّ على تحميل الجن مسؤولية اضطراباتنا النفسية!!، وبالمناسبة صدر لي أخيراً كتابٌ يحمل العنوان نفسه (مَن يعرف جنياً يتلبّسني) يتضمّن مقالات كثيرة بهذا الشأن، مثل "مَن يدّعي ذلك بعد سليمان؟"، و"كائناتنا الخفيّة" و"لماذا نصدّق بالخرافات" و"كم يتطلب الأمر كي تؤجّر عقلك؟".
 
** ألا تؤمن بوجود الجن، وإمكانية تلبُّسه في جسم الإنسان رغم النصوص الشرعية؟
 
عفواً .. هناك فرقٌ كبيرٌ بين الإيمان بوجود الجان، وبين قدرة الجان على تلبُّس جسم الإنسان، والأهم من التحدّي المالي الذي سألتني عنه، هو التحدّي الشرعي الذي قدّمته في الكتاب، وطالبت فيه بتقديم نصّ شرعي واضح من القرآن أو السنة يثبت تلبُّس الجان في جسم الإنسان، وليس وجود الجان ذاته منعاً للمغالطة.. وأعترف أن معظم الناس لم يتقبّلوا الفكرة حينها ليس لوجود أو عدم وجود نص شرعي، بل بسبب أننا تربينا على آلاف القصص، والمبالغات التي تؤكّد إمكانية التلبُّس حتى تلبست الفكرة عقولنا قبل أبداننا (ولا يتسع المجال هنا لتكرار الحجج التي قدّمتها في تلك المقالات). الحقيقة الصادمة هي أن مجتمعنا يتمتع بواحدة من أكبر النسب العالمية في أمراض الصرع وانفصام الشخصية، وأفضل ما يمكننا فعله حيال هذا الأمر هو زيادة الوضع سوءاً بضرب المريض والتنكيل به على يد دجال مخادع.
 
 ** مقالك الشهير "للأسف إسرائيل دولة تستحق الاحترام" أثار تذمُّر عددٍ من القرّاء لمدحك دولة محتلة.. والسؤال هو: الأمثلة الجيدة كثيرة "اشمعنى" إسرائيل تحديداً؟
 
جيد أنك قلت "عدد من القرّاء" وليس كامل القرّاء، والحقيقة هي أن إسرائيل مجتمع ديمقراطي متقدّم صناعياً، وعلمياً، وتقنياً ويجب أن نعترف بهذه الحقيقة لنعرف كيف نواجهها بذات السلاح، وهي تستحق الاحترام ليس من باب الإعجاب أو الموالاة؛ بل لكونها تملك أرقاماً، ومعدلات تنمية تتفوق على المجتمعات العربية كافة.. وكما ذكرت أنت "الأمثلة الجيدة كثيرة" ولكن حفيظتنا تـُثار فقط حينما نتحدث عن إسرائيل، وهـذا بحد ذاته دليل على أننا نملك ثقافة تميل لتحقير العدو والتصغير من شأنه حتى نفاجأ بمدى قوته في الميدان، وتفوقه عند المواجهة.. ثم أخبرني أنت: هل سمعت بدولة عربية واحدة أجرت تحقيقاً مع رئيس وزرائها بسبب 1500 دولار أخذها من خزانة الدولة ليقيم بها حفل عشاء لسفير النرويج!!
 
** أي التيارات حالياً يؤثر أكثر في المجتمع السعودي؟
 
دون شك التيار المتشدّد فرغم نسبته القليلة إلا أن المشكلة تكمن في صوته العالي الذي يطمس بقية الأصوات المعتدلة، والأغلبية الصامتة.. هذا من جانب، ومن جانب آخر لأنه يحظى بقبول "الأغلبية الصامتة" كون معظم الناس يعتقدون أن التشدُّد دليل تقوى ومظهر من مظاهر العصمة والصلاحـ في حين أنه دليل انغلاق وضيق أفق وعدم اعتراف بوجود الآراء الأخرى.. وكي تدرك خطورة هذا الترابط أجب أنت على هذا السؤال: لو أقيمت لدينا انتخابات يشارك فيها عامة الناس فمن سيفوز برأيك؟ .. بالتأكيد ليسوا كُتاب الصحف.
 
* لماذا؟ هل تعتقد أن الناس يكرهون كُتاب الصحف؟
 
من السهل على الجميع بما في ذلك الوزارات، والدوائر الحكومية كُره الكتاب والصحفيين، والمحررين، ورسامي الكاريكاتير، وكل مَن يعمل في المجال الإعلامي.. من السهل معاداتهم (كونهم لا يتردّدون في التعبير عن آرائهم) ومن السهل اتهامهم (بسهولة انتقاء المناسب من أرشيفهم المنشور والمتراكم عبر السنين).. ولكن ما يجب أن ندركه جيداً أن طبيعة العمل الإعلامي تعتمد بذاتها على كشف المستور، والشاذ، والخاطئ، ونشر الغسيل القذر، وهـذا ما لا تـريده الأطراف المعنية، وحين تتأمل كلمة "إعلام" تجد أنها تأتي على وزن "إخـبار" بمعنى إخبار الجمهور، وردع الخطأ من خلال نشره على الملأ ولهذا السبب دُعيت الصحف بالسلطة الرابعة.
 
** لا تكتب عن  قيادة المرأة السيارة، ولا دور السينما في السعودية، ولا هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. فهل هو اتساق مع المثل الشعبي "ابعد عن الشر وغني له"؟
 
لا أكتب عن أشياء كثيرة بداعي القرف أو اليأس أو ببساطة لأنني أعرف مقدماً أنها سترفض، في حين كتبت عن السينما مقالات عدة كان آخرها بعنوان: "النفاق السابع" هذا من جهة، ومن جهة أخرى لاحظ أنني كاتب متخصّص في القضايا العلمية، والعالمية، وهناك مَن هو أفضل مني في مناقشة هذه المواضيع، وبالتالي انظر إليَّ كما تنظر لكتاب الرياضة والاقتصاد الذين نادراً ما يتعرّضون لقضايا كهذه!
 
** إن كان للغيرة وجهان أحدهما قبيح، والآخر جميل.. فأي الوجهين يكون أكثر استخداماً بين "الكُتاب" في صحفنا؟
 
 بصراحة لا أحب الأسئلة البهلوانية من هذا النوع .. وما أعرفه جيداً أن لكل شيء في الحياة وجهين قبيح وجميل حتى أبا حسام "فهد الأحمدي".
 
** تستعجل النقل في المسائل الدينية مما يجعلك تكتب معلومات غير مؤكدة كحقيقة الحجر الأسود، والصالحين بوذا وكونفشيوس، وبيع النصوص والفتاوى وغيرها.. ما ردُّك؟
 
أولاً: أسجّل اعتراضي على كلمة "تستعجل"، وعلى جملة "تكتب معلومات غير مؤكّدة".. فأنا لا أكتب إلا بعد التأكّد من المصدر (الذي غالباً ما أشير إليه في ثنايا المقال ذاته)..أما الأمثلة التي تحدثت عنها فكانت مجرد تساؤلات تستحث القارئ للتفكير؛ كون مهمة الكاتب الأساسية هي استثارة القضايا، وإيجاد الأسئلة التي تقوده إلى الإجابة الصحيحة وليس لعب دور الأستاذ أو الملقن عليه.
 
* هل هذا أسلوبك في الكتابة؟
 
في معظم الحالات (نعم)، فأنا على قناعة بأن النتيجة التي يتوصّل إليها القارئ بنفسه تكون مقنعة له أكثر من التي تفرض عليه من الخارج؛ ودعني أضرب لك مثلاً بالحجر الأسود حين تفكر في أصله القديم لن تعثر سوى على ثلاثة احتمالات: الأول أن يكون من مكونات الأرض ذاتها، والثاني أنه صُنع من قِبل الإنسان القديم، والثالث أنه هبط من الفضاء الخارجي.. فماذا تختار أنت كقارئ؟ ها قد توصلت للإجابة بنفسك دون أن أمارس عليك دور الأستاذ أو الموجّه .. وهي إجابة تتفق مع الأحاديث النبوية التي تفيد بسقوطه من السماء على جبل أبي قبيس في مكة المكرّمة.
 
** لماذا يظن الكثير في العالم الثالث أن حدودهم  تقف عند لعب دور الرعية التي تحتاج إلى راعٍ؟
 
هذا أحد أسباب تأخُّرنا بالفعل قد يكون السبب الثقافة القبلية، وقد يكون النظام الأبوي في الأسرة، وقد يكون بسبب مناهجنا التي ترسخ فكرة وجود مرجعية عُليا لكل شيء.. المؤكد أن معظمنا ينشأ تحت فكرة ضرورة وجود راعٍ يرعاه، ومرشد ينصحه، ومعيل يصرف عليه.. ورغم أنك أدرجت "العالم الثالث" في سؤالك إلا أن هذا النوع من الاتكالية لا تجده سوى في المجتمعات الخليجية حين لا ينتظر الناس في الهند، وتايلاند، وبنجلادش من الحكومة الصرف عليهم ويطبقون أفضل منا النصيحة النبوية "خذ فأساً واحتطب".   
 
** بعد احتجاج السفير الهولندي في السعودية؛ اعتذرت عن مقال انتقدت فيه ارتفاع سقف الحريات في هولندا.. فلماذا تعتذر عن قناعاتك الخاصّة؟
 
 أرجو ملاحظة وجود مساحة زمنية كبيرة تفصل بين احتجاج السفير، وبين تراجعي (وليس اعتذاري) عن المقال الذي كتبته، فحين احتج السفير الهولندي كنت ما أزال في حالة عناد، وتصلُّب لدرجة لم أهتم حتى بالرد عليه، ولكنني بعد فترة طويلة تراجعت ليس لأنني قلت شيئاً خاطئاً أو كتبت شيئاً غير صحيحٍ، بل لأنه كان يُفترض بي احترام ثقافة أيِّ شعبٍ في العالم مهما بدت غريبة أو متعارضة مع الثقافة التي نشأت عليها وليس أكثر من {لكم دينكم ولي دين}.
** تحدثت عن البطل الخارق بين الحقيقة والخيال، وطرحت نموذجين: النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعنترة بن شداد، وقلت إن التاريخ يضيف شيئاً من المبالغات.. فهل هناك فعلاً مبالغات تاريخية؟
 
أخشى أن السؤال تمت صياغته بطريقة غير دقيقة حيث لا يمكن ذكر الرسول كنموذج أسطوري، وكنت بالفعل قد كتبت مقالاً يتحدث عن تعلق الشعوب والمجتمعات كافة بنماذج أسطورية على شاكلة عنترة، وشمشون، وسيف بن ذي يزن؛ يضفي عليها الزمن الكثير من المبالغات والخرافات التي لم تحدث فعلاً رغم أنها لها أصل حقيقي، أما بالنسبة للرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتحدثت عنه في المقال كبطل حقيقي صارع، وصرع (بالمعنى الجسماني) رجالاً عدة كانوا معروفين في الجاهلية بقوتهم الجسدية.
 
** كتبت ذات مقال: "آراء واستنتاجات كثيرة تهدف إلى تحقير المرأة، والتقليل من شأنها، في حين وضع الله الجنة تحت أقدامها"، وأن "النقاب تسبّب في عزلها عن ممارسة حقوقها".. ما حكايتك مع المرأة؟
 
 حكايتي مع المرأة أقل بكثير من حكاية كُتاب متخصّصين في الشأنين المحلي والاجتماعي، والمرأة على أي حال هي الجانب الضعيف في أي مجتمع، وبالتالي لمعرفة مدى رقي وتحضُّر الرجل؛ بل مدى رقي وتحضُّر أي مجتمع ما عليك سوى ملاحظة طريقة معاملته للمرأة بدليل قول المصطفى - صلى الله عليه وسلم {ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم}.
 
** بصراحة كبيرة هل لديك مشكلة مع النقاب؟
 
بصراحة كبيرة لا أؤمن بأن وجه المرأة عورة، ويمكنني إخبارك الآن بأكثر من عشرة أحاديث، ومواقف مباشرة من الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم ـ تثبت هذا الجانب، ومع هذا أؤمن بحرية الخيار الشخصي للمرأة نفسها بدليل أنني لا أتدخّل في مسألة "انتقاب" زوجتي أو أٌقرب النساء في عائلتي.. المشكلة الحقيقية تكمن في تبلور ثقافة عزل، واستثناء للمرأة ليس لها أصل شرعي.. ثقافة متشدّدة لم تقدم حلولاً بديلة للتضييق عليها بدعوى الفضيلة والعفاف (في حين لم تستدع الفضيلة حتى الآن سن قوانين تحميها أو مواعظ تطلب من الرجال غض البصر في جميع الأحوال)، وازدواجية كهذه لم تكن موجودة في مجتمعنا حتى وقت قريب حين كانت جداتنا يبعـن في الأسواق، ويستقبلن الضيوف، ويشاركن في الزراعة وتحصيل الرزق دون أن يكن متبرجات أو يطعن ذلك في سمعتهن (ولا تقول لي أن الزمن تغيّر؛ فهذه شتيمة وتهمة أخرى لجيل اليوم).
 
** تغيّر العالم، وتغيّرت لغة العصر، وطرائق التفكير.. فهل نحن بحاجة إلى إعادة نظر في كثير من أمورنا الثقافية، والإعلامية، والاجتماعية، والدينية؟
 
نعـم، بالتأكيد فالحكم على الشيء فرعٌ من تصوّره، وتصوّرنا بأننا نعيش في ثقافة مختلفة ومتميزة (ناهيك عن خصوصيتنا الخاصة) لا يعزلنا فقط عن أسباب نجاح المجتمعات المتقدمة، بل يصيبنا بنوع من الزهو الكاذب الذي لن نكتشفه طالما استمررنا على نفس الغرور والصلف الثقافي والإعلامي والاجتماعي الذي نعيش فيه حالياً.
 
** هل تعلم أن البعض سيتهمك بأنك "تغريبي" بحسب هذا الكلام؟
 
وهل تعلم أننا سنعود إلى العصر الحجري لو امتنعت المجتمعات المتقدمة عن التعامل معنا؟
 
** يقولون "الصحافة ليست مناصب وألقاباً، بل جهد وتميُّز" فما رأيك بهذا القول؟
 
الصحافة تكاد تكون المجال الوحيد الذي لا تنفع فيه الواسطة الكبيرة، ولا تتقدّم فيه المواهب الضعيفة، ولا تشفع فيه الألقاب العريقة كافةً.. فالعمل الصحفي والإعلامي عموما يحتاج إلى موهبة واستمرارية كي يحقق سمعةً وانتشاراً وقبولاً من الناس.. فـلا يوجد منصبٌ أو وساطة أو لقب في العالم يفيدك في إنجاز تقرير صحفي جيد أو كتابة مقال ممتاز أو رسم كاريكاتير جذاب ومعبر.
 
* ما رأيك في صحافتنا المحلية، والتقليدية على وجه الخصوص؟
 
تراجع معظمها إلى مستوى حجب ما يُعلم، ونشر ما لا يهم الناس أمـره، وهي على أي حال فقدت مصداقيتها لدى الأجيال الجديدة.
** تشير الأرقام إلى أن مجتمعنا أغلبه شباب منطلق للحياة، وفي الوقت ذاته أغلب مسؤوليه التنفيذيين كِبار في السن "عواجيز".. والسؤال: كيف يمكننا التعامل مع إشكالية متطلبات العصر الحديثة، ورتابة وبطء القرار؟
 
الواقع - مع الأسف - يؤكّد هذه الحالة التي أصبحت جزءاً من تركيبتنا الإدارية وطبيعتنا الذهنية، وحتى يتفكّك هذا المفهوم أطالب الشباب (ولست شاباً بالمناسبة) الترجل من "باص العواجيز" وإيجاد فرص عمل جديدة ومستقلة لأنفسهم، فمعظم الأثرياء والناجحين في الحياة بدأوا من الصفر ولم ينتظروا وظيفة أو إحساناً من أحد.. وسير العصاميين في بلادنا وجيل المليارديرات الأخير في أمريكا (المؤسّسين لشركات التقنية والإنترنت) تؤكد أنهم لم ينجحوا فقط، بل أوجدوا بنجاحاتهم آلاف الفرص الوظيفية للآخرين.
 
** يُروى عنك انعزالك الناس حتى إن جيرانك لا يعرفونك .. فما الأسباب؟
 
 لست انطوائياً بطبيعتي ولكنني ببساطة أملك حساً عالياً بقيمة الوقت، وأرى في العلاقات الاجتماعية مضيعةً لها .. بل إنني اجتماعي جداً حين يتمكّن أحدهم من إخراجي من قوقعتي ناهيك عن حرصي على تكوين صداقات كثيرة داخل الدول التي أزورها سواء قبل أو أثناء سياحتي فيها (وابحث في جوجل عن مقال: أصدقاء حول العالم).
** معارض الكتاب الورقي تحقّق مبيعات عالية في ظل انتشار الإنترنت، والكتب الإلكترونية.. كيف نفهم ذلك؟
 
 المستقبل بلا شك للكتب، والصحف الإلكترونية.. ومع هذا تظل هناك نكهة وحنين، وظروف خاصّة للكتاب الورقي، بحيث قد ينزل لأدنى مستويات التوزيع لكنه لن يختفي إلى الأبد .. صحيح أنه سيتراجع من حيث نسب التوزيع، ولكن نسبة تقديره بين الناس سترتفع لأكثر من السابق (فـاختراع السيارة لم يتسبّب في انقراض الخيول، بل جعلها أكثر قيمة وتقديراً وتحظى بمعاملة راقية بسبب ندرتها).. وهنا يكمن جمال المفارقة.
 
 
 
 
* نشرت ثلاثة كتب فقط، وهذا الرقم يبدو شحيحاً.. ما الأسباب؟
 
هذه أيضاً مفارقة أخرى.. فلأنني أكتب بشكل يومي منذ عام 1990م، لا أجد وقتاً للتأليف أو حتى جمع مقالاتي، ونشرها ضمن سلسلة كتب، وأقول مفارقة أخرى، لأن شح التأليف يأتي غالباً بسبب شح المحتوى؛ في حين أعاني غزارة المحتوى كوني قد أملك أكثر من 7000 مقال لم يصدر منها مثلا في كتابي الأخير سوى 80 فقط!! لهذا أتوقع انقلاب المعادلة رأساً على عقب فـي حال عثرت على دار نشر أثق بتسليمها أرشيفي كاملاً.
 
** تُعرف بأنك كاتب موسوعي، وتوجهك معرفي.. لكن ما لا يعرفه الناس عنك همومك التي شاغلتك، وتشاغلك الآن، فما هي؟
 
هموم الإنسان تتغيّر بحسب مراحله العمرية، وأنا حالياً في المرحلة الخاصّة بالتساؤل عن مستقبل ابنيّ حسام وفيصل اللذين وصلا للمرحلة الثانوية.
 
** ما مشكلاتنا المُلحة التي يجب أن نهتم بعلاجها أولاً؟
 
هذا يعيدنا إلى سؤالك حول تغيُّر العالم، وتغيُّر لغة العصر وطرق التفكير، وأعتقد أن أهم مشكلة تواجهنا حالياً هي امتلاكنا ثقافة مزدوجة تتعامل مع الداخل بغير ما تتعامل به مع الخارج .. كما أننا نعاني تخمة روحانية، وأدبية يُفترض التخفيف من طغيانها لصالح العقلانية المادية، والعلمية التجريبية (وكتبت مقالاً بهذا الشأن بعنوان: أعطني مخترعاً وخذ كل الأدباء)!!
 
* ماذا تعني بـ "تخمة روحانية"؟
 
 بعكس الملائكة والشياطين خلقنا الله في عالم مادي، وواقـعٍ ملموسٍ يخضع لقوانين الفيزياء، والحركة، وغلبة مَن يملك أسباب القوة والتفوق بالتالي (نغالط أنفسنا) إن حاولنا التطور، ومقارعة الأمم دون الأخذ بالأسباب المادية بدليل قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} و {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} وأيضا بدليل اختباء الرسول الكريم في غار حراء؛ لأنه لم يملك حينها من أسباب القوة المادية ما يقارع به المشركين رغم أنه سيد الخلق، ورغم أن الله معهما، وحين يعاني شعبٌ ما تخمة في الفكر الروحاني والأدبي (أو يملك ثقافة تستخف أو تحقر من أسباب التطور المادي) يبتعد تلقائياً عن منافسة الأمم المتقدمة. أما الأسوأ من هذا فهو أن نركن لمقولة "إن الله سخرهم لخدمتنا".
 
** هل تعتبر نفسك كاتباً مخضرماً أم لا تزال في جيل "الشباب"؟
 
من جيل الشباب رغم تجاوزي سن الأربعين، ولديّ على ذلك شاهدان: فمن حيث المحتوى أكتب في مواضيع هي في طبيعتها متجدّدة، وشابة، ودائمة التوالد (كأن أكتب مثلاً عن آخر الاكتشافات العلمية أو المستجدات العالمية أو الرحلات التي قمت بها بنفسي) أما من حيث الوسيلة فتشاهد لي نشاطاً في الإعلام الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي أكبر بكثير من الإعلام الورقي أو التقليدي (والشيخ جوجل يحكم بيننا)!  
 
* في بداية الحوار ألمحت إلى تأثرك في طفولتك بشخصياتٍ علمية مثل إنشتاين ونيوتن وتوماس أديسون، ولكن هل هناك شخصيات أثرت بالذات في شخصيتك الأدبية أو مسيرتك المهنية ككاتب .. كما يقول أنيس منصور عن نفسه مثلاً؟
 
أنيس منصور رجلٌ مُسل ولكن لا يُعتمد عليه كمصدرٍ موثوقٍ، ولم أتأثر به شخصياً.. ولكنني في المقابل تأثرت بكاتب لا يعرفه معظم الناس حاليا يُدعى "فاروق لقمان" كان يكتب في "آرب نيوز"، و"الشرق الأوسط"، ولمعرفة المزيد عن علاقتي به أرجو البحث في النت عن مقال: ثالث منخفض بالعالم هل يمكن تحويله إلى بحيرة!؟ أما من حيث المسيرة المهنية ذاتها فـلا يفوتني إعادة الفضل إلى صحيفة "المدينة" التي تبنتني من الصفر، وإلى الأستاذ تركي السديري الذي فتح لي أبواباً أوسع في صحيفة "الرياض".
 
** زرت 40 دولة حسب علمي؛ فما أجمل بلد زرتها؟ ولماذا؟
 
للجمال جوانب كثيرة؛ طبيعية، ومدنية، وحضارية، وإنسانية أيضاً.. فمن حيث الطبيعة هناك سويسرا والبرازيل وتايلاند، ومن حيث المدنية هناك اليابان واسكندنافيا والنمور الأسيوية، ومن حيث العمق الحضاري لن تجد أجمل من المدن الأوروبية القديمة، وفي جميع الأحوال هناك معادلة نسبية يجب على جميع السياح إدراكها جيداً وهي أنه: كلما قرأت أكثر عن الدولة التي تنوي السفر إليها، اكتشفت فيها جوانب جذب وجمال قـد يجهلها حتى أهلها.
 
**  مَن هو الشخص الذي تتمنى ألا تصافحه.. ولماذا؟
 
كل مَن يخفي عن الناس الصحيح، والصريح، والمباشر، و"يتفيهق" بالهش والضعيف، والمخادع لإثبات وجهة نظره الضيقة في قضايا تهم مجتمعاً بأسره، وخـذ من جوابي السابق مثالاً حيث تجد مَن يخفي أحاديث كشف الوجه الصريحة والمباشرة من الرسول الكريم، ويعظ الناس بآراءٍ شخصية أو اجتهاداتٍ فقهية وفتاوى ضبابية ظهرت بعده بزمن طويل.
 
** كيف يمكن بث الروح الوطنية، وزيادة الوعي الوطني في شباب اليوم؟
 
بالتخفيف من التعصُّب القبلي، والمناطقي، والعائلي من جهة، وإفهام شبابنا أن اجتماعنا حول دولة واحدة هو ما يجمعنا، وينظمنا ويمنحنا قوة رجل واحد من جهة أخرى دون هـذه المعادلة سننفرط إلى شعوب وقبائل لا تتردّد في الاقتتال وهجاء بعضها بعضا من أجل فرس أصيلة أو ناقة مزيونة (وفعلناها قبل ذلك في حرب البسوس وداحس والغبراء)!!
 
 
 
 
** هل صحيح أنك لا تفضل أن يصفك أحدهم بالكاتب المعلوماتي؟
 
نوعاً ما.. فأنا أفضل عليها "كاتب معرفي" أو حسب تعريف صديقنا أحمد العرفج "عامل معرفة". والفرق بين الاثنين هو أن المعلومات حقائق مجردة لم يعـد تقديمها ميزة خصوصاً في عصر النت، والشيخ جوجل، أما المعرفة فهي استنباط لحقيقة جديدة أو فكرة غير مسبوقة من معلومات يعرفها الجميع.
 
** التعصُّب الرياضي في المجتمع.. هل هو امتدادٌ لجذورٍ اجتماعية وتاريخية متأصّلة بنا؟
 
التعصُّب حالة إنسانية لا يسلم منها البشر عموماً.. فأنا وأنت وجميع القرّاء لابـد أن نتعصّب لأشياءٍ كثيرة بدءاً بالفنانين والأندية الرياضية وانتهاء بالموديلات والأجهزة التقنية.. المهم هو ألا يتحول تعصُّبنا إلى عداوة أو انحيازنا إلى أعمال عنفٍ وشتيمة.. أما بخصوص التعصُّب الرياضي تحديداً فيا ليت جميع "تعصباتنا"، إن جاز التعبير، تنتهي بسلام مثله.
 
** ما الحكمة التي تؤمن بها؟
 
"الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق بها"، وهل يمكنني إضافة واحدة أخرى؟ لا تشغل البال بماضي الزمان ××  ولا بآت العيش قبل الأوان.
 
** هل تذكر أغلى دمعة ذرفتها؟ وما مناسبتها؟
 
قلبي هو مَن دمع حينها .. وأنا على أي حال مصاب بجفاف دائم في العينين.
 
** ما الموقف الذي لا تنساه؟
 
المواقف كثيرة خصوصاً حين أكون خارج البلاد حيث اختلاف الثقافات والعادات والمفاهيم تجعل الإنسان متحفزاً لملاحظة كل صغيرة وكبيرة تحدث حوله، ومثال ذلك أطفال مشردون صغار جداً كنت أشاهدهم وحدهم في الهند كلما خرجت من الفندق (وتجد صورهم في موقعي على الإنستجرام).. أما في الداخل فأول ما يخطر ببالي هو الدمعة التي ذرفها الأمير مقرن حين التقي الأطفال المعوّقين في المدينة المنوّرة.
* ذكّرتني بالمناسبة: ما العلاقة التي تجمعك بالأمير مقرن وجعلتك تكتب عنه مقالين بعنوان "ما لا تعرفونه عن الأمير مقرن"؟
 
كنت أخشى طرحك لهذا السؤال.. على أي حال كلمة "علاقة" كبيرة شـوي؛ فأنا كنت مجرد مسؤول عن الشؤون الإعلامية في إمارة المدينة المنوّرة قبل انتقال سموه لجهاز الاستخبارات، وما كتبته في ذلك المقال كان مجرد رصدٍ أمينٍ وواقعي لما شاهدته ولاحظته خلال تلك الفترة، وفي الحقيقة كل مَن اطلع على المقال يعرف من خلال صياغته، وطبيعة المعلومات الواردة فيه، أنه لا يمكن إلا أن يكون صحيحاً ومرتكزاً على وقائع حقيقية.
 
 * آخر سؤال أستاذ فهد: ما السؤال التي كنت تخشى أن أطرحه عليك؟
 
لم تترك شيئاً يا عزيزي .. خصوصاً أن سؤال "لماذا تركت الجامعة؟" أصبح مملاً للجميع.
 
 

أخبار قد تعجبك

No stories found.