مختصو تغذية: فائض الوجبات لا يمكن إطعامه لآخرين.. ووجبات المستشفيات في النفايات

"الجوهرة": هدر الغذاء مشكلة عالمية تؤرق الحكومات الباحثة عن حلول ناجعة للتصدي لها
مختصو تغذية: فائض الوجبات لا يمكن إطعامه لآخرين.. ووجبات المستشفيات في النفايات
تم النشر في

أكدت الجوهرة الحميد، الباحثة في الهدر الغذائي والمنسقة الإعلامية بجمعية خيرات لحفظ النعمة، أن هدر الغذاء يُعدُّ مشكلة عالمية، تؤرق الحكومات الباحثة عن حلول ناجعة للتصدي لها، ولاسيما أن لها انعكاسات سلبية اقتصاديًّا، وبيئيًّا، وإنسانيًّا.. والفنادق لا تخلو من فائض طعام، وكذلك المطاعم، وفي البيوت والمناسبات، والمستشفيات أيضًا ليست بمنأى عن هذا الهدر من خلال الوجبات الغذائية التي تُقدَّم للمرضى ومرافقيهم.

وبالرغم من جهود المؤسسات وجمعيات حفظ النعمة المبذولة، والخدمات التوعوية التي تقدم في نشر ثقافة حفظ النعمة، وتقليل الهدر، إلا أن الهدر لا يزال ملحوظًا في مجتمعنا؛ إذ بلغ مؤخرًا 33%، وفق الدراسة التي أجراها البرنامج الوطني للحد من الفقد والهدر الغذائي، التابع للهيئة العامة للأمن الغذائي، بما يعادل أربعة ملايين طن سنويًّا، وبما قيمته بنحو 40 مليارًا سنويًّا.

وفي الوقت الذي تقدم فيه المستشفيات الرعاية الطبية والوجبات الغذائية المتنوعة للمرضى المنومين ومرافقيهم إلا أن فائض تلك الوجبات يُلقى في صناديق النفايات، ولاسيما أن بعض الطعام لا يُمس، ولا يزال محفوظًا في أوعيته؛ الأمر الذي يشكل هدرًا في الغذاء لا يُستهان به، فضلاً عن أن ذلك لا يعد إكرامًا وتقديرًا للنعمة التي أمرنا بها ديننا الحنيف.  

وتباينت الآراء حول ما إذا كان فائض هذه الوجبات مناسبًا لتقديمه للمحتاجين من عدمه. ففي الوقت الذي يرى فيه مختصو التغذية أن هذه الوجبات لا تصلح للآخرين لم يمانع الآخرون من إعادة تدويرها أو تقديمها وجبات ساخنة لمن يحتاج إليها.

وتقول سلمى الدوسري (مرافقة لإحدى قريباتها في أحد مستشفيات الرياض): أرى الطعام يفيض عن حاجة المرضى والمرافقين، ثم يلقى في النفايات. وبعض هذه الوجبات لم تُفتح. يُفضَّل أن تُعطَى للفقراء والأسر التي لا تجد ما تأكله.

وشاركها الرأي أحد الأطباء قائلاً: "الطعام الذي يفيض عن الحاجة ولم يستخدم بالإمكان الاستفادة منه، ولا ضرر منه، خاصة إذا تم رفعه بصورة آمنة، ولم يُترك لساعات طوال خارج الثلاجة". مردفًا بقوله: "الطعام الذي يقدم في المستشفى جيدٌ، ولكي نقلل من هدره هناك حلول ووسائل كثيرة في سبيل المحافظة عليه، وتقديم الصالح منه كوجبات للفقراء".  

وأوضح أستاذ الإدارة الصحية بجامعة الملك سعود قطنان الجحدلي أن مسؤولية هدر الطعام في المستشفيات تقع على عاتق شركة الصحة؛ لأن نسبة كبيرة من غذاء المرضى في المستشفيات ومرافقيهم تعود من دون أن تمس من جميع الأصناف. ولفت إلى أن مشروع جمع الفائض من هذه الوجبات سيكون ناجحًا 100%، وقال: "أعتقد أنه لو طرح هذا المشروع الآن على المسؤول الأول بشركة الصحة، وصورة لمعالي وزير الصحة، سينجح بنسبة كبيرة".

وأضاف: "لا بد من وجود جمعيات مصغرة في المستشفيات بشكل يومي، مع عمل تجهيزات مناسبة تحفظ الطعام من التلف أو التسمم؛ لأن الطعام سرعان ما يتسمم إذا كان مكشوفًا لفترة طويلة. ومهم جدًّا أن نحافظ على سلامة الطعام، ولا بد أن يكون هناك قائمة بالأُسر المحتاجة لذلك، وسيارات نقل مجهزة أيضًا".

وأكد أهمية التوعية في وسائل التواصل الاجتماعي، وفي التلفاز؛ لرفع مستوى الوعي، والحرص على اتباع التعليمات في حفظ النعمة. مشيرًا إلى أن في مجتمعنا أسرًا تحت الصفر من الفقر، وبحاجة للطعام، وإن اكتفينا محليًّا فيمكن المساهمة في تصدير ذلك للبلدان المحتاجة.

من جهته، اعتبر المدير التنفيذي لجمعية خيرات لحفظ النعمة عبدالله السبيعي أن المستشفيات من أكبر المواقع التي فيها هدر غذائي، خاصة في الوجبات التي تقدم لمرافقي المرضى الذين عادة ما يعزفون عن تناول هذه الوجبات.

ومن طرق الاستفادة من هذا الفائض توفير ثلاجات في هذه المستشفيات؛ لوضع الوجبات الزائدة، ثم تنقل للأسر المستفيدة المجاورة للمستشفيات؛ وذلك من أجل تقليل الهدر، والاستفادة من الفائض الصالح للأكل، وخصوصًا أن الطعام المقدم في هذه المستشفيات يعتبر صحيًّا.

محمد المالكي، اختصاصي تغذية في أحد المستشفيات، أوضح أن متوسط عدد الوجبات يوميًّا من 450 إلى 500 وجبة في المستشفى الذي يعمل فيه، هذا من غير الوجبات التي تقدم سائلة لبعض المرضى المخصصة لهم، وقال: "نحاول التحكم قدر المستطاع في الفائض، لكن لا بد من وجوده".

ولفت: "يفترض ألا يعاد الطعام بعد خروجه من غرف المرضى؛ لأنه عرضة للتلوث أو التسمم أثناء نقله. وربما لو قمنا بتقليل عدد الوجبات؛ بألا يُشترط أن نعد الوجبات وفق عدد المرضى والمرافقين، فقد يسهم ذلك في تقليل الهدر".

واستدرك: نحن هنا نقدم بعض الفائض لعمال النظافة، وهذا هو السائد بالتنسيق مع إدارة المستشفى.

وأضاف: يمكن الاستفادة من الفائض بعد معالجته؛ ليصبح طعامًا للحيوانات إذا كان غير صالح للاستخدام الآدمي.

وتتساءل اختصاصية التغذية منيرة القحطاني: "كيف يمكن التأكد من سلامة وجبات المرضى والمرافقين؟! فربما أن بعضهم عبث بمحتواها، كما أن بعض الأطعمة تفسد؛ إذ إن تحضير الطعام وتوزيعه ثم العودة به لاستلامه يستغرق أربع ساعات؛ ما يعرضه للتلف، مثل: اللبن، والبيض، والزبادي، وخصوصًا في الطقس الحار".

وأضافت: "بعض المرضى في العزل بسبب الأمراض المعدية؛ وهو ما قد ينتج منه -لا قدر الله- انتشار العدوى، مثل: التهاب الكبد الوبائي وغيره؛ فلا توجد ضمانات حول صلاحية الأغذية، لكن يمكن الاستفادة من هذا الفائض كأسمدة عضوية للنباتات والتربة".

وسعد (موظف موارد بشرية في مستشفى خاص) لا يؤيد كذلك فكرة جمع فائض الطعام من المستشفيات وتقديمه لآخرين حفاظًا على سلامتهم صحيًّا؛ فالطعام الذي يكون في غرف المرضى عرضة للتلف، وربما ينقل الوباء، وقال: "من وجهة نظري، يمكن إعطاؤه للحيوانات، أو كسماد للنباتات".

من جانبه، أكد مستشار الأمن الغذائي عبدالعزيز الياقوت أن مستوى الهدر الغذائي خلال العامين الماضيين في تنامٍ؛ وهذا أمر غير محمود من مبدأ شرعي، وأيضًا من مبدأ نظامي، وفق أنظمة وقوانين المملكة العربية السعودية.

وعن هدر الغذاء في المستشفيات رأى "الياقوت" أن تُراعَى رغبات المرضى بسؤالهم عن أذواقهم في الطعام فيما لا يخالف حالاتهم الصحية؛ فالغذاء ليس بالإجبار، ولكل إنسان ما يهوى من مأكل ومن مشرب، على أن يكون ذلك تحت متابعة مسؤول التغذية في أي كيان صحي. لافتًا إلى أهمية تفعيل دور مسؤول التغذية فيما يتعلق بتحديد قوائم الطعام، وتقدير الكميات الكافية لكل مرحلة مَرضية. ويُعتقد أن هذه الطريقة سوف تسهم في تقليل الهدر بشكل ملحوظ جدًّا.

وأضاف: "مسؤولية معالجة هذه المشكلة تقع في نطاق جهات عدة، مثل الجمعيات الأهلية المتخصصة بحفظ الأطعمة، بأن تأخذ صفة (بنوك الغذاء)، وأيضًا الهيئة السعودية للغذاء والدواء عليها أن تضع اشتراطات من منطلق الجودة النوعية، إلى جانب المراقبة عبر الهيئة العامة للأمن الغذائي، أيضًا لوزارة الصحة دور مهم في تفعيل دور اختصاصي الأغذية في المنشآت الصحية بإعداد قوائم الطعام المناسبة مع حالة المرضى، ورغباتهم لمكافحة الهدر في الأطعمة".

يُذكر أن وزارة البيئة والمياه والزراعة أطلقت مبادرة البرنامج الوطني للحد من الفقد والهدر في الغذاء، وأسندت تنفيذه إلى الهيئة العامة للأمن الغذائي.

أخبار قد تعجبك

No stories found.
صحيفة سبق الالكترونية
sabq.org