إدمان "التواصل" يهدِّد الأسرة بالتفكك

ارتباك كبير شعر به كثيرون خلال الأيام الماضية بعد العُطل الذي ضرب شبكات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وواتساب وإنستغرام)، وهو الحدث الذي غطى على وسائل الإعلام في العالم كله، وترتبت عليه خسائر بمليارات الدولارات، تكبدتها الشركة المالكة لتلك التطبيقات التي أصبحت تتحكم في حياة مليارات البشر في كل أرجاء المعمورة.

بعيدًا عن حسابات الربح والخسارة المادية، وبنظرة سريعة إلى الواقع المحلي في السعودية، نجد أننا لم نكن بعيدين عن تلك الربكة التي شعر بها الناس في العالم كله؛ إذ ضج الكثيرون بالشكوى، وتذمروا من ذلك العطل الذي لم يستمر سوى ساعات معدودة، للدرجة التي أشعرتني بأن استخدام تلك الوسائط أصبح وكأنه شيء أساسي من مقومات الحياة التي لا نستطيع العيش بدونها.

وتحدَّث كثيرون عما يسمى بإدمان استخدام تلك الوسائل، مشيرين إلى أنه على الرغم من فوائدها العديدة إلا أن الإفراط في استخدامها ينطوي بدوره على مخاطر متعددة؛ فالبعض يميلون إلى قضاء معظم الوقت في عزلة واقعية، ويميلون إلى التعامل مع واقعهم الافتراضي؛ وهو ما يؤثر في سلوكهم وحياتهم الاجتماعية، وهي حالة يمكن وصفها بالإدمان.

ونلاحظ جميعًا أن الأطفال والشباب وصلوا لمرحلة لا يكادون يستطيعون فيها الابتعاد والتخلي عن هذه المواقع ولو لدقائق معدودة، بل إن بعضهم لا يستطيع النوم قبل التفاعل مع المنشورات والتغريدات والرسائل التي تصله، وبخاصة المراهقون، وبعضهم يستيقظ من النوم مع كل إشعار بورود رسالة جديدة، وربما أجاب عن بعض الإشعارات وهو نصف نائم؛ وهو ما كان له مردود سيئ للغاية على حياتهم وقدرتهم على التواصل مع مَن حولهم.

هذا الوضع لا بد له أن يتغير. ولتحقيق ذلك هناك العديد من الخطوات الجادة التي لا بد من القيام بها، وفي مقدمتها بدء حوار جاد، تشارك فيه كل الجهات ذات الصلة، وأن يبدأ الأمر من المدارس لتحصين التلاميذ والطلاب من مخاطر تلك العادة السيئة.

وهناك دور كبير على الأسرة القيام به؛ لأنها نواة المجتمع؛ فكل رب أسرة مسؤول عن تنشئة أبنائه بطريقة صحيحة.

وقبل أن نسارع إلى إلقاء النصائح علينا أن نكون قدوة لأبنائنا؛ فالوالد هو مصدر التأثير الأول على أبنائه.. فمَن يشاهدون آباءهم وهم لا يكادون يفارقون تلك الأجهزة لا شك سوف يسيرون على الطريق نفسه.

ومن الأهمية أن يستخدم الآباء أسلوب الحوار والإقناع بدلاً من أساليب المنع التي لم تعد تجدي في عصرنا الحالي؛ فلا سبيل إلى إكراه الأطفال على التوقف عن تصفح مواقع التواصل؛ لأن ذلك سيدفعهم بالتأكيد إلى محاولة استخدامها بعيدًا عن رقابة والديهم؛ وهو ما يمكن أن يؤدي إلى سلبيات أخرى أشد خطورة عليهم.

ويمكن الاتفاق مع الأبناء على استخدام المواقع والتطبيقات التي تتناسب مع أعمارهم، ومسح التطبيقات الأخرى من هواتفهم وأجهزتهم الذكية، وأن يُسمح لهم باستخدامها ساعات معينة موزعة على مدار اليوم، وأن يكون ذلك بعد الانتهاء من المهام المختلفة، كالدراسة والاستذكار.

حتى في أيام العطلات والإجازات علينا تشجيع الأبناء على ترشيد استخدام تلك الأجهزة، وعدم الإفراط في ذلك، وأن نشركهم في أنشطة بديلة لتجنيبهم شر الفراغ الذي هو الدافع الأول لهم للدخول إلى تلك التطبيقات. كذلك يجب على الوالدين الحرص على عدم ترك الأجهزة بحوزة الأطفال عند خلودهم للنوم؛ حتى لا يكون الدخول إلى التطبيقات هو أول خطوة يبدؤون بها يومهم. وحبذا لو تم تحديد يوم بدون إنترنت، ويُخصص للقيام بفعاليات اجتماعية ومنزلية.

بذلك نكون قد قللنا من ارتباط الأطفال بتلك التطبيقات التي أصبحت تستنزف طاقاتهم، وربما تؤثر في المستقبل على دراستهم وتحصيلهم الأكاديمي، إضافة إلى ما قد يصيبهم من أمراض جسدية ونفسية، وقبل ذلك سرقت منهم طفولتهم، وحوّلتهم إلى ما يشبه الآلات.

علي آل شرمة
اعلان
إدمان "التواصل" يهدِّد الأسرة بالتفكك
سبق

ارتباك كبير شعر به كثيرون خلال الأيام الماضية بعد العُطل الذي ضرب شبكات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وواتساب وإنستغرام)، وهو الحدث الذي غطى على وسائل الإعلام في العالم كله، وترتبت عليه خسائر بمليارات الدولارات، تكبدتها الشركة المالكة لتلك التطبيقات التي أصبحت تتحكم في حياة مليارات البشر في كل أرجاء المعمورة.

بعيدًا عن حسابات الربح والخسارة المادية، وبنظرة سريعة إلى الواقع المحلي في السعودية، نجد أننا لم نكن بعيدين عن تلك الربكة التي شعر بها الناس في العالم كله؛ إذ ضج الكثيرون بالشكوى، وتذمروا من ذلك العطل الذي لم يستمر سوى ساعات معدودة، للدرجة التي أشعرتني بأن استخدام تلك الوسائط أصبح وكأنه شيء أساسي من مقومات الحياة التي لا نستطيع العيش بدونها.

وتحدَّث كثيرون عما يسمى بإدمان استخدام تلك الوسائل، مشيرين إلى أنه على الرغم من فوائدها العديدة إلا أن الإفراط في استخدامها ينطوي بدوره على مخاطر متعددة؛ فالبعض يميلون إلى قضاء معظم الوقت في عزلة واقعية، ويميلون إلى التعامل مع واقعهم الافتراضي؛ وهو ما يؤثر في سلوكهم وحياتهم الاجتماعية، وهي حالة يمكن وصفها بالإدمان.

ونلاحظ جميعًا أن الأطفال والشباب وصلوا لمرحلة لا يكادون يستطيعون فيها الابتعاد والتخلي عن هذه المواقع ولو لدقائق معدودة، بل إن بعضهم لا يستطيع النوم قبل التفاعل مع المنشورات والتغريدات والرسائل التي تصله، وبخاصة المراهقون، وبعضهم يستيقظ من النوم مع كل إشعار بورود رسالة جديدة، وربما أجاب عن بعض الإشعارات وهو نصف نائم؛ وهو ما كان له مردود سيئ للغاية على حياتهم وقدرتهم على التواصل مع مَن حولهم.

هذا الوضع لا بد له أن يتغير. ولتحقيق ذلك هناك العديد من الخطوات الجادة التي لا بد من القيام بها، وفي مقدمتها بدء حوار جاد، تشارك فيه كل الجهات ذات الصلة، وأن يبدأ الأمر من المدارس لتحصين التلاميذ والطلاب من مخاطر تلك العادة السيئة.

وهناك دور كبير على الأسرة القيام به؛ لأنها نواة المجتمع؛ فكل رب أسرة مسؤول عن تنشئة أبنائه بطريقة صحيحة.

وقبل أن نسارع إلى إلقاء النصائح علينا أن نكون قدوة لأبنائنا؛ فالوالد هو مصدر التأثير الأول على أبنائه.. فمَن يشاهدون آباءهم وهم لا يكادون يفارقون تلك الأجهزة لا شك سوف يسيرون على الطريق نفسه.

ومن الأهمية أن يستخدم الآباء أسلوب الحوار والإقناع بدلاً من أساليب المنع التي لم تعد تجدي في عصرنا الحالي؛ فلا سبيل إلى إكراه الأطفال على التوقف عن تصفح مواقع التواصل؛ لأن ذلك سيدفعهم بالتأكيد إلى محاولة استخدامها بعيدًا عن رقابة والديهم؛ وهو ما يمكن أن يؤدي إلى سلبيات أخرى أشد خطورة عليهم.

ويمكن الاتفاق مع الأبناء على استخدام المواقع والتطبيقات التي تتناسب مع أعمارهم، ومسح التطبيقات الأخرى من هواتفهم وأجهزتهم الذكية، وأن يُسمح لهم باستخدامها ساعات معينة موزعة على مدار اليوم، وأن يكون ذلك بعد الانتهاء من المهام المختلفة، كالدراسة والاستذكار.

حتى في أيام العطلات والإجازات علينا تشجيع الأبناء على ترشيد استخدام تلك الأجهزة، وعدم الإفراط في ذلك، وأن نشركهم في أنشطة بديلة لتجنيبهم شر الفراغ الذي هو الدافع الأول لهم للدخول إلى تلك التطبيقات. كذلك يجب على الوالدين الحرص على عدم ترك الأجهزة بحوزة الأطفال عند خلودهم للنوم؛ حتى لا يكون الدخول إلى التطبيقات هو أول خطوة يبدؤون بها يومهم. وحبذا لو تم تحديد يوم بدون إنترنت، ويُخصص للقيام بفعاليات اجتماعية ومنزلية.

بذلك نكون قد قللنا من ارتباط الأطفال بتلك التطبيقات التي أصبحت تستنزف طاقاتهم، وربما تؤثر في المستقبل على دراستهم وتحصيلهم الأكاديمي، إضافة إلى ما قد يصيبهم من أمراض جسدية ونفسية، وقبل ذلك سرقت منهم طفولتهم، وحوّلتهم إلى ما يشبه الآلات.

09 أكتوبر 2021 - 3 ربيع الأول 1443
08:22 PM
اخر تعديل
18 أكتوبر 2021 - 12 ربيع الأول 1443
06:56 PM

إدمان "التواصل" يهدِّد الأسرة بالتفكك

علي آل شرمة - الرياض
A A A
0
1,224

ارتباك كبير شعر به كثيرون خلال الأيام الماضية بعد العُطل الذي ضرب شبكات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وواتساب وإنستغرام)، وهو الحدث الذي غطى على وسائل الإعلام في العالم كله، وترتبت عليه خسائر بمليارات الدولارات، تكبدتها الشركة المالكة لتلك التطبيقات التي أصبحت تتحكم في حياة مليارات البشر في كل أرجاء المعمورة.

بعيدًا عن حسابات الربح والخسارة المادية، وبنظرة سريعة إلى الواقع المحلي في السعودية، نجد أننا لم نكن بعيدين عن تلك الربكة التي شعر بها الناس في العالم كله؛ إذ ضج الكثيرون بالشكوى، وتذمروا من ذلك العطل الذي لم يستمر سوى ساعات معدودة، للدرجة التي أشعرتني بأن استخدام تلك الوسائط أصبح وكأنه شيء أساسي من مقومات الحياة التي لا نستطيع العيش بدونها.

وتحدَّث كثيرون عما يسمى بإدمان استخدام تلك الوسائل، مشيرين إلى أنه على الرغم من فوائدها العديدة إلا أن الإفراط في استخدامها ينطوي بدوره على مخاطر متعددة؛ فالبعض يميلون إلى قضاء معظم الوقت في عزلة واقعية، ويميلون إلى التعامل مع واقعهم الافتراضي؛ وهو ما يؤثر في سلوكهم وحياتهم الاجتماعية، وهي حالة يمكن وصفها بالإدمان.

ونلاحظ جميعًا أن الأطفال والشباب وصلوا لمرحلة لا يكادون يستطيعون فيها الابتعاد والتخلي عن هذه المواقع ولو لدقائق معدودة، بل إن بعضهم لا يستطيع النوم قبل التفاعل مع المنشورات والتغريدات والرسائل التي تصله، وبخاصة المراهقون، وبعضهم يستيقظ من النوم مع كل إشعار بورود رسالة جديدة، وربما أجاب عن بعض الإشعارات وهو نصف نائم؛ وهو ما كان له مردود سيئ للغاية على حياتهم وقدرتهم على التواصل مع مَن حولهم.

هذا الوضع لا بد له أن يتغير. ولتحقيق ذلك هناك العديد من الخطوات الجادة التي لا بد من القيام بها، وفي مقدمتها بدء حوار جاد، تشارك فيه كل الجهات ذات الصلة، وأن يبدأ الأمر من المدارس لتحصين التلاميذ والطلاب من مخاطر تلك العادة السيئة.

وهناك دور كبير على الأسرة القيام به؛ لأنها نواة المجتمع؛ فكل رب أسرة مسؤول عن تنشئة أبنائه بطريقة صحيحة.

وقبل أن نسارع إلى إلقاء النصائح علينا أن نكون قدوة لأبنائنا؛ فالوالد هو مصدر التأثير الأول على أبنائه.. فمَن يشاهدون آباءهم وهم لا يكادون يفارقون تلك الأجهزة لا شك سوف يسيرون على الطريق نفسه.

ومن الأهمية أن يستخدم الآباء أسلوب الحوار والإقناع بدلاً من أساليب المنع التي لم تعد تجدي في عصرنا الحالي؛ فلا سبيل إلى إكراه الأطفال على التوقف عن تصفح مواقع التواصل؛ لأن ذلك سيدفعهم بالتأكيد إلى محاولة استخدامها بعيدًا عن رقابة والديهم؛ وهو ما يمكن أن يؤدي إلى سلبيات أخرى أشد خطورة عليهم.

ويمكن الاتفاق مع الأبناء على استخدام المواقع والتطبيقات التي تتناسب مع أعمارهم، ومسح التطبيقات الأخرى من هواتفهم وأجهزتهم الذكية، وأن يُسمح لهم باستخدامها ساعات معينة موزعة على مدار اليوم، وأن يكون ذلك بعد الانتهاء من المهام المختلفة، كالدراسة والاستذكار.

حتى في أيام العطلات والإجازات علينا تشجيع الأبناء على ترشيد استخدام تلك الأجهزة، وعدم الإفراط في ذلك، وأن نشركهم في أنشطة بديلة لتجنيبهم شر الفراغ الذي هو الدافع الأول لهم للدخول إلى تلك التطبيقات. كذلك يجب على الوالدين الحرص على عدم ترك الأجهزة بحوزة الأطفال عند خلودهم للنوم؛ حتى لا يكون الدخول إلى التطبيقات هو أول خطوة يبدؤون بها يومهم. وحبذا لو تم تحديد يوم بدون إنترنت، ويُخصص للقيام بفعاليات اجتماعية ومنزلية.

بذلك نكون قد قللنا من ارتباط الأطفال بتلك التطبيقات التي أصبحت تستنزف طاقاتهم، وربما تؤثر في المستقبل على دراستهم وتحصيلهم الأكاديمي، إضافة إلى ما قد يصيبهم من أمراض جسدية ونفسية، وقبل ذلك سرقت منهم طفولتهم، وحوّلتهم إلى ما يشبه الآلات.