المنتخب في كأس العالم والدبلوماسية الناعمة

إن سمعة الدول وصورتها تشكلان جزءًا مهمًّا من قوتها الناعمة، التي بدورها تسهم في تشكيل وبناء علاقاتها الدولية. ويعتبر كثير من الباحثين في مجال الدبلوماسية الشعبية أن الصورة الجيدة للدول قد يكون لها مدلولأكبر بكثير من قوتها الاقتصادية والعسكرية. وهذا ما تسعى إليه السعودية، وأعلنته من خلال رؤيتها 2030، التي رأت أن الوصول لشعوب العالم وتعريفهم بالسعودية متطلب تحتاج إليه المرحلة القادمة. ولا يعد هذا بالأمر السهل، بل كما تقول "شارلوت بيرز"، وكيلة وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الدبلوماسية الشعبية: إن مهمة تحسين وبناء صورة جيدة عن بلادك عند الآخرين واجب صعب وعسير؛ فالدول ليست كمعجون الأسنان، نستطيع تشكيلها كما نريد، بل هي كيانات معقدة ومتداخلة.

لقد أصبحت السعودية تؤمن أكثر من أي وقت مضي بأن تشجيع المواطنين والشباب للعمل كدبلوماسيين يزيد من قوتها الناعمة.. وهذا واضح ولمسناه أثناء زيارات ولى العهد - حفظه الله - لعدد من الدول العظمى في مارس/ إبريل 2018؛ إذ كان هناك دعم وحضور شبابي للمبتعثين في بريطانيا وأمريكا وفرنسا من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، وإطلاقالهاشتاقات التي تحكي قصص نجاحات سعودية، وتروي الكثير من حكايات الوطن بفخر.. وأعتقد أنها لم تكن عشوائية؛ لأن العمل واضح وممنهج،وتبدو لمسات الاتصال الحكومي واضحة في انتقاء التغطية والصور الملتقطة للأمير محمد بن سلمان في زياراته المتعددة. كما أن السعودية أيقنت بأن الرياضة مجال مهم جدًّا، يتم من خلاله ممارسة الدبلوماسية الشعبية. وللدول الكبرى تجارب ناجحة بهذا الشأن؛ فقد قامت الصين سابقًا بالاستفادة من المونديال لتحسين صورتها عن طريق الاتصال الفعال بالرياضيين، واستغلال فرقها الرياضية بعد تدريب اللاعبين على طريقة الاتصال مع الشعوب الأخرى. وهذا كان له دور مهم في تشكيل انطباعات جيدة وغير متوقعة عن الشعب والسياسة الصينية.

والسعودية منذ سنوات وهي تعاني عدم وصول صورتها بشكلها الصحيح رغم كل الجهود التي تقوم بها من تقديم معونات ومبادرات المصالحة والدعم العسكري للدول في المنطقة.. ولديها رصيد من الأنشطة الثقافية بعدد من الدول، وترسل طلابها ومبتعثيها في جميع أنحاء المعمورة.. ورغم ذلك صورتها ما زالت تشوه. وجاء في بعض البحوث "القليلة" التي تدرس الدبلوماسية الشعبية للمملكة تأكيد لضعف برامج الدبلوماسية الشعبية المعنية بالاتصال الاحترافي مع الشعوب الأجنبية، الذي ترجع أسبابه إلىعدم وجود جهات متخصصة ومسؤولة عن رسم استراتيجية دبلوماسية شعبية للمملكة، وعدم وجود منهج موحد وتخطيط علمي، يقود المراكب لصورة حقيقية عن السعودية.

لكن - فيما يبدو - سيتطور الوضع كثيرًا بعد إعلان الرؤية المباركة، التي جاءت لتشجع الرياضة بأنواعها لإيمان القيادة بدور الرياضة في نشردبلوماسية ناعمة عن الدول التي بدأنا نرى بوادرها بوضوح؛ إذ شهدنا في الآونة الأخيرة نقلة نوعية في الحضور الرياضي ذي الأهداف الدبلوماسية؛فقد استضافت السعودية بطولة الملك سلمان العالمية للشطرنج، وماراثون الرياض الدولي، ومنافسات WWE للمصارعة، و"رالي" عالميًّا، واستضافت شخصيات رياضية مهمة، حظيت بنسبة متابعة عالية، واهتمام وسائل الإعلام العالمي.. وهو ما يحسب للهيئة العامة للرياضية؛ إذ كان لها جهود بارزة لتحقيق رؤية السعودية، واستطاعت من خلال خططها نقل صورة متحضرة للعالم عن السعودية.

ولعل مشاركة السعودية بكأس العالم 2018 بروسيا حدث دبلوماسيمهم، أحسنت السعودية الاستفادة منه لخدمة تحسين صورتها التي دائمًا ما تتعرض للتشويه. وأنا هنا سأتحدث عن مشاركة المنتخب بكأس العالم 2018، ليس كحدث رياضي، ولكن كحدث سياسي، سيُسهم في إصلاحصورة الدولة عبر عدد من الاستراتيجيات التي اتبعتها الدولة بزيارات المعسكرات للدول الغربية. فبعد غياب عن آخر نسختين لكأس العالم 2010 بجنوب إفريقيا و2014 بالبرازيل تعود السعودية لتلعب مع البلد المضيف روسيا في افتتاح مباريات كأس العالم. ولم يسبق لأي دولة عربيه أن لعبت في الافتتاحية؛ وهذا يمنح لاسم السعودية حضورًا هائلاً، ويجعل أنظار العالم تتجه لها بقوة، بل يتوقع أن يشاهد المباراة الافتتاحية أكثر منمليار نسمة، هذا فضلاً عن أن مثل هذه الافتتاحيات لكأس العالم تشهد حضورًا رسميًّا لرؤساء دول وملوك وقادة بارزين من العالم. واهتمت السعوديةبالاستفادة من حضورها القوي من خلال إرسال رسائل السلام للعالم؛ إذوضعت ضمن خططها أن يصاحب المعسكر بكل بلد معرض سعودي ثقافي بعنوان جميل ومعبِّر (سعوديون مروا من هنا)، ويستقر بكامل هيبته في آخر محطة له بروسيا. وقد زُود بعروض مدعومة بتقنية الواقع الافتراضي "VR"عن جغرافية السعودية وآثارها وتراثها وفنونها الشعبية، وعروض لمشاريعها المستقبلية الضخمة، كـ"نيوم والقدية والبحر الأحمر". وجميع الفيديوهات التي تعرض مترجمة للغات أجنبية. كل ذلك يعد تسويقًا لصورة حقيقية عن التطور الحضاري في السعودية، وأهميتها العالمية والاقتصادية والإنسانية. كما أن هناك زيارات للمدارس؛ إذ زار المعسكر "مدرسة خوان رامون خيميزفي إسبانيا"، واستقبلهم الطلاب والمعلمون بالأعلام السعودية. وقالت مديرة المدرسة في تغطية للزيارة، تم نشرها على حساب المنتخب السعودي بتويتر @saudint : إن المدرسة استعدت منذ أسبوع للزيارة، وذلك بالتعريف الكامل بالسعودية، وتاريخها، وطباع شعبها، والتطور الحضاري فيها.. وهو ما جعل الطلاب ومنسوبي المدرسة يقولون "سنكون من أكثرالمشجعين للمملكة في مباراتها مع روسيا". وهذا – بنظري - بداية جهود مثمرة ومهمة لدبلوماسية ناعمة، تحتاج إليها السعودية حاليًا. ولم يكتفِ الفريق بذلك، بل زار دورًا للأيتام ومستشفيات ومراكز خيرية.. وكان له وجود وحضور قوي عبر شبكات التواصل الاجتماعي بلغات متعددة.

حرصت السعودية على أن لا تكون مشاركتها رياضية وحسب، بل تخطىذلك إلى جوانب دبلوماسية احترافية، هي نصف النجاح الذي نطالب به فيما يتعلق بالدبلوماسية الشعبية التي تجعل من كل سعودي سفيرًا، يحمل رسائل السعودية السلمية للعالم؛ لأن هذا أبلغ تأثير وأكثر مصداقية للرسائل الموجهة. النصف الآخر من النجاح هو الاستمرارية، وتقييم الجهود، والتشديد على أن يكون مصدر الرسالة ولغتها ووقتها متوافقة ومتناغمة مع بعضها في جميع المناسبات، ومن جميع القطاعات.

وكل ما ذكر خطوات لإصلاح صورة الدولة، التي لأجلها تُنشئ الدول الكبرى مجالس ومنظمات، يكون دورها عمل بحوث، وعقد جلسات نقاش مفتوحة ومقابلات مركزة؛ للوصول لاستراتيجية مناسبة، تنطلق منها لتحسين صورتها؛ فقد أنشأت سويسرا منظمة متخصصة لهذا الشأن، لكنها لم تنجح بسبب أنهم عملوا بطريقة مجزأة لتحسين صورتهم؛ فلم تكن الوزارات والمنظمات والشعب ضمن هذه الانطلاقة، بخلاف جنوب إفريقيا التي أنشأت لها ما يعرف بـ"المجلس العالمي لتسويق جنوب إفريقيا"، وجعلت الجميع جزءًا منه، وأطلقت شعار "جنوب إفريقيا على قيد الحياة.. وتستطيع"، ولم تجعل الناس في جنوب إفريقيا يتبنون الشعار فقط، لكنها اعتبرته وعدًا للأمة؛ ما جعلهم يفاخرون به. ففي وقت من الأوقات لاحظ المسؤولون بجنوب إفريقيا أن هناك صورًا متعددة، تصل للعالم عن إفريقيا، وكلها نوعًا ما إيجابية، لكن لم تُحدث أثرًا ملموسًا، ولم تغير من صورتها؛ لذا كان واجب المجلس المسؤول عن صورة جنوب إفريقيا وضع استراتيجية، قسموها لأربع مراحل، هي:

• إعداد صورة للوطن الأم (صورة إيجابية ومقنعة)، تكون هي الأساس.

• عمل ارتباط لهيكل هذه الصورة "صورة الوطن الأم" مع جميع العلامات الأخرى بالبلد، وجعل العلامات كلها تندرج تحتها، مثل "العلامات التجارية والسياحة والاستثمارية".

• إعداد استراتيجية للمجلس العالمي لتسويق جنوب إفريقيا، تكون خارطة طريق لتحقيق هدف صورة الوطن الأم، أو وعد الأمة كما يسمونه. وهذه الاستراتيجية تجعل المجلس وصيًّا على صورة الدولة. ولتحقيق الأهدافبشكل جيد جعلت ضمن الأعضاء أصحاب المصالح من التجار والمستثمرين لضمان تبني الفكرة، والحماس بتنفيذها.

• وضع برامج دقيقة للمتابعة والمراجعة المستمرة.

وتحت هذه الخطوات تنسدل عدد من الخطوات المدروسة، التي أوصلت جنوب إفريقيا إلى بلد سياحي استثماري، استطاع أن يستضيف كأس العالمعام 2010.

الحقيقة، إن طموحنا أن يقدم السعوديون دبلوماسية شعبية عبر طرق التواصل المتعددة، سواء تقليدية أو إلكترونية، وتواصل مباشر، بطريقة تخدم بلادنا، وتقدمنا كما نحن زعماء للحب والسلام والتحضر والرقي؛ لأن هذه الصورة هي بوابة ليست فقط لعبور أنفاق السياسة والتأثير على الرأي العامالعالمي - رغم أهميته - لكنها مفاتيح للاستثمار والمشاريع الاقتصادية، والحضور المهم على منصات القيادة العالمية.

اعلان
المنتخب في كأس العالم والدبلوماسية الناعمة
سبق

إن سمعة الدول وصورتها تشكلان جزءًا مهمًّا من قوتها الناعمة، التي بدورها تسهم في تشكيل وبناء علاقاتها الدولية. ويعتبر كثير من الباحثين في مجال الدبلوماسية الشعبية أن الصورة الجيدة للدول قد يكون لها مدلولأكبر بكثير من قوتها الاقتصادية والعسكرية. وهذا ما تسعى إليه السعودية، وأعلنته من خلال رؤيتها 2030، التي رأت أن الوصول لشعوب العالم وتعريفهم بالسعودية متطلب تحتاج إليه المرحلة القادمة. ولا يعد هذا بالأمر السهل، بل كما تقول "شارلوت بيرز"، وكيلة وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الدبلوماسية الشعبية: إن مهمة تحسين وبناء صورة جيدة عن بلادك عند الآخرين واجب صعب وعسير؛ فالدول ليست كمعجون الأسنان، نستطيع تشكيلها كما نريد، بل هي كيانات معقدة ومتداخلة.

لقد أصبحت السعودية تؤمن أكثر من أي وقت مضي بأن تشجيع المواطنين والشباب للعمل كدبلوماسيين يزيد من قوتها الناعمة.. وهذا واضح ولمسناه أثناء زيارات ولى العهد - حفظه الله - لعدد من الدول العظمى في مارس/ إبريل 2018؛ إذ كان هناك دعم وحضور شبابي للمبتعثين في بريطانيا وأمريكا وفرنسا من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، وإطلاقالهاشتاقات التي تحكي قصص نجاحات سعودية، وتروي الكثير من حكايات الوطن بفخر.. وأعتقد أنها لم تكن عشوائية؛ لأن العمل واضح وممنهج،وتبدو لمسات الاتصال الحكومي واضحة في انتقاء التغطية والصور الملتقطة للأمير محمد بن سلمان في زياراته المتعددة. كما أن السعودية أيقنت بأن الرياضة مجال مهم جدًّا، يتم من خلاله ممارسة الدبلوماسية الشعبية. وللدول الكبرى تجارب ناجحة بهذا الشأن؛ فقد قامت الصين سابقًا بالاستفادة من المونديال لتحسين صورتها عن طريق الاتصال الفعال بالرياضيين، واستغلال فرقها الرياضية بعد تدريب اللاعبين على طريقة الاتصال مع الشعوب الأخرى. وهذا كان له دور مهم في تشكيل انطباعات جيدة وغير متوقعة عن الشعب والسياسة الصينية.

والسعودية منذ سنوات وهي تعاني عدم وصول صورتها بشكلها الصحيح رغم كل الجهود التي تقوم بها من تقديم معونات ومبادرات المصالحة والدعم العسكري للدول في المنطقة.. ولديها رصيد من الأنشطة الثقافية بعدد من الدول، وترسل طلابها ومبتعثيها في جميع أنحاء المعمورة.. ورغم ذلك صورتها ما زالت تشوه. وجاء في بعض البحوث "القليلة" التي تدرس الدبلوماسية الشعبية للمملكة تأكيد لضعف برامج الدبلوماسية الشعبية المعنية بالاتصال الاحترافي مع الشعوب الأجنبية، الذي ترجع أسبابه إلىعدم وجود جهات متخصصة ومسؤولة عن رسم استراتيجية دبلوماسية شعبية للمملكة، وعدم وجود منهج موحد وتخطيط علمي، يقود المراكب لصورة حقيقية عن السعودية.

لكن - فيما يبدو - سيتطور الوضع كثيرًا بعد إعلان الرؤية المباركة، التي جاءت لتشجع الرياضة بأنواعها لإيمان القيادة بدور الرياضة في نشردبلوماسية ناعمة عن الدول التي بدأنا نرى بوادرها بوضوح؛ إذ شهدنا في الآونة الأخيرة نقلة نوعية في الحضور الرياضي ذي الأهداف الدبلوماسية؛فقد استضافت السعودية بطولة الملك سلمان العالمية للشطرنج، وماراثون الرياض الدولي، ومنافسات WWE للمصارعة، و"رالي" عالميًّا، واستضافت شخصيات رياضية مهمة، حظيت بنسبة متابعة عالية، واهتمام وسائل الإعلام العالمي.. وهو ما يحسب للهيئة العامة للرياضية؛ إذ كان لها جهود بارزة لتحقيق رؤية السعودية، واستطاعت من خلال خططها نقل صورة متحضرة للعالم عن السعودية.

ولعل مشاركة السعودية بكأس العالم 2018 بروسيا حدث دبلوماسيمهم، أحسنت السعودية الاستفادة منه لخدمة تحسين صورتها التي دائمًا ما تتعرض للتشويه. وأنا هنا سأتحدث عن مشاركة المنتخب بكأس العالم 2018، ليس كحدث رياضي، ولكن كحدث سياسي، سيُسهم في إصلاحصورة الدولة عبر عدد من الاستراتيجيات التي اتبعتها الدولة بزيارات المعسكرات للدول الغربية. فبعد غياب عن آخر نسختين لكأس العالم 2010 بجنوب إفريقيا و2014 بالبرازيل تعود السعودية لتلعب مع البلد المضيف روسيا في افتتاح مباريات كأس العالم. ولم يسبق لأي دولة عربيه أن لعبت في الافتتاحية؛ وهذا يمنح لاسم السعودية حضورًا هائلاً، ويجعل أنظار العالم تتجه لها بقوة، بل يتوقع أن يشاهد المباراة الافتتاحية أكثر منمليار نسمة، هذا فضلاً عن أن مثل هذه الافتتاحيات لكأس العالم تشهد حضورًا رسميًّا لرؤساء دول وملوك وقادة بارزين من العالم. واهتمت السعوديةبالاستفادة من حضورها القوي من خلال إرسال رسائل السلام للعالم؛ إذوضعت ضمن خططها أن يصاحب المعسكر بكل بلد معرض سعودي ثقافي بعنوان جميل ومعبِّر (سعوديون مروا من هنا)، ويستقر بكامل هيبته في آخر محطة له بروسيا. وقد زُود بعروض مدعومة بتقنية الواقع الافتراضي "VR"عن جغرافية السعودية وآثارها وتراثها وفنونها الشعبية، وعروض لمشاريعها المستقبلية الضخمة، كـ"نيوم والقدية والبحر الأحمر". وجميع الفيديوهات التي تعرض مترجمة للغات أجنبية. كل ذلك يعد تسويقًا لصورة حقيقية عن التطور الحضاري في السعودية، وأهميتها العالمية والاقتصادية والإنسانية. كما أن هناك زيارات للمدارس؛ إذ زار المعسكر "مدرسة خوان رامون خيميزفي إسبانيا"، واستقبلهم الطلاب والمعلمون بالأعلام السعودية. وقالت مديرة المدرسة في تغطية للزيارة، تم نشرها على حساب المنتخب السعودي بتويتر @saudint : إن المدرسة استعدت منذ أسبوع للزيارة، وذلك بالتعريف الكامل بالسعودية، وتاريخها، وطباع شعبها، والتطور الحضاري فيها.. وهو ما جعل الطلاب ومنسوبي المدرسة يقولون "سنكون من أكثرالمشجعين للمملكة في مباراتها مع روسيا". وهذا – بنظري - بداية جهود مثمرة ومهمة لدبلوماسية ناعمة، تحتاج إليها السعودية حاليًا. ولم يكتفِ الفريق بذلك، بل زار دورًا للأيتام ومستشفيات ومراكز خيرية.. وكان له وجود وحضور قوي عبر شبكات التواصل الاجتماعي بلغات متعددة.

حرصت السعودية على أن لا تكون مشاركتها رياضية وحسب، بل تخطىذلك إلى جوانب دبلوماسية احترافية، هي نصف النجاح الذي نطالب به فيما يتعلق بالدبلوماسية الشعبية التي تجعل من كل سعودي سفيرًا، يحمل رسائل السعودية السلمية للعالم؛ لأن هذا أبلغ تأثير وأكثر مصداقية للرسائل الموجهة. النصف الآخر من النجاح هو الاستمرارية، وتقييم الجهود، والتشديد على أن يكون مصدر الرسالة ولغتها ووقتها متوافقة ومتناغمة مع بعضها في جميع المناسبات، ومن جميع القطاعات.

وكل ما ذكر خطوات لإصلاح صورة الدولة، التي لأجلها تُنشئ الدول الكبرى مجالس ومنظمات، يكون دورها عمل بحوث، وعقد جلسات نقاش مفتوحة ومقابلات مركزة؛ للوصول لاستراتيجية مناسبة، تنطلق منها لتحسين صورتها؛ فقد أنشأت سويسرا منظمة متخصصة لهذا الشأن، لكنها لم تنجح بسبب أنهم عملوا بطريقة مجزأة لتحسين صورتهم؛ فلم تكن الوزارات والمنظمات والشعب ضمن هذه الانطلاقة، بخلاف جنوب إفريقيا التي أنشأت لها ما يعرف بـ"المجلس العالمي لتسويق جنوب إفريقيا"، وجعلت الجميع جزءًا منه، وأطلقت شعار "جنوب إفريقيا على قيد الحياة.. وتستطيع"، ولم تجعل الناس في جنوب إفريقيا يتبنون الشعار فقط، لكنها اعتبرته وعدًا للأمة؛ ما جعلهم يفاخرون به. ففي وقت من الأوقات لاحظ المسؤولون بجنوب إفريقيا أن هناك صورًا متعددة، تصل للعالم عن إفريقيا، وكلها نوعًا ما إيجابية، لكن لم تُحدث أثرًا ملموسًا، ولم تغير من صورتها؛ لذا كان واجب المجلس المسؤول عن صورة جنوب إفريقيا وضع استراتيجية، قسموها لأربع مراحل، هي:

• إعداد صورة للوطن الأم (صورة إيجابية ومقنعة)، تكون هي الأساس.

• عمل ارتباط لهيكل هذه الصورة "صورة الوطن الأم" مع جميع العلامات الأخرى بالبلد، وجعل العلامات كلها تندرج تحتها، مثل "العلامات التجارية والسياحة والاستثمارية".

• إعداد استراتيجية للمجلس العالمي لتسويق جنوب إفريقيا، تكون خارطة طريق لتحقيق هدف صورة الوطن الأم، أو وعد الأمة كما يسمونه. وهذه الاستراتيجية تجعل المجلس وصيًّا على صورة الدولة. ولتحقيق الأهدافبشكل جيد جعلت ضمن الأعضاء أصحاب المصالح من التجار والمستثمرين لضمان تبني الفكرة، والحماس بتنفيذها.

• وضع برامج دقيقة للمتابعة والمراجعة المستمرة.

وتحت هذه الخطوات تنسدل عدد من الخطوات المدروسة، التي أوصلت جنوب إفريقيا إلى بلد سياحي استثماري، استطاع أن يستضيف كأس العالمعام 2010.

الحقيقة، إن طموحنا أن يقدم السعوديون دبلوماسية شعبية عبر طرق التواصل المتعددة، سواء تقليدية أو إلكترونية، وتواصل مباشر، بطريقة تخدم بلادنا، وتقدمنا كما نحن زعماء للحب والسلام والتحضر والرقي؛ لأن هذه الصورة هي بوابة ليست فقط لعبور أنفاق السياسة والتأثير على الرأي العامالعالمي - رغم أهميته - لكنها مفاتيح للاستثمار والمشاريع الاقتصادية، والحضور المهم على منصات القيادة العالمية.

22 مايو 2018 - 7 رمضان 1439
01:58 AM

المنتخب في كأس العالم والدبلوماسية الناعمة

فوزية الحربي - الرياض
A A A
2
1,280

إن سمعة الدول وصورتها تشكلان جزءًا مهمًّا من قوتها الناعمة، التي بدورها تسهم في تشكيل وبناء علاقاتها الدولية. ويعتبر كثير من الباحثين في مجال الدبلوماسية الشعبية أن الصورة الجيدة للدول قد يكون لها مدلولأكبر بكثير من قوتها الاقتصادية والعسكرية. وهذا ما تسعى إليه السعودية، وأعلنته من خلال رؤيتها 2030، التي رأت أن الوصول لشعوب العالم وتعريفهم بالسعودية متطلب تحتاج إليه المرحلة القادمة. ولا يعد هذا بالأمر السهل، بل كما تقول "شارلوت بيرز"، وكيلة وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الدبلوماسية الشعبية: إن مهمة تحسين وبناء صورة جيدة عن بلادك عند الآخرين واجب صعب وعسير؛ فالدول ليست كمعجون الأسنان، نستطيع تشكيلها كما نريد، بل هي كيانات معقدة ومتداخلة.

لقد أصبحت السعودية تؤمن أكثر من أي وقت مضي بأن تشجيع المواطنين والشباب للعمل كدبلوماسيين يزيد من قوتها الناعمة.. وهذا واضح ولمسناه أثناء زيارات ولى العهد - حفظه الله - لعدد من الدول العظمى في مارس/ إبريل 2018؛ إذ كان هناك دعم وحضور شبابي للمبتعثين في بريطانيا وأمريكا وفرنسا من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، وإطلاقالهاشتاقات التي تحكي قصص نجاحات سعودية، وتروي الكثير من حكايات الوطن بفخر.. وأعتقد أنها لم تكن عشوائية؛ لأن العمل واضح وممنهج،وتبدو لمسات الاتصال الحكومي واضحة في انتقاء التغطية والصور الملتقطة للأمير محمد بن سلمان في زياراته المتعددة. كما أن السعودية أيقنت بأن الرياضة مجال مهم جدًّا، يتم من خلاله ممارسة الدبلوماسية الشعبية. وللدول الكبرى تجارب ناجحة بهذا الشأن؛ فقد قامت الصين سابقًا بالاستفادة من المونديال لتحسين صورتها عن طريق الاتصال الفعال بالرياضيين، واستغلال فرقها الرياضية بعد تدريب اللاعبين على طريقة الاتصال مع الشعوب الأخرى. وهذا كان له دور مهم في تشكيل انطباعات جيدة وغير متوقعة عن الشعب والسياسة الصينية.

والسعودية منذ سنوات وهي تعاني عدم وصول صورتها بشكلها الصحيح رغم كل الجهود التي تقوم بها من تقديم معونات ومبادرات المصالحة والدعم العسكري للدول في المنطقة.. ولديها رصيد من الأنشطة الثقافية بعدد من الدول، وترسل طلابها ومبتعثيها في جميع أنحاء المعمورة.. ورغم ذلك صورتها ما زالت تشوه. وجاء في بعض البحوث "القليلة" التي تدرس الدبلوماسية الشعبية للمملكة تأكيد لضعف برامج الدبلوماسية الشعبية المعنية بالاتصال الاحترافي مع الشعوب الأجنبية، الذي ترجع أسبابه إلىعدم وجود جهات متخصصة ومسؤولة عن رسم استراتيجية دبلوماسية شعبية للمملكة، وعدم وجود منهج موحد وتخطيط علمي، يقود المراكب لصورة حقيقية عن السعودية.

لكن - فيما يبدو - سيتطور الوضع كثيرًا بعد إعلان الرؤية المباركة، التي جاءت لتشجع الرياضة بأنواعها لإيمان القيادة بدور الرياضة في نشردبلوماسية ناعمة عن الدول التي بدأنا نرى بوادرها بوضوح؛ إذ شهدنا في الآونة الأخيرة نقلة نوعية في الحضور الرياضي ذي الأهداف الدبلوماسية؛فقد استضافت السعودية بطولة الملك سلمان العالمية للشطرنج، وماراثون الرياض الدولي، ومنافسات WWE للمصارعة، و"رالي" عالميًّا، واستضافت شخصيات رياضية مهمة، حظيت بنسبة متابعة عالية، واهتمام وسائل الإعلام العالمي.. وهو ما يحسب للهيئة العامة للرياضية؛ إذ كان لها جهود بارزة لتحقيق رؤية السعودية، واستطاعت من خلال خططها نقل صورة متحضرة للعالم عن السعودية.

ولعل مشاركة السعودية بكأس العالم 2018 بروسيا حدث دبلوماسيمهم، أحسنت السعودية الاستفادة منه لخدمة تحسين صورتها التي دائمًا ما تتعرض للتشويه. وأنا هنا سأتحدث عن مشاركة المنتخب بكأس العالم 2018، ليس كحدث رياضي، ولكن كحدث سياسي، سيُسهم في إصلاحصورة الدولة عبر عدد من الاستراتيجيات التي اتبعتها الدولة بزيارات المعسكرات للدول الغربية. فبعد غياب عن آخر نسختين لكأس العالم 2010 بجنوب إفريقيا و2014 بالبرازيل تعود السعودية لتلعب مع البلد المضيف روسيا في افتتاح مباريات كأس العالم. ولم يسبق لأي دولة عربيه أن لعبت في الافتتاحية؛ وهذا يمنح لاسم السعودية حضورًا هائلاً، ويجعل أنظار العالم تتجه لها بقوة، بل يتوقع أن يشاهد المباراة الافتتاحية أكثر منمليار نسمة، هذا فضلاً عن أن مثل هذه الافتتاحيات لكأس العالم تشهد حضورًا رسميًّا لرؤساء دول وملوك وقادة بارزين من العالم. واهتمت السعوديةبالاستفادة من حضورها القوي من خلال إرسال رسائل السلام للعالم؛ إذوضعت ضمن خططها أن يصاحب المعسكر بكل بلد معرض سعودي ثقافي بعنوان جميل ومعبِّر (سعوديون مروا من هنا)، ويستقر بكامل هيبته في آخر محطة له بروسيا. وقد زُود بعروض مدعومة بتقنية الواقع الافتراضي "VR"عن جغرافية السعودية وآثارها وتراثها وفنونها الشعبية، وعروض لمشاريعها المستقبلية الضخمة، كـ"نيوم والقدية والبحر الأحمر". وجميع الفيديوهات التي تعرض مترجمة للغات أجنبية. كل ذلك يعد تسويقًا لصورة حقيقية عن التطور الحضاري في السعودية، وأهميتها العالمية والاقتصادية والإنسانية. كما أن هناك زيارات للمدارس؛ إذ زار المعسكر "مدرسة خوان رامون خيميزفي إسبانيا"، واستقبلهم الطلاب والمعلمون بالأعلام السعودية. وقالت مديرة المدرسة في تغطية للزيارة، تم نشرها على حساب المنتخب السعودي بتويتر @saudint : إن المدرسة استعدت منذ أسبوع للزيارة، وذلك بالتعريف الكامل بالسعودية، وتاريخها، وطباع شعبها، والتطور الحضاري فيها.. وهو ما جعل الطلاب ومنسوبي المدرسة يقولون "سنكون من أكثرالمشجعين للمملكة في مباراتها مع روسيا". وهذا – بنظري - بداية جهود مثمرة ومهمة لدبلوماسية ناعمة، تحتاج إليها السعودية حاليًا. ولم يكتفِ الفريق بذلك، بل زار دورًا للأيتام ومستشفيات ومراكز خيرية.. وكان له وجود وحضور قوي عبر شبكات التواصل الاجتماعي بلغات متعددة.

حرصت السعودية على أن لا تكون مشاركتها رياضية وحسب، بل تخطىذلك إلى جوانب دبلوماسية احترافية، هي نصف النجاح الذي نطالب به فيما يتعلق بالدبلوماسية الشعبية التي تجعل من كل سعودي سفيرًا، يحمل رسائل السعودية السلمية للعالم؛ لأن هذا أبلغ تأثير وأكثر مصداقية للرسائل الموجهة. النصف الآخر من النجاح هو الاستمرارية، وتقييم الجهود، والتشديد على أن يكون مصدر الرسالة ولغتها ووقتها متوافقة ومتناغمة مع بعضها في جميع المناسبات، ومن جميع القطاعات.

وكل ما ذكر خطوات لإصلاح صورة الدولة، التي لأجلها تُنشئ الدول الكبرى مجالس ومنظمات، يكون دورها عمل بحوث، وعقد جلسات نقاش مفتوحة ومقابلات مركزة؛ للوصول لاستراتيجية مناسبة، تنطلق منها لتحسين صورتها؛ فقد أنشأت سويسرا منظمة متخصصة لهذا الشأن، لكنها لم تنجح بسبب أنهم عملوا بطريقة مجزأة لتحسين صورتهم؛ فلم تكن الوزارات والمنظمات والشعب ضمن هذه الانطلاقة، بخلاف جنوب إفريقيا التي أنشأت لها ما يعرف بـ"المجلس العالمي لتسويق جنوب إفريقيا"، وجعلت الجميع جزءًا منه، وأطلقت شعار "جنوب إفريقيا على قيد الحياة.. وتستطيع"، ولم تجعل الناس في جنوب إفريقيا يتبنون الشعار فقط، لكنها اعتبرته وعدًا للأمة؛ ما جعلهم يفاخرون به. ففي وقت من الأوقات لاحظ المسؤولون بجنوب إفريقيا أن هناك صورًا متعددة، تصل للعالم عن إفريقيا، وكلها نوعًا ما إيجابية، لكن لم تُحدث أثرًا ملموسًا، ولم تغير من صورتها؛ لذا كان واجب المجلس المسؤول عن صورة جنوب إفريقيا وضع استراتيجية، قسموها لأربع مراحل، هي:

• إعداد صورة للوطن الأم (صورة إيجابية ومقنعة)، تكون هي الأساس.

• عمل ارتباط لهيكل هذه الصورة "صورة الوطن الأم" مع جميع العلامات الأخرى بالبلد، وجعل العلامات كلها تندرج تحتها، مثل "العلامات التجارية والسياحة والاستثمارية".

• إعداد استراتيجية للمجلس العالمي لتسويق جنوب إفريقيا، تكون خارطة طريق لتحقيق هدف صورة الوطن الأم، أو وعد الأمة كما يسمونه. وهذه الاستراتيجية تجعل المجلس وصيًّا على صورة الدولة. ولتحقيق الأهدافبشكل جيد جعلت ضمن الأعضاء أصحاب المصالح من التجار والمستثمرين لضمان تبني الفكرة، والحماس بتنفيذها.

• وضع برامج دقيقة للمتابعة والمراجعة المستمرة.

وتحت هذه الخطوات تنسدل عدد من الخطوات المدروسة، التي أوصلت جنوب إفريقيا إلى بلد سياحي استثماري، استطاع أن يستضيف كأس العالمعام 2010.

الحقيقة، إن طموحنا أن يقدم السعوديون دبلوماسية شعبية عبر طرق التواصل المتعددة، سواء تقليدية أو إلكترونية، وتواصل مباشر، بطريقة تخدم بلادنا، وتقدمنا كما نحن زعماء للحب والسلام والتحضر والرقي؛ لأن هذه الصورة هي بوابة ليست فقط لعبور أنفاق السياسة والتأثير على الرأي العامالعالمي - رغم أهميته - لكنها مفاتيح للاستثمار والمشاريع الاقتصادية، والحضور المهم على منصات القيادة العالمية.