أسواق الدم!!

كفلت الشريعة الإسلامية حق القصاص لذوي المجني عليه تحقيقًا لمجموعة من المقاصد السامية والأهداف النبيلة، في مقدمتها جبر خواطرهم، وزجر الآخرين عن ارتكاب جرائم القتل، وغير ذلك من الأهداف.

كذلك لأولياء الدم الحق في التنازل عن القصاص وطلب الدية عوضًا عن ذلك نظير مقابل مالي يتم الاتفاق عليه مع ذوي الجاني. ويعتبر القصاص من الجناة على الأنفس وغيرها من الجروح حقًّا خاصًّا للمجني عليه أو ورثته، لا يجوز إرغامهم على التنازل عنه بأي شكل من الأشكال.

ولكن جرت العادة في السعودية على وجود جماعات من أهل الخير، يسعون بين الناس بالمعروف، ويجتهدون في التوصل إلى حلول بين ذوي القاتل والمقتول حقنًا للدماء، وصونًا للمجتمع من أي أعمال انتقامية قد يسعى إليها البعض للثأر والانتقام وأخذ الحقوق بغير طرقها المشروعة. وأولت الدولة اهتمامًا كبيرًا لذلك الجانب، وأنشأت العديد من هيئات إصلاح ذات البَيْن في مناطق السعودية كافة.

خلال الفترة الأخيرة برزت بعض الظواهر السلبية التي تتمثل في المبالغة والمزايدة في تحديد مبلغ الدية؛ وهو ما حرف هذا الحق عن مساره، وحوَّله إلى فرصة للتكسب والارتزاق؛ فظهر سماسرة، اتخذوا فضيلة إصلاح ذات البَين فرصة لتحقيق مكاسب مادية ذاتية، وأخذوا ينتهزون الظروف الصعبة لبعض العائلات، ويقدمون أنفسهم بمظهر الساعي لعمل الخير، ويعرضون على طرفَي النزاع التوصل إلى اتفاق للتنازل عن الدم بمبالغ كبيرة، ترهق الآخرين، وربما تدفعهم إلى بيع كل ما يملكونه لتوفير المبالغ المطلوبة التي يذهب جزءٌ منها إلى جيوب من باتوا يُعرَفون بسماسرة الدم. ومع إدانة مسلك هؤلاء الانتهازيين إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة وجود مصلحين يسعون بين الناس بالخير ابتغاء الأجر والثواب.

ولتأكيد حجم الأزمة التي يعانيها أهل الجاني تكفي الإشارة إلى لجوء البعض لإنشاء مخيمات وحملات تبرع لتجميع مبالغ الديات، وقبل كل هذا وذاك فإن هذه الظاهرة تخدش الصورة الإيجابية التي تعكس أصالة الشعب السعودي، وتُظهر بعض أفراده وكأنهم مجموعة من الانتهازيين.

ورغم أن الدولة أولت اهتمامًا كبيرًا للتصدي لتلك الظاهرة إلا أنها اختارت تشجيع الناس على التنازل والعفو دون إرغامهم على ذلك؛ ففي فبراير 2009 وصف الملك عبدالله –رحمه الله- تجاوُز مبلغ 500 ألف ريال للتنازل عن القصاص بأنه مبالَغ فيه، داعيًا إلى إعلاء فضيلة العفو والإصلاح. كما وافق مجلس الشورى في 23 سبتمبر 2018 على رفع توصية لإيجاد ضوابط للحد من المبالغة في ديات التنازل عن القصاص.

ومع استمرار المعاناة، وإصرار البعض على الاستغلال والاسترزاق، يبدو من الضروري أن تتكامل الأدوار بين الدولة والمجتمع، بحيث يتم تكثيف الاهتمام بمن يتنازلون عن حقهم في القصاص، وتكريمهم، والاحتفاء بهم في المناسبات الرسمية، وتشجيع رجال الأعمال لدعم لجان ذات البين، وتمويلها كجزء من المسؤولية الاجتماعية.

أما على الصعيد الرسمي فإن البعض ينتظر من الدولة أن تقدُمَ على سَن قوانين تمنع المغالاة في طلب الديات، والتصدي بالحسم اللازم للسماسرة الذين اعتادوا التربح من آلام الآخرين ومعاناتهم.

ومن الضروري كذلك وضع سقف أعلى للديات، لا يُسمح بتجاوزه؛ وذلك لوضع حد للمعاناة التي لا تنسجم مع مبادئ الإسلام، ودعوته إلى إعلاء قيم التسامح والصفح والعفو، مع البُعد عن المغالاة التي تتقاطع مع ما تربَّينا عليه من تقاليد راسخة وقيم نبيلة وعادات أصيلة مستمدَّة من شريعتنا السمحة.

وأختمُ حديثي بقولي لأولياء الدم "جبر الله مصابكم، إن عفوتم فهو خير، وإن كان لا بد من المغالاة في الدية فلماذا لا تترجم ببناء مستشفى أو حديقة أو مدرسة أو وحدات سكنية أو مرفق يستفيد منه أهالي المنطقة، وتعود ملكيته لكم؛ وبهذا قد أفدتم واستفدتم؟".

بندر مغرم الشهري
اعلان
أسواق الدم!!
سبق

كفلت الشريعة الإسلامية حق القصاص لذوي المجني عليه تحقيقًا لمجموعة من المقاصد السامية والأهداف النبيلة، في مقدمتها جبر خواطرهم، وزجر الآخرين عن ارتكاب جرائم القتل، وغير ذلك من الأهداف.

كذلك لأولياء الدم الحق في التنازل عن القصاص وطلب الدية عوضًا عن ذلك نظير مقابل مالي يتم الاتفاق عليه مع ذوي الجاني. ويعتبر القصاص من الجناة على الأنفس وغيرها من الجروح حقًّا خاصًّا للمجني عليه أو ورثته، لا يجوز إرغامهم على التنازل عنه بأي شكل من الأشكال.

ولكن جرت العادة في السعودية على وجود جماعات من أهل الخير، يسعون بين الناس بالمعروف، ويجتهدون في التوصل إلى حلول بين ذوي القاتل والمقتول حقنًا للدماء، وصونًا للمجتمع من أي أعمال انتقامية قد يسعى إليها البعض للثأر والانتقام وأخذ الحقوق بغير طرقها المشروعة. وأولت الدولة اهتمامًا كبيرًا لذلك الجانب، وأنشأت العديد من هيئات إصلاح ذات البَيْن في مناطق السعودية كافة.

خلال الفترة الأخيرة برزت بعض الظواهر السلبية التي تتمثل في المبالغة والمزايدة في تحديد مبلغ الدية؛ وهو ما حرف هذا الحق عن مساره، وحوَّله إلى فرصة للتكسب والارتزاق؛ فظهر سماسرة، اتخذوا فضيلة إصلاح ذات البَين فرصة لتحقيق مكاسب مادية ذاتية، وأخذوا ينتهزون الظروف الصعبة لبعض العائلات، ويقدمون أنفسهم بمظهر الساعي لعمل الخير، ويعرضون على طرفَي النزاع التوصل إلى اتفاق للتنازل عن الدم بمبالغ كبيرة، ترهق الآخرين، وربما تدفعهم إلى بيع كل ما يملكونه لتوفير المبالغ المطلوبة التي يذهب جزءٌ منها إلى جيوب من باتوا يُعرَفون بسماسرة الدم. ومع إدانة مسلك هؤلاء الانتهازيين إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة وجود مصلحين يسعون بين الناس بالخير ابتغاء الأجر والثواب.

ولتأكيد حجم الأزمة التي يعانيها أهل الجاني تكفي الإشارة إلى لجوء البعض لإنشاء مخيمات وحملات تبرع لتجميع مبالغ الديات، وقبل كل هذا وذاك فإن هذه الظاهرة تخدش الصورة الإيجابية التي تعكس أصالة الشعب السعودي، وتُظهر بعض أفراده وكأنهم مجموعة من الانتهازيين.

ورغم أن الدولة أولت اهتمامًا كبيرًا للتصدي لتلك الظاهرة إلا أنها اختارت تشجيع الناس على التنازل والعفو دون إرغامهم على ذلك؛ ففي فبراير 2009 وصف الملك عبدالله –رحمه الله- تجاوُز مبلغ 500 ألف ريال للتنازل عن القصاص بأنه مبالَغ فيه، داعيًا إلى إعلاء فضيلة العفو والإصلاح. كما وافق مجلس الشورى في 23 سبتمبر 2018 على رفع توصية لإيجاد ضوابط للحد من المبالغة في ديات التنازل عن القصاص.

ومع استمرار المعاناة، وإصرار البعض على الاستغلال والاسترزاق، يبدو من الضروري أن تتكامل الأدوار بين الدولة والمجتمع، بحيث يتم تكثيف الاهتمام بمن يتنازلون عن حقهم في القصاص، وتكريمهم، والاحتفاء بهم في المناسبات الرسمية، وتشجيع رجال الأعمال لدعم لجان ذات البين، وتمويلها كجزء من المسؤولية الاجتماعية.

أما على الصعيد الرسمي فإن البعض ينتظر من الدولة أن تقدُمَ على سَن قوانين تمنع المغالاة في طلب الديات، والتصدي بالحسم اللازم للسماسرة الذين اعتادوا التربح من آلام الآخرين ومعاناتهم.

ومن الضروري كذلك وضع سقف أعلى للديات، لا يُسمح بتجاوزه؛ وذلك لوضع حد للمعاناة التي لا تنسجم مع مبادئ الإسلام، ودعوته إلى إعلاء قيم التسامح والصفح والعفو، مع البُعد عن المغالاة التي تتقاطع مع ما تربَّينا عليه من تقاليد راسخة وقيم نبيلة وعادات أصيلة مستمدَّة من شريعتنا السمحة.

وأختمُ حديثي بقولي لأولياء الدم "جبر الله مصابكم، إن عفوتم فهو خير، وإن كان لا بد من المغالاة في الدية فلماذا لا تترجم ببناء مستشفى أو حديقة أو مدرسة أو وحدات سكنية أو مرفق يستفيد منه أهالي المنطقة، وتعود ملكيته لكم؛ وبهذا قد أفدتم واستفدتم؟".

25 يوليو 2021 - 15 ذو الحجة 1442
08:25 PM
اخر تعديل
23 أكتوبر 2021 - 17 ربيع الأول 1443
01:43 PM

أسواق الدم!!

بندر مغرم الشهري - الرياض
A A A
0
2,017

كفلت الشريعة الإسلامية حق القصاص لذوي المجني عليه تحقيقًا لمجموعة من المقاصد السامية والأهداف النبيلة، في مقدمتها جبر خواطرهم، وزجر الآخرين عن ارتكاب جرائم القتل، وغير ذلك من الأهداف.

كذلك لأولياء الدم الحق في التنازل عن القصاص وطلب الدية عوضًا عن ذلك نظير مقابل مالي يتم الاتفاق عليه مع ذوي الجاني. ويعتبر القصاص من الجناة على الأنفس وغيرها من الجروح حقًّا خاصًّا للمجني عليه أو ورثته، لا يجوز إرغامهم على التنازل عنه بأي شكل من الأشكال.

ولكن جرت العادة في السعودية على وجود جماعات من أهل الخير، يسعون بين الناس بالمعروف، ويجتهدون في التوصل إلى حلول بين ذوي القاتل والمقتول حقنًا للدماء، وصونًا للمجتمع من أي أعمال انتقامية قد يسعى إليها البعض للثأر والانتقام وأخذ الحقوق بغير طرقها المشروعة. وأولت الدولة اهتمامًا كبيرًا لذلك الجانب، وأنشأت العديد من هيئات إصلاح ذات البَيْن في مناطق السعودية كافة.

خلال الفترة الأخيرة برزت بعض الظواهر السلبية التي تتمثل في المبالغة والمزايدة في تحديد مبلغ الدية؛ وهو ما حرف هذا الحق عن مساره، وحوَّله إلى فرصة للتكسب والارتزاق؛ فظهر سماسرة، اتخذوا فضيلة إصلاح ذات البَين فرصة لتحقيق مكاسب مادية ذاتية، وأخذوا ينتهزون الظروف الصعبة لبعض العائلات، ويقدمون أنفسهم بمظهر الساعي لعمل الخير، ويعرضون على طرفَي النزاع التوصل إلى اتفاق للتنازل عن الدم بمبالغ كبيرة، ترهق الآخرين، وربما تدفعهم إلى بيع كل ما يملكونه لتوفير المبالغ المطلوبة التي يذهب جزءٌ منها إلى جيوب من باتوا يُعرَفون بسماسرة الدم. ومع إدانة مسلك هؤلاء الانتهازيين إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة وجود مصلحين يسعون بين الناس بالخير ابتغاء الأجر والثواب.

ولتأكيد حجم الأزمة التي يعانيها أهل الجاني تكفي الإشارة إلى لجوء البعض لإنشاء مخيمات وحملات تبرع لتجميع مبالغ الديات، وقبل كل هذا وذاك فإن هذه الظاهرة تخدش الصورة الإيجابية التي تعكس أصالة الشعب السعودي، وتُظهر بعض أفراده وكأنهم مجموعة من الانتهازيين.

ورغم أن الدولة أولت اهتمامًا كبيرًا للتصدي لتلك الظاهرة إلا أنها اختارت تشجيع الناس على التنازل والعفو دون إرغامهم على ذلك؛ ففي فبراير 2009 وصف الملك عبدالله –رحمه الله- تجاوُز مبلغ 500 ألف ريال للتنازل عن القصاص بأنه مبالَغ فيه، داعيًا إلى إعلاء فضيلة العفو والإصلاح. كما وافق مجلس الشورى في 23 سبتمبر 2018 على رفع توصية لإيجاد ضوابط للحد من المبالغة في ديات التنازل عن القصاص.

ومع استمرار المعاناة، وإصرار البعض على الاستغلال والاسترزاق، يبدو من الضروري أن تتكامل الأدوار بين الدولة والمجتمع، بحيث يتم تكثيف الاهتمام بمن يتنازلون عن حقهم في القصاص، وتكريمهم، والاحتفاء بهم في المناسبات الرسمية، وتشجيع رجال الأعمال لدعم لجان ذات البين، وتمويلها كجزء من المسؤولية الاجتماعية.

أما على الصعيد الرسمي فإن البعض ينتظر من الدولة أن تقدُمَ على سَن قوانين تمنع المغالاة في طلب الديات، والتصدي بالحسم اللازم للسماسرة الذين اعتادوا التربح من آلام الآخرين ومعاناتهم.

ومن الضروري كذلك وضع سقف أعلى للديات، لا يُسمح بتجاوزه؛ وذلك لوضع حد للمعاناة التي لا تنسجم مع مبادئ الإسلام، ودعوته إلى إعلاء قيم التسامح والصفح والعفو، مع البُعد عن المغالاة التي تتقاطع مع ما تربَّينا عليه من تقاليد راسخة وقيم نبيلة وعادات أصيلة مستمدَّة من شريعتنا السمحة.

وأختمُ حديثي بقولي لأولياء الدم "جبر الله مصابكم، إن عفوتم فهو خير، وإن كان لا بد من المغالاة في الدية فلماذا لا تترجم ببناء مستشفى أو حديقة أو مدرسة أو وحدات سكنية أو مرفق يستفيد منه أهالي المنطقة، وتعود ملكيته لكم؛ وبهذا قد أفدتم واستفدتم؟".